سوريا… ممر اقتصادي أعادته حرب إيران

تشهد انخفاضا في العنف بنسبة 73 في المئة أواخر 2025

رويترز - المجلة
رويترز - المجلة
تجمع أشخاص خلال احتفال في ساحة الأمويين، عقب الإطاحة ببشار الأسد، في دمشق، سوريا، في 20 ديسمبر 2024.

سوريا… ممر اقتصادي أعادته حرب إيران

دفعت العمليات العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر بالشرق الأوسط إلى أتون صراع مرير، عندما انهالت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية على ما لا يقل عن 12 دولة في أنحاء المنطقة.

وإلى جانب آلاف القتلى الذين سقطوا جراء العمليات الأميركية-الإسرائيلية في إيران ولبنان والعراق، قُتل ما لا يقل عن 37 شخصا في الاعتداءات الإيرانية على الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين وقطر وتركيا وإقليم كردستان العراق.

كذلك أحدثت الضربات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج، وإغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، ارتدادات اقتصادية عالمية حذر خبراء بارزون من أنها قد "تدفع الاقتصاد العالمي إلى انحدار حاد نحو ركود عميق".

في خضم هذا الصراع الإقليمي الواسع، سجلت سوريا، على نحو لافت، أكثر أشهرها استقرارا منذ 15 عاما. لم تكن العملية الانتقالية السورية، بعد نحو 14 عاما من النزاع الأهلي، سلمية تماما، وقد أعادت موجتان قصيرتان لكنهما شديدتا الدموية من العنف في الساحل وفي محافظة السويداء الجنوبية التذكير بمدى هشاشة هذه المرحلة. ومع ذلك، ظل الاتجاه العام يميل إلى مزيد من الاستقرار.

وبحسب بيانات جمعتها منصة "سيريا ويكلي" (Syria Weekly)، تراجع العنف القاتل في سوريا بنسبة 30 في المئة بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025، ثم هبط بنسبة 73 في المئة في الثلث الأخير من العام. وعلى الرغم من فترة وجيزة من القتال في شمال شرقي سوريا خلال يناير 2026، سجل شهرا فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 أدنى مستويات متتالية للعنف على الإطلاق، إذ شهد مارس سقوط 23 قتيلا فقط في أعمال عنف مباشرة. ويقل هذا الرقم بنسبة 60 في المئة عن المستوى القياسي المتدني المسجل في فبراير 2026، حين بلغ عدد القتلى 58، كما يقل بنسبة 94 في المئة عن المتوسط الشهري البالغ 356 قتيلا في مرحلة ما بعد الأسد.

وعلى الصعيد الداخلي، كان غياب أي تكرار للعنف الكارثي الذي ضرب الساحل والسويداء في 2025 العامل الأبرز في تعزيز الاستقرار العام في سوريا. ويضاف إلى ذلك أن عنف الجماعات الأهلية وعمليات الاغتيال المستهدفة، وهما العامل الأكثر ثباتا وتأثيرا في العنف القاتل خلال 2025، بمتوسط بلغ 75 حالة وفاة شهريا، تراجعا حتى الآن في 2026 بنسبة 87 في المئة، ليهبط المتوسط إلى 10 وفيات شهريا بين يناير ومارس.

مع أن الطريق لا يزال طويلا أمام سوريا، وأن التحديات الداخلية الجسيمة ما زالت قائمة، فإن الاستقرار التدريجي الذي تشهده يمثل تطورا مشجعا للغاية

ومع أن تنظيم "داعش" لا يزال يمثل تحديا داخليا مزمنا، فإنه تلقى ضربة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقياسا إلى عام 2024، انخفضت هجمات التنظيم في 2025 بنسبة 50 في المئة، فيما تراجعت الخسائر الناجمة عنها بنسبة 76 في المئة. وحتى الآن في 2026، تراجعت هجمات التنظيم بنسبة إضافية بلغت 26 في المئة، وانخفض عدد الضحايا بنسبة 13 في المئة أخرى. كما يتجلى مسار الاستقرار السوري بوضوح على المستوى الجغرافي في نماذج مثل الساحل، الذي انتقل من كونه المنطقة الأكثر اضطرابا في سوريا خلال النصف الأول من 2025 إلى المنطقة الأكثر استقرارا بصورة منتظمة في النصف الثاني من العام نفسه. وقد استمر هذا الاتجاه الإيجابي في 2026، إذ تراجع العنف في اللاذقية وطرطوس بنسبة إضافية بلغت 71 في المئة مقارنة بالفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.

