كان على مؤرخي الأصول الأولى لاكتشاف الشاي اختراع أسطورة شعرية تليق بلغز هذه النبتة السحرية، فأسندوا هذه المهمة الجليلة الى الإمبراطور الصيني شن نونغ شي. حسب الأسطورة سيتذوق الإمبراطور نبتة سامة أثناء بحثه عن النباتات الطبية لعلاج المرضى، مما جعله يشعر بجفاف في فمه وخدر في لسانه فسقط مغميا عليه تحت شجرة، وكان ضروريا لاكتمال الحبكة أن تهب ريح تطيح بعض أوراق الشجرة، لكن مذاق هذه الأوراق كان مختلفا عما سبق، فقد كان طعمها مرا بعطر منعش، فجمع الإمبراطور هذه الأوراق كدواء لمعالجة السموم بعد غليها، وأطلق عليها اسم "تو"، لتبدأ رحلة الشاي كعلاج روحي وجسدي لدى مختلف الشعوب. هكذا ارتبطت أوراق الشاي بقوة الإمبراطورية الصينية ومكانتها الثقافية والتجارية في العالم القديم.
رحلة الأوراق السحرية من الصين إلى أوروبا
في كتابه" تاريخ الشاي"(دار نينوى، ترجمة كرام الصابوني)، يتعقب الباحث الأميركي فرانسيس ليغيت رحلة الأوراق السحرية للشاي من الهند والصين واليابان إلى أوروبا، والصراع الاستعماري حول أهمية هذا المشروب الذي غزا العالم محمولا على رافعة ثقافية لا تقل أسطورية عن رحلة اكتشافه الأولى، إذ شهد إنتاج الشاي تحولات مذهلة خلال مائة عام بعدما أصبح مشروبا وطنيا يبعث على الراحة ويحفز العقل في مختلف أنحاء العالم.
حقق انتشار الشاي في أرجاء آسيا وبلوغه أوروبا للصينيين أرباحا طائلة بالتوازي مع الحفاظ على أسرار هذه السلعة النفيسة بادعاء حاجتها إلى عمليات تصنيع معقدة، وأن أوراق الشاي "لا تقطف إلا في أوقات بعينها من الليل والنهار، وأن بعض الأنواع الرقيقة من الأوراق لا تقطف إلا بأيدي فتيات عذراوات"، وزيادة في الحذر، ادعوا أن الشاي الأخضر يلون بأملاح النحاس فوق صفائح خاصة، بالإضافة إلى حاجة نبتة الشاي إلى نوع نادر من التربة لجهة الرطوبة وطبيعة المناخ، إلا أن هذه المرويات الأسطورية لم تصمد طويلا، "ففي كل فنجان شاي تكمن حكاية تروى على موائد الفقراء والأثرياء، في بيوت الطين وصالونات النبلاء، والمقاهي الصاخبة، حتى غدا مرآة لحياة البشر وطقوسهم ومزاجهم".




