تحتفظ المدن دائما بصورة واضحة عما بعد لحظة الهمجية. لا تكف عن بثها باستمرار، مفخخة مجال الوحشية، مهما اتسع، بوعود الغد.
كل مدن العالم الكبرى هي في حقيقة الأمر انبثاقات متتالية من تحت الرماد. فتلك القدرة المزروعة في قلب مفهوم المدينة وصورتها تحول القصف ومحاولات التدمير الإبادية والمجازر إلى لحظة عاجزة عن الحلول في التاريخ كخلاصة، بل تبقى حدثا عابرا لا يملك عناصر الديمومة والثبات والاستقرار، ولا يستطيع تكوين نظام معان، بل يخرج المعنى من تجاوزه وتفكيكه.
أمام هذا التراكم الصلب لحضور المدينة ومعناها، يطلق الجيش الإسرائيلي، بالتأسيس على خيال ما بعد إبادي، عنوان "الظلام الأبدي" على عمليته في لبنان، محاولا كسر زمن بيروت بحصرها في لحظة التدمير وإغلاقها عليها وسجنها فيها.
الأبدي، مفهوما واصطلاحا، عرف تفسيرات عديدة في الفلسفة تلتقي في معظمها على اعتباره وجودا ثابتا غير قابل للتغيير، ويستمر من دون انقطاع أو يتكرر باستمرار. ربط الأبدية بالظلام يفصح عن رغبة في توليد مجزرة متواصلة لا يخف زخمها ولا يتخلل حضورها انقطاع أو فواصل زمنية.
قد يكون من الممكن، عبر تفكيك أبعاد هذا المصطلح، فهم طبيعة الاستجابة الإسرائيلية الهستيرية لمفهوم "الهدنة"، وذلك لأنها تشترط انقطاعا في سيرورة المجزرة، وهو ما لا يتحمله العقل الإسرائيلي الذي تتحكم في آليات إنتاجه عقليات سيكوباتية بامتياز.
ولعل أبرز دليل على ذلك اللغة التي سيطرت على الخطابات الإسرائيلية حول بيروت، بتركيزها على عدم التوقف والاستمرارية كتفسيرات ميدانية لمفهوم الظلام الأبدي. الغارات التي طالت كل أنحاء البلاد وتمركزت بشكل مكثف في جل أحياء العاصمة لا تستجيب لمنطق عسكري، ولا يمكن ردها إلى أهداف حربية حتى لو كان من نتائجها النجاح في تنفيذ اغتيالات وما إلى ذلك. فطبيعتها تجعل الفعل الحربي، مهما اتسع وتمادى، يتراجع إلى خلفية المشهد، لأنه لا يزال محكوما بشروط الواقع والأهداف، ولأنه دائما يمكن تجاوزه، أما ما لا يمكن تجاوزه فهو تحويل المدينة إلى كتلة صمت دائم لا ينطق بشيء ولا يخبر عن شيء.
تغرق اليوم المجزرة البيروتية في تعريفات ثقافية تتماهى مع التوصيف الإسرائيلي الذي لم يكن ليتجاوز كونه أضغاث أحلام ما لم يتم مده بعناصر تمكين داخلية لبنانية
ينبثق هذا المشروع الآن مدعوما بشروط تتيح تحقيقه في المجالين الواقعي والرمزي، فبيروت كانت إلى وقت قريب المكان اللبناني الأبرز الذي لم يتحول إلى منفى وبقي مصرا على إبراز مساحة خاصة من الرحابة والدفاع عنها. التعامل مع مسارات الحرب الجارية حاليا أغلق إلى حد كبير أبواب الرحابة البيروتية وفخخها بالخوف من الآخر.
لذا كان احتضار الرحابة كمجال مديني بيروتي مدخلا للظلام الإسرائيلي، فقد اغتيلت بيروت مرارا قبل أن يحل عليها الهول الإسرائيلي، لكنها كانت لا تزال تخترق محاولات قتلها بفكرتها التي تسفه ما يتبادله اللبنانيون في ما بينهم من أحقاد وتجعله عقيما، وتطلق إمكانيات مختلفة وتبرهن عليها.
تغرق اليوم المجزرة البيروتية في تعريفات ثقافية تتماهى مع التوصيف الإسرائيلي الذي لم يكن ليتجاوز كونه أضغاث أحلام ما لم يتم مده بعناصر تمكين داخلية لبنانية. ما يسود في توصيف المجزرة التي وقعت في بيروت يدرجها في موقع خلافي، فيحرمها من أن تكون مجزرة تصيب عاصمة البلاد وروحها بمعنى شامل وجماعي.
لحق ببيروت ما لحق بالجنوب وبكل المناطق، فقد سبق إخراج بيروت من الانتماء إلى الرحابة وتمثيلها، وطردت أماكن ومدن لبنانية من حيز الحداد الواجب والألم المشترك، فكان ما يحدث فيها أجنبيا بالصفة والأثر.
ذلك الظلام الأبدي الإسرائيلي يبدو في بعض أبعاده ملبننا، فالبلاد التي لا تجيد مشاركة الألم، ويموت أبناؤها كأفراد لا ينتسبون إلا إلى أحبابهم وأصدقائهم وعائلاتهم، سبق لها أن أنجزت ذلك المستحيل بنفسها. الظلام الأبدي لا يستكمله أو يبني عليه، بل يدفعه إلى حدود قصوى وحاسمة لم تكن ممكنة مهما بلغت سطوة التفوق العسكري والميداني والتكنولوجي.
تحضر بيروت الآن في دموع الرثاء. النائحون على بيروت ليسوا جماعات ولا تكتلات، بل أفراد يعون تماما أن النواح الصادق على مدينة الرحابة المقتولة يستعيدها بما كانت عليه، فتظل المساحة الوحيدة التي لم يحتلها الظلام العام الداخلي والإسرائيلي بعد. يشهرونه في وجه العالم في محاولة للحفاظ على ملامح بيروت كمدينة أصرت حتى اللحظة الأخيرة على أن تكون وطنا ممكنا.