ومع أن الطريق لا يزال طويلا أمام سوريا، وأن التحديات الداخلية الجسيمة ما زالت قائمة، فإن الاستقرار التدريجي الذي تشهده يمثل تطورا مشجعا للغاية، لسوريا وشعبها أولا، وللشرق الأوسط والعالم على نطاق أوسع أيضا. فعلى مدى سنوات طويلة، لم تصدّر سوريا إلى جوارها سوى الإرهاب والتهديدات والجريمة المنظمة والفساد، بما رسخ المقولة الشائعة: "ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا". أما احتمال أن يرسخ الانتقال السوري أقدامه ويكتب له النجاح، فيحمل وعدا بأن يقلب دلالة هذه العبارة رأسا على عقب، فتغدو سوريا مصدرا للاستقرار والازدهار والترابط.

رويترز
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع قبيل اجتماعهما في مقر 10 داونينغ ستريت في وسط لندن، بريطانيا، في 31 مارس 2026.

هذه هي الرواية التي تطرحها سوريا في مرحلتها الانتقالية. وعلى الرغم من التحديات الواضحة التي تحيط بالبلاد وبالتحول الجاري فيها، فقد حظيت هذه الرواية بتأييد أطراف كثيرة، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والشرق الأوسط والصين. ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الثاني، تزداد هذه الرؤية رسوخا من الناحية الاقتصادية أيضا.

ومنذ ربيع 2025، قدمت سوريا نفسها مفتاحا لفتح مسارات أكثر موثوقية وكفاءة ومباشرة للربط بين آسيا وأوروبا، سواء في التجارة أو الطاقة أو الاتصالات أو غيرها. وقبل اندلاع الصراع الإقليمي الراهن، كان مضيق هرمز والبحر الأحمر يبدوان مسارين يزدادان هشاشة وبطئا والتفافا بالنسبة إلى حركة التبادل العالمي. أما اليوم، ومع امتداد النزاع إلى هذين الممرين نفسيهما، فقد برزا نقطتي اختناق لم تعودا قابلتين للاستدامة استراتيجياً بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.

إذا كتب لهذه المشاريع أن ترى النور، فإنها ستحدث تحولا في أسواق الطاقة الإقليمية، وستسهم في معالجة المعضلات العالمية الخانقة الناجمة عن الاعتماد على مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر

وقد وجدت محاولة سوريا تقديم نفسها حلا لمشكلة اقتصادية إقليمية وعالمية مزمنة تتكشف ملامحها بوضوح متزايد، وجدت داعما مبكرا في السعودية، التي أبرمت بالفعل عقودا بمليارات الدولارات لوضع سوريا في قلب ثورة إقليمية في قطاع الاتصالات. وفي إطار دعم ما سمته الحكومة السورية "مشروع سيلك لينك"، ستمتد كابلات الألياف الضوئية من أسبانيا عبر البحر المتوسط، من خلال "كابل ميدوسا" المتعاقد عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تعبر الأراضي السورية وصولا إلى الخليج وآسيا. وعند اكتمال المشروع، سيخفض "سيلك لينك" زمن انتقال الإنترنت في أنحاء المنطقة بمقدار يتراوح بين 30 و40 ميلي ثانية، بما يفتح الباب أمام فرص في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتداول المالي والطب الروبوتي عن بُعد، وهي مجالات يصعب عمليا تطويرها بالسرعات التي تتيحها حاليا الكابلات المارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

رويترز
ناقلة نفط راسية في ميناء مسقط في عُمان، وسط تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز، في 7 مارس 2026.

ولا يقتصر هذا التوجه على قطاع الاتصالات وحده. فقد بذلت إدارة ترمب الأميركية أيضا جهدا كبيرا لتقديم سوريا كمركز مستقبلي، أو ممر عبور، لتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا، بما يتيح تجاوز المسارات البحرية الأقل كفاءة، والأعلى كلفة في كثير من الأحيان، والأكثر عرضة للمخاطر. وخلال عام 2025 وحده، أفضت الجهود المدعومة أميركياً لإحياء قطاع الطاقة السوري إلى عقود استثمارية بقيمة 28 مليار دولار، بمشاركة بعض أكبر الشركات العالمية في تلك المحادثات، ومنها "شيفرون"، و"كونوكو فيليبس"، و"توتال"، و"قطر للطاقة"، و"إيني"، و"أديس القابضة"، و"طاقة"، و"دانة غاز".

ومنذ سقوط الأسد، دخل الخدمة خط أنابيب جديد بين أذربيجان وتركيا وحلب، فيما تتواصل المحادثات لإحياء أو إنشاء خط أنابيب الغاز القطري-التركي، وخط الغاز العربي، وخط أنابيب كركوك بانياس، وجميعها تمتد إلى سوريا وعبرها في اتجاه الأسواق الأوروبية. وإذا كتب لهذه المشاريع أن ترى النور، فإنها ستحدث تحولا في أسواق الطاقة الإقليمية، وستسهم في معالجة المعضلات العالمية الخانقة الناجمة عن الاعتماد على مضيق هرمز وممرات البحر الأحمر. كذلك تعهدت الحكومة العراقية بتصدير 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهريا عبر المسارات البرية التي تمر بسوريا طوال صيف 2026.

