لماذا يوثق الجنود الإسرائيليون "أوقاتهم السعيدة" في منازل الآخرين؟

لا بيت ممكنا لهم خارج الاحتلال

لماذا يوثق الجنود الإسرائيليون "أوقاتهم السعيدة" في منازل الآخرين؟

تحاصر المسيرات الإسرائيلية الصحافية آمال خليل خلال تغطيتها الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان، تلجأ إلى بيت في المنطقة، فيقصف البيت وتقتل الصحافية تحت حطامه.

تنتشر صور لجندية إسرائيلية تطبخ بكل سكينة وثقة في بيت محتل في مدينة بنت جبيل، وعلى محياها سرور فائض وبهجة ساطعة، وكذلك يظهر جنود إسرائيليون يسرقون كل ما أمكنهم سرقته من بيوت الجنوبيين المحتلة وينقلونه إلى شاحنات عسكرية تمهيدا لتحويل الأثاث المنهوب والأغراض المشحونة بالخصوصية والحميمية إلى غنائم تستعمل في الحياة اليومية ببساطة وتنفصل تماما عن مصادرها.

اللافت في هذا السياق أن التوثيق لا يأتي من الطرف الآخر الذي يقع عليه النهب والقتل بل من الجنود الإسرائيليين أنفسهم الذين باتوا يعدون مثل هذا التوثيق المخزي وتحرص الجيوش غالبا على إنكاره وعلى عدم خروجه إلى العلن، الجزء الأكثر أهمية من الحرب وكأنه روحها ومعناها. الثقة التامة والوضوح والتحضير المسبق لالتقاط الصور، يظهر فقدانها للبعد الحدثي المباشر لتبدو ترتيبا مسبقا ومنهجيا. وضوحها وتكرارها وكثافتها لا تنسجم مع تفسير يرى فيها مجرد طقس شعائري أو انفجار سيكولوجي لحظوي بل يدعم انتسابها إلى عقيدة مكتملة الأركان لا ترى فكرة البيت أو السكن خارج مفهوم اقتلاع بيت الآخر وسرقة ذكرياته وأشيائه.

البيت المكسور

يكشف المعنى اللغوي لمفهوم المغادرة في المعاجم العربية عن توتر دال بين معنى غادر، أي ترك الشيء وأعرض عنه، وبين الغدر، أي ترك الوفاء ونقض العهد. فكرة الترك بمعنى التخلي، تشكل القاسم المشترك بين الدلالات الممكنة. ولطالما برز في الأدبيات الإسرائيلية اتهام لأصحاب البيوت بأنهم تركوها، ووصف للأرض والمكان بأنهما كانا متروكين في الأساس، وكأن أصحاب الحق قد غدروا بالمكان والمنازل، فما كان من الإسرائيليين سوى ردم الفراغ ليس إلا.

الرجوع إلى النص التأسيسي لغسان كنفاني، "عائد إلى حيفا"، يتيح فهم تشكل وعي المنزل ومفهومه في إطار الصراع مع إسرائيل.

حين يزور سعيد وزوجته صفية بيتهما المسلوب في حيفا بعد عشرين عاما على مغادرته، تفتح لهما المستوطنة البولندية الباب فيبادرانها بالسؤال: "هل نستطيع أن ندخل". توصيف استقبال المستوطنة لهما كما رصده كنفاني، يستشرف ملامح وعي إسرائيلي بالألفة مع السلب، "انفرجت أسارير العجوز المتسائلة ووسعت في الطريق حتى دخلا".

كأن أصحاب الحق قد غدروا بالمكان والمنازل فما كان من الإسرائيليين سوى ردم الفراغ ليس إلا

سعيد عجز عن التعرف الى أشيائه الخاصة أو لمسها. كانت تحتشد في صمت جنائزي في المكان بشكل من عدم الاتساق. ويبرز كنفاني علاقة صاحب المكان بالبيت من خلال تفاصيل ميكروسكوبية ليوحي بفكرة الامتلاك، فسعيد بعد سنوات طوال، يتذكر تفصيلا يبدو هامشيا ولكنه في سياق الحدث يرتفع إلى مقام دلالي عريض ومكثف، "ريشات الطاووس كانت سبع ريشات وصارت خمس ريشات فقط". دلالة النقص هنا تنسحب على المكان نفسه الذي لم يعد كاملا وآيلا للاكتمال، بل بات متصدعا في فكرته وفي تحوله إلى نوع من الوجود المتكسر.

