ربما كان شريط "الكاسيت" الذي حمل صوت الشاعر الراحل ممدوح عدوان أثناء اجتماع وفد من اتحاد الكتاب العرب مع أعضاء "الجبهة الوطنية التقدمية" في دمشق عام 1979، من أشهر الأشرطة الممنوعة في سوريا حينذاك. في هذا الاجتماع العاصف قدم ممدوح عدوان شهادة مدتها 9 دقائق و35 ثانية، اتهم فيها الإعلام السوري بأنه يكذب حتى في نشرة أحوال الطقس، وأعداد مرضى الكوليرا، قبل أن يرشق السلطة بجملة اتهامات طاولت حزب البعث، وملفات الفساد، وهيمنة المخابرات على مقدرات البلاد، وامتيازات "سرايا الدفاع"، وزرع بذور الطائفية.
لا أحد يعلم كيف تسرب ذلك "الكاسيت" خارج قاعة الاجتماع، إلا أنه كان بمثابة بيان ثقافي شجاع جرى تداوله سرا، قبل أن يتاح على قناة "يوتيوب" أخيرا، فاتحا الباب أمام أشرطة أخرى بوصفها تعبيرا عن التطلعات المقموعة لجيل السبعينات والثمانينات من القرن الماضي مثل قصائد مظفر النواب، وأغاني الشيخ إمام، وأشرطة المغني الكردي شفان، وأعمال زياد الرحباني ، بعيدا من معايير وضوابط واشتراطات المؤسسة الرسمية.
على المقلب الآخر انتشر "الكاسيت" الشعبي بتسجيلات بدائية توثق حفلات أعراس محلية، وجلسات عتابا وسويحلي وموليا وفراقيات، في محاولات عسيرة للزج بثقافة الأطراف في صلب الذاكرة الجمعية للمركز، إذ كان "الكاسيت" هو بوصلة الأصوات المهمشة نحو الشهرة والانتشار، قبل أن يحل الأورغ بتنويعاته الموسيقية مكان الربابة والمجوز مطيحا النسخة الأصلية للنغم والصوت.
أرشفة أصوات الهامش
لفتت هذه الكنوز النفيسة من التراث اللامادي انتباه جيل الألفية الثالثة من باب النوستالجيا في المقام الأول، فسعى بعض المهتمين إلى محاولة أرشفة زمن "الكاسيت" رقميا، وذلك بقصد الحفاظ على هذا التراث المهمل من الضياع، فيما عبثت بعض الفرق الغنائية الشبابية بمحتوى هذه الأغاني والعمل على توزيعها موسيقيا بنفس جديد، إلا أن ما حصل هو تشويه الأصل بذريعة تطويره بما يستجيب لذائقة جيل اليوم.



