"أرتميس 2"... البشر في طريق عودتهم إلى القمر

خطوة نحو الفضاء العميق

"أرتميس 2"... البشر في طريق عودتهم إلى القمر

بعد ساعات قليلة تنطلق مهمة "أرتميس 2" من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، من المنصة 39B نفسها التي انطلقت منها بعثات "أبولو"، في حدث يمثل عودة تاريخية للبشر إلى جوار القمر بعد أكثر من نصف قرن. لا تعد هذه الرحلة مجرد إطلاق جديد، بل هي اختبار حقيقي لمدى جاهزية البشرية لبدء مرحلة جديدة من استكشاف الفضاء العميق.

قبل الإطلاق، تجرى الفحوص النهائية ويزود الصاروخ الوقود الشديد البرودة، بينما يكون رواد الفضاء داخل مركبة "أوريون" في أعلى الصاروخ. وعند العد التنازلي الأخير، تشتعل المحركات الأربعة ثم المعززات الجانبية، فينطلق الصاروخ بقوة هائلة. وبعد نحو دقيقتين تنفصل المعززات، ثم تنفصل المرحلة الأساس بعد نحو ثماني دقائق، لتواصل المركبة رحلتها نحو المدار، تمهيدا للاتجاه لاحقا إلى القمر.

تمثل "أرتميس 2" ثاني مهام برنامج "أرتميس"، لكنها الأولى المأهولة باستخدام مركبة "أوريون" مع نظام الإطلاق الفضائي. وتهدف إلى إرسال أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر دون هبوط، لاختبار أنظمة الملاحة والاتصالات ودعم الحياة وسلوك المركبة في الفضاء العميق، تمهيدا للمهام اللاحقة، وفي مقدمها الهبوط البشري على القمر.

وتكمن أهميتها في أنها تشكل الحلقة الفاصلة بين الاختبار غير المأهول والاستكشاف البشري الفعلي. فبعدما أثبتت "أرتميس 1" أن الصاروخ والمركبة قادران على تنفيذ الرحلة والعودة بسلام، تأتي "أرتميس 2" لتجيب عن السؤال الأهم، فهل هذه الأنظمة جاهزة لنقل البشر بأمان خارج مدار الأرض؟

يقود المهمة ريد وايزمان، ويشاركه فيكتور جلوفر وكريستينا كوك وجيريمي هانسن من كندا. ويعكس هذا الطاقم مزيجا من الخبرة والتنوع، كما يرمز إلى تحول جديد في استكشاف الفضاء، بحيث يصبح أكثر تمثيلا للبشرية وأوسع من مجرد إنجاز تقني أو وطني.

العودة الحرة

يحمل طاقم "أرتميس 2" أهمية تاريخية خاصة، إذ سيصبح فيكتور جلوفر أول شخص من أصول غير بيضاء يسافر إلى ما بعد مدار الأرض المنخفض، وستكون كريستينا كوك أول امرأة تحقق هذا الإنجاز، بينما سيصبح جيريمي هانسن أول رائد فضاء غير أميركي يصل إلى هذه المسافة. وهذا يعكس تحولا مهما في استكشاف الفضاء، الذي لم يعد حكرا على دولة واحدة أو صورة بشرية واحدة، بل أصبح أكثر تمثيلا للبشرية.

ستستمر المهمة نحو عشرة أيام، تبدأ بالإطلاق وتنتهي بعودة المركبة إلى الأرض. وبعد الوصول إلى المدار الأرضي، تدفع "أوريون" نحو القمر، ثم تسلك مسار العودة الحرة الذي يسمح لها بالدوران حول القمر والعودة تلقائيا بفعل الجاذبية، وهو مسار يرفع مستوى الأمان ويقلل المخاطر في أول رحلة مأهولة إلى الفضاء العميق منذ عقود.