تقول المستوطنة "أنتم أصحاب هذا البيت وأنا أعرف ذلك"، لم تتحول هذه المعرفة إلى موقف أخلاقي، بقيت خبرا، ولكن تلك المرحلة من التطبيع النفسي والأخلاقي مع مفهوم الاحتلال، والتي يضيء عليها كنفاني، كانت مبنية على النظر إلى الموضوع كقدر أو كفعل غير مقصود قادت إليه سياقات تبدو بلا فاعلين. خطاب المستوطنة يعلن "أنا آسفة ولكن ذلك كان ما حدث".

غلاف "عائد إلى حيفا"

الاقتلاع المنهجي واحتلال البيوت كان في تلك المرحلة يغطى بوعي الاعتذار المسموم ونزع المسؤوليات، ولكن وعي أصحاب البيت كما استشرفه كنفاني كان حادا وجارحا ومؤسسا لفهم تطورات التمثل الاستيطاني لفكرة السكن في البيوت المقتلعة، إذ إن وعي صفية زوجة سعيد وصاحبة المنزل، أبى إلا أن ينتبه إلى بنية الوقاحة ذات الطابع الإبادي التي كانت تتشكل وتتراكم منذ تلك اللحظة وتتجلى في أن المستوطنة "كأنها في بيتها، تتصرف كأنها في بيتها".

جندية في المطبخ

في صورة الجندية الإسرائيلية التي تطبخ في بيت محتل في مدينة بنت جبيل يحضر المشهد الإسرائيلي الجديد بكل معالمه القصدية المنظمة والمعدة مسبقا. سلال تحتوي على خضر ومنتجات تبدو كأنها قطفت للتو، استعدادات للطهو، بهجة وألفة على وجه الجندية وراحة تعكس فكرة الاستقرار والثبات. من جهة أخرى يحضر الطرف اللامرئي بوصفه منظم الحدث وضابطه ومديره، وهو من يتولى التصوير والأرشفة والتوثيق بدقة ومهارة يحرص من خلالهما على إظهار التفاصيل الصغيرة بعناية فائقة في نزعة لاحتلال الميكروسكوبي والمتناهي في الصغر وجمعه لتكوين مشهد احتلال كامل.

كل ما في الصورة يوحي بالتكامل مع تكنولوجيا القتل المتفوقة، جودة الصورة العالية والدالة على خبرة تقنية ومعرفة بالتصوير والإعداد الدقيق والحرص على أن تعكس الصورة التفوق الحربي والتكنولوجي عبر وسيط عميق الدلالة مثل المنزل.

يقول الإسرائيلي في صورة المجندة الطباخة إن تفوقه الساحق يجعل المنزل المحتل حقا طبيعيا لا يحتاج احتلاله إلى أي تبرير أو تسويغ. الألفة الواضحة والحميمية التي تظهرها العلاقة بالمنزل المحتل، يمكن عدها تصعيدا حاسما لما سبق لكنفاني التقاطه في روايته لناحية تصرف المستوطنة كأنها في بيتها. لقد اغتيل التشبيه، فالمجندة لا تتصرف "كأنها" في بيتها بل تتصرف كأن هذا البيت لطالما كان بيتها، وهذا المشهد يذهب أبعد من التطبيع مع العنف ويكرس تحويله إلى شرط وجودي.

يسجل كنفاني بنية الوقاحة ذات الطابع الإبادي التي كانت تتشكل وتتراكم وتتجلى في أن المستوطنة "كأنها في بيتها، تتصرف كأنها في بيتها"

وكانت الباحثة الإسرائيلية هاغار كوتيف في كتابها "الذات المستعمرة: البيت واللا بيت في إسرائيل فلسطين"، قد رصدت أن صناعة البيت الإسرائيلي صارت مرتبطة بصناعة اللا بيت وأكدت أن التعلق بالمكان يمكن أن يتكون عبر العنف حيث لا حاجة لذاكرة ولا لتاريخ، فاللا بيت ليس مكونا عرضيا للذات المستعمرة إنه أساس وحاسم.

