قفزت مسرعا إلى سيارتي الصغيرة مع إعلان استهداف الضاحية فجر الأول من مارس/آذار. أمي لا تزال في بيت العائلة القديم في منطقة "الشياح"، ويجب إخراجها فورا. الطريق من شارع الحمراء حيث أسكن، إلى الضاحية، خرج من فكرة المسافة، ليصير رحلة في زمن يقسو ويتصلب، يتقلب بين اندفاع خاطف قبل المداخل، وتوقف كامل عندها.
قبل الوصول، كان الظلام يسيطر على المكان. فجأة، اصطدمت بي سيارة لم أرها، اقتلعت مرآة سيارتي وهزتني بعنف. لم أتوقف. لم أرد أن أعرف ما حدث. كنت أريد فقط أن أصل. لكن الضاحية كانت تبتعد باستمرار، وتصبح مستحيلة، غير قابلة للوصول.
صفوف طويلة من السيارات تتجه إليها، وأخرى تحاول الخروج منها. الاتجاهات ماتت: لا يسار ولا يمين. ملامح الطرقات المألوفة اختفت، والظلام يهيمن على المشهد. ومع كثافة أضواء السيارات، كانت الضاحية تنبثق من الخلفية ككتلة من سواد كثيف تبتلع كل ضوء.
الذهول كان شاملا، يفرض نفسه على كل شيء. من روحه تتقافز دراجات نارية كحشرات مذعورة، تصطدم بالسيارات من دون احتجاج. نساء يسرن وحدهن، يدرن حول أنفسهن بلا اتجاه. أسأل: إلى أين تذهبن؟ فيأتيني الجواب: "لا ندري". رجال يحملون رزما منتفخة، كأنها ما تبقى لهم من المكان والذاكرة، يمشون حفاة بوجوه منكمشة.
يبادرني سائق عجوز من الجهة المقابلة: "لا يبدو أننا سننجو يا حاج هذه المرة". أجد نفسي، أنا الذي لا تخلو جعبته من الكلام، فارغا تماما من اللغة. لا أجد عبارة. أجيبه بتأوه، بهمهمة لا ترتقي إلى مرتبة الكلام: "لا..."، مطولة، متشققة، متصحرة، يائسة.
في الحرب تتعرى اللغة وتنكشف هشاشتها. تفتتها المأساة، فتعجز عن الإمساك بما يحدث، فكيف بوصفه. رأيت وجوها لا ترسم بالكلمات، ويأسا يخنق القصائد، ومكانا صار فجأة مرتعا للأشباح، بعد أن كان مأهولا بالناس والحكايات.
وصلت إلى أمي التي كانت تنتظر في الشارع لساعتين، واستطعت إخراجها إلى منطقة آمنة. وفي الطريق بدت الشوارع من الطيونة إلى وسط المدينة مكتظة بالناس الذين استوطنوا العراء وصاروا فجأة أبناءه، بعد أن كانوا يسكنون في بيوتهم بكرامة وطمأنينة. عائلات كاملة عند ساحة الشهداء، حيث ينتصب في ساحتها التمثال الشهير للشهداء، ينام أفرادها منكسرين عند قاعدته وحوله وعلى أطراف الشوارع وصولا إلى البحر. والبعض كان يحاول مقاومة البرد القارس بإشعال النار في براميل مهملة تستعمل للقمامة، والتحلق حولها بحثا عن دفء مفقود.
رأيت وجوها لا ترسم بالكلمات، ويأسا يخنق القصائد، ومكانا صار فجأة مرتعا للأشباح، بعد أن كان مأهولا بالناس والحكايات
أهاتف أخي الذي يسكن في منطقة في أعماق الضاحية تدعى "حي السلم". لا يجيب، وبعد محاولات حثيثة أسمع صوته مختنقا يقول إنه هو وعائلته بخير، ولكن لا مجال للخروج الآن. هم ينتظرون أن تهدأ وتيرة الفرار الجنوني لكي يمكن العبور، وإلا فسيكونون عالقين في الزحمة من دون أمل في الوصول. أطلب منه أن يعطيني ابنه البالغ من العمر عشر سنوات، فيصفعني بجملة لا يجب أن يلفظها أي طفل في العالم. يسألني: "يا عمو، حنموت؟". أتحشرج، وتصيبني غصة حادة تخترق القلب قبل أن أجيب بصوت عاجز عن طمأنته: "لا يا حبيبي، ستكونون بخير". ابنته المراهقة تحدثني بدورها بذهول، تقول لي: "خايفة جدا يا عمو". أقول لها: "لا بأس، لن يصيبكم أذى". شعور العجز يملأ الروح ويفتتها.