مع أن مسار الاستقرار في سوريا بات واضحا، فإن البلاد لا تزال هشة، كما يواجه انتقالها السياسي عددا كبيرا من التحديات الداخلية والخارجية

ومع أن مسار الاستقرار في سوريا بات واضحا، فإن البلاد لا تزال هشة، كما يواجه انتقالها السياسي عددا كبيرا من التحديات الداخلية والخارجية. وإذا كان عام 2025 قد شهد استثمارا سياسيا كبيرا من الحكومة الانتقالية، ونجاحا في ترسيخ شرعية سوريا على الساحة الدولية، فإن عام 2026 سيكون عام اختبار للتحديات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد، وبمدى تماسك مجتمعها المتنوع ووحدته. كذلك فإن الأسئلة المعلقة حول العدالة الانتقالية، والحاجة إلى توسيع قاعدة التمثيل في الحكم، إلى جانب تشكيل برلمان، ونجاح دمج الشمال الشرقي، ستحدد جميعها ما إذا كان الاستقرار سيواصل تقدمه.

دليل سليمان - أ ف ب
طفل يلعب بجوار صاروخ غير منفجر سقط في حقل مفتوح على أطراف القامشلي في شرق سوريا، في 5 مارس 2026.

وتواجه سوريا أيضا أكبر تهديد من الذخائر غير المنفجرة في العالم، وهو خطر يهدد الأرواح ويعرقل التعافي الاقتصادي في آن، وأكثر ما يتركز ذلك في المناطق الريفية. ومنذ سقوط الأسد، قُتل أكثر من 700 شخص في نحو 850 حادثا ناجما عن هذه الذخائر، ومعظمها ألغام أرضية. وقد بذلت الحكومة السورية جهودا حثيثة لمعالجة هذه المعضلة، بالتعاون مع منظمات غير حكومية. ومن خلال حملات التوعية العامة، وجهود إزالة الألغام على المستوى المحلي، تراجع أثر الذخائر غير المنفجرة تدريجيا خلال عام 2025، إذ قُتل 329 شخصا في الربع الأول، و154 في الربع الثاني، و87 في الربع الثالث، و56 في الربع الرابع. غير أن الربع الأول من عام 2026 شهد ارتفاعا جديدا في حوادث هذه الذخائر، مع مقتل 81 سورياً إضافياً، بما يؤكد الحاجة إلى دعم دولي كبير.

يحتاج تعافي سوريا واستقرارها إلى قدر من الاستقرار الإقليمي والدولي. وحتى الآن، بقيت سوريا بعيدة إلى حد كبير عن الأعمال العدائية الجارية في المنطقة

كما يحتاج تعافي سوريا واستقرارها إلى قدر من الاستقرار الإقليمي والدولي. وحتى الآن، بقيت سوريا بعيدة إلى حد كبير عن الأعمال العدائية الجارية في المنطقة، باستثناء أربع هجمات بطائرات مسيرة نفذتها جماعات موالية لإيران انطلاقا من العراق المجاور، وقصف مدفعي واحد شنه "حزب الله" من لبنان، دون أن يسفر أي منها عن خسائر بشرية. إلا أن الارتدادات الأوسع للصراع الإقليمي ستفضي حتما إلى تقييد وتيرة الاستثمار أو إبطائها، كما ستحد من قدرة المستثمرين الدوليين على زيارة دمشق لاستكشاف الفرص الجديدة. ويتيح موقع سوريا في قلب الشرق الأوسط فرصا اقتصادية واسعة، لكنه يعني أيضا أن مطار دمشق الدولي ظل مغلقا طوال شهر كامل.

عمر حاج قدور- أ ف ب
يقف عنصر أمني موالٍ للحكومة السورية المؤقتة عند نقطة تفتيش كانت سابقًا تحت سيطرة أنصار الرئيس المخلوع بشار الأسد، في حميميم بمحافظة اللاذقية الساحلية، في 11 مارس 2025.

ومع أن طبيعة السلطات الانتقالية في سوريا ما زالت مصدر قلق لكثيرين، فإن احتمال أن تصبح سوريا نقطة ارتكاز في الترابط الاقتصادي الإقليمي والازدهار المشترك هو ما حشد خلف دمشق طيفا واسعا من الأطراف الإقليمية والدولية. ولكي يتحول هذا التصور إلى واقع، يتعين على الحكومة الانتقالية السورية أن تتجاوز كماً كبيراً من العقبات الداخلية، وأن تضطلع بمسؤوليات جسيمة. كما ستؤدي القرارات التي سيتخذها المجتمع الدولي دورا حاسما في تحديد مدى واقعية هذا الأفق السوري. ومن هذه الزاوية، ربما يكون الصراع الإقليمي قد أظهر بوضوح أكبر المزايا المحتملة التي تنطوي عليها الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية التي تطرحها سوريا على العالم، غير أن استمرار الحرب زمنا طويلا قد يجعل تحقيق هذه الرؤية أقل احتمالا.

font change