ولكن المشاهد المتوالية لنماذج التعامل الإسرائيلي مع البيوت في غزة وفي جنوب لبنان تجعل تحليلات كوتيف مرحلة أولية في فهم نزعة الاستئصال الكلي للبيت، فكرة ومفهوما ومكانا وهوية.

وتشير كوتيف إلى بناء التعلق بالمكان عبر العنف، أي أن المجندة الإسرائيلية التي تطبخ في بيت محتل في مدينة بنت جبيل استفادت من نتيجة العنف الحدثي الذي أتاح لها احتلال ذلك المنزل لبناء تعلق به. ما يعني أن ذلك النزوع قد لا يكون أصليا ومؤسسا للذات، بينما يشير الواقع الفعلي والتكرارات الغزيرة لنمط السلوك نفسه في التعامل مع البيوت إلى أن العنف لا يجعل العلاقة مع البيوت والتعلق بها كنتيجة له، بل إنه ينتج عن تصور مسبق للبيت لا يستقيم خارج هذا النوع من العلاقة الاستئصالية الاحتلالية.

REUTERS
جنود إسرائيليون داخل ورشة يزعمون أنها لإنتاج الأسلحة في شمال غزة، 8 نوفمبر

لا بيت ممكنا للإسرائيلي إلا عبر الاحتلال والاقتلاع، وتلك العلاقة تعبر عن شكل حاسم من أشكال الوجود لا يمكنها أن تنتج علاقة غير عنفية وغير استيلائية مع فكرة المنزل.

الألفة التي تنتجها السيطرة والتي يمكنها أن تحول الممارسة الاحتلالية إلى فعل يومي وفق كوتيف، لا يمكنها تفسير تلك الألفة المباشرة واللحظوية التي تتزامن بدقة مع لحظة الاحتلال. المجندة في البيت الجنوبي المحتل تظهر ملتصقة بفعل احتلال المنزل. ألفتها للموضوع سابقة على لحظة الاحتلال، مما يجعل من وجودها الفعلي على أرض المنزل المسلوب مجرد عملية تحقق ميداني لفعل تآلف عميق ومسبق ووجودي مع الاحتلال.

"ترند" الاحتلال

يحرص الجنود الإسرائيليون على توثيق أفعالهم في غزة وفي جنوب لبنان وهو سلوك متماد لم يبدأ مع الحرب القائمة حاليا ولكنه يغزو كل مفاصل الفعل الحربي الإسرائيلي الى درجة بات يمكن عده جزءا أصيلا من الحرب.

Anwar AMRO / AFP
امرأة تتفقد صورة لجندي إسرائيلي يحطم تمثالا للسيد المسيح في بلدة دبل، جنوب لبنان، 20 أبريل 2026

وإذا كان يمكن اعتبار تلك الأفعال غير منظمة ومؤسساتية لأنها قد تتسبب بإحراج أو تتيح الحق في رفع قضايا أمام محاكم دولية، فإن سياقات السلوك الميداني للجيش الإسرائيلي وجنوده تظهر أنهم قد تجاوزوا كل الموانع السياسية والأخلاقية لصالح نزعة توثيق الانتهاك ونشره عن سابق تصور وتصميم.

لا بيت ممكنا للإسرائيلي إلا عبر الاحتلال والاقتلاع، وتلك العلاقة تعبر عن شكل حاسم من أشكال الوجود لا يمكنها أن تنتج علاقة غير عنفية وغير استيلائية

ولعل الصور المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تظهر احتفالات وولائم في بيوت محتلة وسلوكيات تحرص على إبراز الامتلاك المطلق للأماكن المحتلة، تبرز منطقا يرى أنه يمكن فرض التطبيع مع هذه المشهدية عبر التكرار والكثافة والغزارة. يتماثل هذا المنطق مع منطق استخدام السلاح وارتكاب المجازر بشكل حرفي، إذ إن الجيش الإسرائيلي يعتمد في عملياته الحربية على استخدام قوة مدمرة تتوسع باستمرار وارتكاب مجازر فظيعة بشكل مستمر وأضخم، بحيث تلغي الجريمة الجديدة الجرائم السابقة ويستحيل بناء ذاكرة إدانة فعالة.

