يأتي رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور، بعد معاناة مع المرض عن عمر 71 عاما، في لحظة لبنانية لا يكاد يميز المرء فيها البدايات عن النهايات. فجنوب لبنان معرض لاحتلال إسرائيلي واسع، مذكرا بلحظة أخرى سجلت صعود صوت قعبور في المشهد الغنائي اللبناني والعربي، أي اجتياح 1982 الإسرائيلي للبنان، يوم صدح صوت الراحل بأغنيته الأشهر "أناديكم" من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، فضلا عن أغنياته العديدة التي كرسها لجنوب لبنان.
المنادي حتى الرحيل
بهذا المعنى، كان قعبور بشجنه وصفائه وهدوئه، ومعايشته لمراحل عديدة في تاريخ لبنان الحديث، حربا وسلما ، كأنه يحيا في هيئة جرح مفتوح. كثر سواه تبنوا الآلام والجراح وكتبوا وغنوا عنها، لكنها بقيت خارجهم. أما قعبور فقد سكن صوته في كل الجراح، من فلسطين إلى الحب المخذول، ومن النبطية والليطاني وحي السلم والخيام إلى بيروت. لم يضع مسافة بينها وبين روحه، ولم يغنها، بل عاشها في كل نفس من أنفاسه، وكل خفقة من قلبه.
منذ العام 1975، عشية الحرب الأهلية اللبنانية، ظل قعبور ينادي حتى لحظة رحيله، واختار ذلك الدور القاسي في فضاء لا يستجيب لأي نداء، فعاش انكسار الصوت والقضايا، لكنه بقي مصرا على النفخ في رمادها، لعل جمرة عاصية لا تزال مشتعلة، فتصعد منها نار الحب والأمل. أوجعه يقين يأسك، الذي كان دائما يحارب وضوح عقله، لكنه اختار على الأرجح أن يكون قلبا يفكر، وهذا النوع من القلوب لا يغادر الانكسار.
المنادي غير المنذر، فهو حامل البشارات دائما، وقد كرس قعبور نفسه لها، فصنع لجيل وأكثر من اللبنانيين أعيادا ومباهج، وعلمهم قراءة الأمكنة، وتهجي ملامح التراب وروائح البيوت، كمما علمهم معنى عاصمتهم بيروت بالمعنى الرحب الذي منحه للمدينة، والذي ساهم في توسيعه حتى صار كونا رحبا.
العيد وروحه
عندما غام وجه الأعياد واسود، لونه قعبور بأغنيات لا تزال توقظ في كثر من اللبنانيين دفء العيد وروحه، على الرغم من كل شيء. فقد أعاد المدينة، بيروت، عروسا تضع طرحة بيضاء على الدوام، ولا تغادر حسنها أو تخونه. وكان في الوقت نفسه لا يتوقف عن الارتحال إلى فلسطين وترابها وليمونها، فصنع ما لا يمكن استهلاكه أو نسيانه ، وقدم في الوقت نفسه أثرا صافيا يحل في الروح مباشرة، ويعيدها إلى ألفتها الأصلية.


