الحصار سلاح ذو حدين

الحصار سلاح ذو حدين

استمع إلى المقال دقيقة

قد يصمد وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران. لكن احتمالات استعادة تدفق التجارة عبر الشريان الحيوي في مضيق هرمز تبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى، ولا سيما بعد قرار إدارة ترمب فرض حصار على جميع السفن العابرة لهذا الممر المائي.

وكانت البحرية الأميركية قد فرضت هذا الحصار ردا على مساعي طهران لإحكام قبضتها على هذا الممر، بعدما لوحت إيران بفرض رسوم على حركة الشحن التجاري العابرة للمضيق إذا كانت على صلة بدول يعدها النظام الإيراني معادية.

وكان ترسيخ حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي من أبرز الملفات المطروحة على طاولة الجولة الأولى من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، التي انعقدت في باكستان مطلع هذا الشهر، في أول لقاء مباشر بين واشنطن وطهران منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.

وبالتوازي مع المساعي الرامية إلى معالجة قضية مضيق هرمز، تناولت المحادثات أيضا طموحات إيران النووية والعقوبات الدولية المفروضة عليها.

لكن، رغم أن الطرفين خاضا محادثات استمرت نحو عشرين ساعة في إسلام آباد، انتهى الاجتماع من دون اتفاق، إذ قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الذي ترأس الوفد الأميركي، إن السبب الرئيس وراء تعثر المحادثات يعود إلى أن الإيرانيين لم يدركوا مدى تمسك إدارة ترمب بموقفها الرافض رفضا قاطعا السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية.

إذ تتمسك إدارة ترمب بضرورة أن تقدم إيران- في مقابل وقف كامل للأعمال العدائية- على إنهاء جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب النووي التابعة لها، وتسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى جهة دولية محايدة. كذلك تطالب واشنطن بأن تعيد طهران فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة الشحن الدولي من دون فرض أي رسوم على العبور.

عرقلت حالة انعدام الثقة العميقة لدى الجانب الإيراني المساعي الأميركية الرامية إلى إحراز تقدم في المحادثات، إذ يتهم الإيرانيون واشنطن بأنها تنصلت من تعهد سابق قُدم خلال محادثات جنيف، يقضي بالامتناع عن شن أي هجوم ما دامت العملية الدبلوماسية مستمرة.

وفي مقابل الحصول على ضمانات بوقف دائم لإطلاق النار، تطالب إيران بتعهدات تحول دون تنفيذ أي ضربات مستقبلية تستهدفها أو تستهدف حلفاءها، وبرفع العقوبات الأساسية والثانوية، والإفراج عن جميع أصولها المجمدة، والاعتراف بحقها في التخصيب، مع الإبقاء على سيطرتها على هرمز.

وبعد تعثر محاولتها الأولى لاحتواء النزاع عبر المسار الدبلوماسي، لجأت إدارة ترمب إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز، سعيا إلى منع صادرات النفط الإيرانية من بلوغ الأسواق العالمية، بما يحرم طهران من مصدر دخل حيوي.

غير أن استمرار المخاوف من استهداف إيران للملاحة في الخليج حال دون أي تغير يذكر في استعداد دول الخليج للدفع بسفنها عبر المضيق. فعلى سبيل المثال، تسعى السعودية إلى تجاوز هذا الممر عبر إعادة توجيه صادراتها النفطية من خلال خط أنابيب شرق-غرب، الممتد على مسافة 1,200 كيلومتر إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يتيح شحن سبعة ملايين برميل يوميا.

إذا طال أمد الحصار، فمن المرجح أن يفاقم الأضرار اللاحقة بالاقتصاد العالمي، إذ سيدفع أسعار البنزين والمواد الغذائية إلى مزيد من الارتفاع، كما سيقيد الوصول إلى مواد حيوية



ولكن، حتى هذا الترتيب يمكن أن يختلّ إذا مضت إيران في تنفيذ تهديدها بتعطيل الملاحة في البحر الأحمر أيضا، إلى جانب الخليج. فقد نجحت طهران من قبل، بالتعاون مع حلفائها الحوثيين في اليمن، في إرباك حركة الشحن في البحر الأحمر خلال حرب غزة، وهي تلوح اليوم بإحداث مزيد من الاضطراب في المنطقة ردا على حصار إدارة ترمب.

وحذر مسؤولون في طهران من أن القوات المسلحة الإيرانية ستعمل على تعطيل حركة الملاحة القادمة من الخليج وبحر عمان والبحر الأحمر إذا واصلت الولايات المتحدة فرض حصارها و"قرصنتها"، وتسببت في انعدام الأمن للسفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط.

ويرى كثيرون أن هذا التصعيد المتنامي، بما قد يجره من تداعيات قاسية على الاقتصاد العالمي إذا تُرك ليستفحل، لا يعدو كونه محاولة من الطرفين لتحسين أوراقهما قبل العودة إلى طاولة المحادثات، التي يقول مسؤولون أميركيون إنها قد تستأنف في وقت مبكر من الأسبوع المقبل. كذلك يوحي إعلان إدارة ترمب بتمديد وقف إطلاق النار القائم لأسبوعين بأن البيت الأبيض لا يزال يفضل التوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع على العودة إلى المواجهة مع إيران.

ولا شك في أن الاضطراب الكبير الذي أحدثه النزاع في التجارة الدولية سيزيد الضغوط على ترمب للإسراع في التوصل إلى اتفاق، ولا سيما أن إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره 20 في المئة من شحنات الطاقة العالمية، دفع أسعار النفط إلى ارتفاع سريع.

وفي الحد الأدنى، سيخلف هذا الحصار تداعيات كبيرة على مشتري النفط الإيراني، ولا سيما في آسيا والصين، اللتين تعتمد شريحة واسعة من احتياجاتهما النفطية على الإمدادات القادمة من إيران.

أما إذا طال أمد الحصار، فمن المرجح أن يفاقم الأضرار اللاحقة بالاقتصاد العالمي، إذ سيدفع أسعار البنزين والمواد الغذائية إلى مزيد من الارتفاع، كما سيقيد الوصول إلى مواد حيوية مثل الألومنيوم والهيليوم ومدخلات الإنتاج الأساسية لصناعة الأسمدة.

وبناء على ذلك، وبينما قد يرى ترمب أن فرض حصار على إيران هو أنجع السبل لوضع حد للحرب، فإن آماله في تحقيق كامل أهدافه المعلنة قد تتبدد، إذا غدت الضغوط الدولية على البيت الأبيض- من أجل التفاوض على اتفاق- أقوى من أن يتجاهلها.

font change