آلية العمل الإسرائيلية تشتغل على عكس التأثير العام الذي أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي لناحية إتاحة المجال لنشر المعلومات والآراء من دون قدرة على الضبط والاستفادة من منطق "الترند" الذي يتطلب تغذية دائمة لا تنقطع.

Reuters
جنود إسرائيليون يفتشون منازل في مخيم الفوار جنوب الخليل، 2016

موجات الإدانة التي باتت تنتشر في العالم ضد ارتكابات الجنود الإسرائيليين والتي تستفيد من مواد يصنعها الجنود أنفسهم، تدخل في دعم منطق "الترند". تطرفها الحاد يضرب إمكان النقاش وإبداء الرأي.

وهكذا يخدم نظام "الترند" منطق الاستعراض الإسرائيلي للانتهاكات التي تطول المنازل وحملات السلب وغيرها، لأن فظاعتها الواقعية تتحرك في بعدين في الآن نفسه، يعمل الأول على شل قدرة المتلقي على النقاش وتجبره على موقف لا يعدو الحزن أو الإدانة العاجزة. ويشتغل الثاني على الانسجام التام مع مفهوم "الترند"، لناحية الإثارة والرغبة في التلصص على الكوارث. الجندي الإسرائيلي السارق والمغتصب ومحتل البيوت يصبح غير قابل للإدانة الفعلية التي تنتج أثرا أخلاقيا وسياسيا، بل ترسم له في أحسن الأحوال صورة أقرب إلى الشرير السينمائي.

REUTERS
آليات وجنود إسرائيليون في قرية بجنوب لبنان كما تُرى من الجانب الإسرائيلي، 23 أبريل 2026

استراتيجيات الاقتلاع

ذلك كله يصب في رمزية سحب إمكان السكن من الضحايا في غزة وفي الجنوب وفي كل مكان تستهدفه إسرائيل. فبناء على ما كان هايدغر أقره حول أنه فقط عندما نكون قادرين على السكن يمكننا أن نبني، فلا بناء ممكنا خارج البيت، وفي هذا البعد تحديدا يمكن فهم استراتيجيات الاقتلاع الإسرائيلية إذ إنها لا تستهدف حاضر البيت وتاريخه ولكنها تطول مستقبله وعلاقة وجوده وامتلاكه بالحياة والتطور والاستمرار.

تسعى إسرائيل إلى صناعة محو يخفي الضحايا بشكل دائم وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بقتل من يمثلون المنازل ومن يدافعون عن منزلة الحقيقة

بقتل البيت تتحقق الإبادة في حدودها النهائية، والبيت عنوان يستجيب لإحالات لا تحصى قد تتمركز وتتكثف في صورة الصحافيين من أبناء البلد الذين يمثلون أصحاب البيت والذين يدافعون عن امتلاكه عبر وسيط البحث عن الحقيقة ونشرها. تقول الإحصاءات والأرقام الموثقة إن إسرائيل أكبر قاتل للصحافيين في العصر الحديث، فالبيت تحميه الحقائق الصلبة وتتيح استمرار البناء، فالمحو وفق المفكرة المفكرة الإسرائيلية أرييلا عائشة أزولاي لا يعني دائما الاختفاء.

REUTERS
الصحافية آمال خليل في صورة من تسجيل مصور قبل مقتلها في غارة إسرائيلية، 23 أبريل 2026

تسعى إسرائيل إلى صناعة محو يخفي الضحايا بشكل دائم، وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بقتل من يمثلون المنازل ومن يدافعون عن منزلة الحقيقة في الصراع على من يملك البيت والحكاية.

font change