مركبة "أوريون" هي العنصر الأهم لنقل البشر، وقد صممت لحمل أربعة رواد فضاء والعمل في بيئات قاسية لفترات طويلة

وخلال الرحلة، لن يكون الطاقم مجرد ركاب، بل سيختبر أنظمة الملاحة والاتصالات ودعم الحياة والتحكم، ويراقب أداء المركبة، ويلتقط الصور، ويجري تجارب علمية محدودة، إضافة إلى تقييم تجربة العيش والعمل داخل المركبة. وتكتسب هذه الجوانب أهمية كبيرة لأنها تمثل اختبارا عمليا لقدرة الإنسان على العمل بكفاءة في بيئة مغلقة وبعيدة عن الأرض.

ومن المنتظر أن تحقق المهمة أرقاما قياسية مهمة، إذ ستبتعد "أوريون" إلى نحو 7600 كيلومتر خلف القمر، أي أبعد من أي مسافة بلغها البشر من قبل، كما يتوقع أن تسجل عند العودة أعلى سرعة دخول إلى الغلاف الجوي بنحو 40 ألف كيلومتر في الساعة، وهو ما يفرض تحديات تقنية وحرارية كبيرة.

تعتمد المهمة على نظام الإطلاق الفضائي، وهو أقوى صاروخ طورته وكالة الفضاء الأميركية حتى الآن. يبلغ ارتفاعه نحو 98 مترا، ويعتمد على أربعة محركات رئيسة في مرحلته الأساس، إضافة إلى معززين صاروخيين جانبيين يوفران معظم قوة الدفع عند الإقلاع. ويستخدم في هذه المهمة إصدار "بلوك 1" القادر على إرسال رواد الفضاء إلى مسارات بعيدة مثل القمر.

معززات صلبة

وتعد المحركات الأربعة من أبرز عناصر القوة في هذا النظام، فالمحرك الواحد يولد في الفراغ أكثر من 2279 كيلو نيوتن من قوة الدفع، ونحو 1860 كيلو نيوتن عند مستوى سطح البحر، بينما تتجاوز القوة الإجمالية للمحركات الأربعة 9 ملايين نيوتن. وتعتمد هذه القدرة على مضخات عالية الضغط تعمل بسرعات هائلة وتنتج قدرة ميكانيكية تقارب 53 ميغاواط، وهو ما يجعل هذه المحركات شديدة الكفاءة والموثوقية، وعنصرا أساسا في نجاح الرحلات المأهولة.

تظهر قوة هذا النظام مدى التقدم في تقنيات الدفع، إذ يمكن المحرك الواحد توليد طاقة هائلة تفوق محركات الطائرات، بينما يتجاوز مجموع دفع الصاروخ بعض أشهر الصواريخ التاريخية. وتلعب المعززات الصلبة المطورة دورا حاسما، إذ توفر أكثر من ثلاثة أرباع قوة الدفع عند الإقلاع، وقد جرى تحسينها بإضافة جزء خامس وتطوير أنظمتها، لكنها تستخدم لمرة واحدة فقط وتنـفصل بعد دقائق من الإطلاق.

REUTERS
ينظر الناس إلى صاروخ القمر التابع لوكالة "ناسا" من الجيل القادم —صاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" (SLS) الذي يحمل كبسولة الطاقم "أوريون" وذلك على منصة الإطلاق 39B، قبيل انطلاق مهمة "أرتميس 2" في مركز كينيدي للفضاء

يعتمد الصاروخ على مزيج من الوقود السائل والصلب لتحقيق توازن بين القوة والكفاءة، إذ يستخدم الهيدروجين والأوكسجين السائلين في المرحلة الأساس، بينما توفر المعززات الصلبة دفعة أولية قوية. وبعد انفصالها، تواصل المراحل الأخرى الدفع نحو القمر بكفاءة أعلى.