أنظر إلى مكتبتي العامرة بعشرات الكتب، وأتمنى لو أستطيع أن أبيد كل الأفكار وكل القيم وكل النظريات والأشعار والفلسفات، وأن أحرقها. لا شيء عند المتنبي ليقوله لي، ولا عند هيغل ولا ماركس ولا حنة أرندت ولا جيل دولوز ولا نيتشه ولا بوبر ولا إيكو ولا أغامبين ولا نجيب محفوظ. تمنيت أن أجمعهم كلهم في صف واحد، الأحياء منهم والأموات، وأن أعدمهم مرارا، عقابا على جعلنا نعتقد أنه من الممكن أن نفهم ما يجري وأن نكون قادرين على تحليله أو على تحمله.
لقد صمت العالم عندما قتل أكثر من مئة ألف فلسطيني في غزة بطرق قد يكون القتل بالقصف أكثرها رحمة، وبقي متماسكا وسائرا، ليس فقط كأن شيئا لم يحدث، بل كأن ما حدث هو الوقود الذي يسمح لآلة العالم بالدوران الدائم. تم التعامل مع الدم الفلسطيني كأنه مصمم للإهدار، وكأن إهراقه بهذا البذخ العلني والشامت والمتشفي والوحشي كامن في طبيعته. لذا ليس ما يحدث في لبنان سوى استئناف لمجزرة كبرى أخذت من العالم صك البراءة.
وها أنا أكتب بعد فترة من انفجار المجزرة وقد تجاوز عدد الشهداء الألف، وهو الرقم الذي طالما كان يعد عنوانا لما لا يمكن عده وإحصاؤه، ولكنه الآن بات مجرد رقم يرسم على الشاشات ويدون من دون أن يكون عنوانا لأمر جلل. يعبر في الفراغ والصمت ويعامل على أنه يصيب آخرين مجهولين وغرباء.
ليس ما يحدث في لبنان سوى استئناف لمجزرة كبرى أخذت من العالم صك البراءة
تم تصنيف فئة كبيرة من أبناء البلد على أنهم نذروا أنفسهم للموت، ولكن ما رأيته في لحظة الهول الكبير كان يقول غير ذلك تماما. لم يكن هؤلاء المتلهفون للخروج من الجحيم الذي انهال عليهم فجأة أبناء موت، بل كانوا أهلا وناسا، أبناء وبنات وآباء وأمهات. وهذه الصفات هي كل ما تواطأ الجميع على حرمانهم منه. فكانوا ضحايا مطلقين للإكراهات والأوهام.
تنفجر الحقيقة في اللحظات القصوى. بعد أيام من انفجار جحيم الجرائم الإسرائيلية الشاملة على لبنان، لا يزال بعض المهجرين الذين فتحت لهم أبواب المدارس يقفزون أمام شاشات الكاميرات التلفزيونية التي تحاول أن ترصد أحوالهم، صارخين بالشعارات نفسها، لأن ذلك نتيجة برمجة متصلة لفترة طويلة، وتلك بعض بقاياها وآثارها. ولكن أصواتا أكثر حدة ووضوحا تنفجر من داخل البيئة المنكوبة نفسها لتقول إن بيوتها ليست فداء لأحد، وأخرى تعبر عن الفقد واللوعة والانكسار بوضوح. ولكن ثمة تصنيفا لا يريد أن يتيح لهؤلاء الناس أن يكونوا ناسا.
إسرائيل لا تبالي بما يتبادله اللبنانيون فيما بينهم من أحقاد. تعلن بوضوح أن لا مكان آمنا في البلد، ولا خطوط حمراء تطال أي منطقة. شبكة الاستهدافات التي طالت الضاحية وبيروت والجنوب والبقاع والشمال وكل بقعة من البلد تعلن عن مدى احتقار ذلك العدو لنا وبنائه على أحقادنا.
تقع علينا إبادة تنفي الأطلال، و تراكم الركام، والفرق بين الأطلال والركام أنه مع الأطلال يبقى المكان محتفظا بذاكرته وحكاياته، ويمكن استعادته عبر إحيائها، ولكن الركام لا يقول شيئا ولا يسمح بتركيب موقف أو استعادة ذاكرة. إنه الصمت المطلق الذي يبتلع كل شيء.
لعل ما يؤمن به اللبنانيون من أن المقتلة التي تصيب الأهل ستجعلهم منتصرين، ليس سوى انتصار الركام
والركام ليس درجة معينة من الدمار، بل إنه في الأساس نظرة وموقف قبل موقعه المادي وحقيقته الفعلية، ومعناه لا يتمكن إلا بالاعتراف به. ولعل ما يؤمن به اللبنانيون من أن المقتلة التي تصيب الأهل ستجعلهم منتصرين ليس سوى انتصار الركام.