الهدف الأوسع يتمثل في إنشاء بنية تحتية مستدامة خارج الأرض، من بينها محطة فضائية تدور حول القمر تعرف باسم "جيت واي"، لتكون نقطة انطلاق للبعثات المستقبلية

أما مركبة "أوريون" فهي العنصر الأهم لنقل البشر، وقد صممت لحمل أربعة رواد فضاء والعمل في بيئات قاسية لفترات طويلة. وتتكون من وحدة الطاقم ووحدة الخدمة، إضافة إلى نظام هروب للطوارئ يعد من أهم عناصر الأمان، إذ يمكنه إنقاذ الطاقم بسرعة في حال حدوث خلل أثناء الإقلاع، مما يعكس أولوية السلامة في تصميم هذه المهمة.

تعد وحدة الطاقم الجزء الأهم في مركبة "أوريون"، فهي المكان الذي يعيش فيه رواد الفضاء طوال الرحلة، وهي أيضا الجزء الوحيد الذي يعود إلى الأرض. وقد صممت بشكل مشابه لمركبات "أبولو"، لكن مع تحسينات كبيرة في الحجم والتقنيات، إذ توفر مساحة داخلية أكبر وراحة أفضل، مع القدرة على دعم حياة الطاقم لمدة تصل إلى 21 يوما بشكل مستقل. وتحتوي على أنظمة تحكم رقمية متطورة، وأنظمة دعم حياة متكاملة، إضافة إلى درع حراري متقدم ومظلات لضمان هبوط آمن، مما يجعلها أكثر أمانا بكثير من الأنظمة السابقة.

تحديات وتأخيرات

تعمل وحدة الخدمة الأوروبية كمصدر رئيس للطاقة والدفع، فتوفر الكهرباء عبر الألواح الشمسية وتدير حركة المركبة في الفضاء، كما تعكس هذه الوحدة الطابع الدولي للمهمة. وقد مرت مركبة "أوريون" بسلسلة طويلة من التطوير والاختبارات، أبرزها نجاحها في مهمة غير مأهولة عام 2022، إلا أن الاختبار الحقيقي يبقى في نقل البشر بأمان، وهو ما تمثله مهمة "أرتميس 2".

ورغم التقدم الكبير، واجهت المهمة تحديات وتأخيرات متكررة حتى عام 2026، نتيجة تعقيد الأنظمة وضرورة ضمان أعلى معايير السلامة. ومن أبرز هذه التحديات مشكلة الدرع الحراري التي ظهرت بعد المهمة السابقة، إضافة إلى أعطال تقنية مثل تسرب الوقود ومشكلات في الأنظمة، مما استدعى إصلاحات متكررة. ومع ذلك، أظهرت طريقة التعامل مع هذه التحديات حرصا كبيرا على سلامة الطاقم، وهو ما يعكس طبيعة العمل الدقيق في مجال الرحلات الفضائية.

إذا نجحت المهمة كما هو مخطط لها، فإن رحلة العودة ستكون بحد ذاتها عرضا بالغ التعقيد للقوة الهندسية. فبعد الابتعاد عن القمر، تدخل المركبة في مسار يقودها إلى الغلاف الجوي للأرض، وتبدأ مرحلة دقيقة جدا من تعديل المسار لضمان زاوية دخول صحيحة. وهذه النقطة حاسمة، لأن أي انحراف بسيط قد يؤدي إما إلى احتراق المركبة إذا كانت الزاوية حادة أكثر من اللازم، أو إلى ارتدادها مجددا إلى الفضاء إذا كانت الزاوية ضحلة أكثر من اللازم.

تجمع المهمة بين التقدم التكنولوجي والتعاون الدولي، وتفتح الباب أمام علوم جديدة وأسئلة جديدة وربما موارد جديدة.

وعند الاقتراب من الأرض، تدخل "أوريون" الغلاف الجوي بسرعة هائلة تولد احتكاكا شديدا ودرجات حرارة عالية للغاية، وهنا يظهر الدور الحاسم للدرع الحراري الذي يمتص الحرارة ويبددها. كما تستخدم المركبة تقنية الدخول المتدرج، إذ ترتد جزئيا عن الغلاف الجوي ثم تعاود الدخول مرة أخرى، بما يساعد في تقليل الضغط الحراري والتحكم في المسار. وبعد أن تنخفض السرعة بما يكفي، تفتح المظلات تدريجيا لإبطاء الكبسولة قبل هبوطها في المحيط الهادئ، حيث تكون سفن البحرية الأميركية بانتظار استعادة الطاقم ونقله لإجراء الفحوص الطبية.

لا تكمن الأهمية الحقيقية لـ"أرتميس 2" فقط في أنها ستعيد البشر إلى جوار القمر، بل في أنها ستحدد ما إذا كان مشروع العودة المستدامة إلى الفضاء العميق قابلا للتحقق بالفعل. فهي الجسر المباشر إلى "أرتميس 3"، المهمة التي يفترض أن تعيد البشر إلى سطح القمر لأول مرة منذ عام 1972، مع خطط لإرسال أول امرأة وأول شخص من أصول غير بيضاء إلى سطحه. لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك.

الفضاء العميق

فالهدف الأوسع يتمثل في إنشاء بنية تحتية مستدامة خارج الأرض، من بينها محطة فضائية تدور حول القمر تعرف باسم "جيت واي"، لتكون نقطة انطلاق للبعثات المستقبلية، إلى جانب تطوير تقنيات للإقامة الطويلة على القمر، مثل أنظمة توليد الطاقة والاستفادة من الموارد المحلية، بما في ذلك الجليد المائي لإنتاج الماء والوقود.

وعلى المدى الأبعد، تعد هذه الجهود كلها جزءا من رؤية أكبر للوصول إلى المريخ. فالقمر، وفق هذا التصور، ليس غاية نهائية بل منصة اختبار قريبة نسبيا لتجربة أنظمة الحياة الطويلة الأمد، وإدارة الموارد، والعمل البشري في بيئات قاسية، قبل الانتقال إلى رحلة أشد تعقيدا وأبعد بكثير. ولذلك فإن "أرتميس 2" ليست مجرد رحلة حول القمر، بل خطوة أساس في سلسلة مترابطة تهدف في النهاية إلى جعل الوجود البشري خارج الأرض أكثر انتظاما وعمقا.

AFP
يعرض أحد محركات RS-25 الضخمة، الخاصة بصاروخ "نظام الإطلاق الفضائي" التابع لناسا والمخصص لمهمة "أرتميس 2"، بالقرب من ساعة العد التنازلي في مركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال بولاية فلوريدا، وذلك في 20 فبراير 2026.

لهذا كله، فاهتمام العالم بهذه المهمة مبرر تماما، بل ضروري. فهي ليست إنجازا علميا وتقنيا فقط، بل مؤشر إلى ما إذا كانت البشرية قادرة على تحويل الاستكشاف الفضائي من اندفاعات رمزية متقطعة إلى مشروع حضاري طويل المدى. فهذه المهمة تجمع بين التقدم التكنولوجي والتعاون الدولي، وتفتح الباب أمام علوم جديدة وأسئلة جديدة وربما موارد جديدة. لكنها، فوق ذلك كله، تعيد إحياء روح الاستكشاف بوصفها قيمة إنسانية أصيلة: أن نذهب أبعد لا لأننا نملك القوة فقط، بل لأن المعرفة نفسها تدفعنا إلى تجاوز ما نعرفه.

وإذا كان عصر "أبولو" قد أثبت أن الإنسان يستطيع الوصول إلى القمر، فإن "أرتميس 2" مطالبة بأن تثبت شيئا أكثر نضجا، أن الإنسان يستطيع العودة إلى الفضاء العميق بطريقة أكثر أمانا، وأكثر شمولا، وأكثر استعدادا للبقاء. وهذا، في النهاية، هو جوهر الفرق بين المغامرة والتأسيس. "أرتميس 2" ليست مجرد مغامرة جديدة. إنها اختبار فحواه ما إذا كانت البشرية قد أصبحت جاهزة فعلا لعصر استكشاف جديد.

font change