دمشق... التسامح مع المحتجين لا يكفي

سيتوقف الكثير على طريقة تعامل السلطات السورية مع هذا الضغط: هل يُستوعب ويُحتوى، أم يُواجَه بالقمع؟

دمشق... التسامح مع المحتجين لا يكفي

استمع إلى المقال دقيقة

خرج عشرات السوريين إلى شوارع دمشق يوم الجمعة، مطالبين بتخفيف وطأة التدهور الاقتصادي، وبمراجعة سياسات يقولون إنها تزيد مشقة الحياة اليومية يوما بعد يوم.

وتعمد المحتجون عدم إعطاء تحركهم أي طابع سياسي، وحصروا مطالبهم في شؤون معيشية واضحة ومباشرة، تفاديا لأي ردود فعل عنيفة. غير أن الاعتصام تعرّض لهجوم خاطف من مؤيدين للحكومة، اتهموا منظميه بأنهم من فلول نظام الأسد السابق. وسارعت قوات الأمن إلى احتواء التوتر، فضربت طوقا لحماية المحتجين.

لا تنبع أهمية هذه الحادثة من الاحتجاج في حد ذاته، بل من ملامح أوسع تكشفها عن المشهد السياسي السوري في هذه المرحلة: احتجاجات صغيرة تتكرر على نحو متزايد تحت ضغط الضائقة الاقتصادية، وجهاز أمني يبدو أكثر ميلا إلى احتواء العنف مما كان عليه في السابق، لكنه ما زال عاجزا عن الحيلولة دونه، فضلا عن نزعة متنامية داخل بعض دوائر النظام السياسي وشرائح من المجتمع إلى النظر حتى إلى أشكال المعارضة المحدودة باعتبارها تهديدا وجوديا.

ولا يتعلق الأمر بمصير هذه الاحتجاجات وحده، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل تستطيع السلطات السورية فتح حيز سياسي يتيح للمواطنين التعبير عن مظالمهم من دون خوف؟

سبل العيش لا السياسة

وعيا بخطورة تصويرهم خصوما للسلطة، حرص المنظمون على تقديم الاحتجاج باعتباره تحركا مطلبيا ذا طابع اقتصادي لا سياسي، مؤكدين أنه لا يرتبط بأي حزب أو فصيل. وصاغوا مطالبهم بلغة معيشية مباشرة، تمحورت حول الغلاء، وجمود الأجور، ومخاوف خصخصة الخدمات العامة، وتآكل أشكال الحماية الأساسية.

هذا الاحتجاج لم يكن حادثة معزولة، بل جاء تعبيرا عن نمط آخذ في التشكل في أنحاء سوريا المختلفة

أما المقترحات التي طرحوها فجاءت محددة وعملية، من قبيل ربط الأجور بمعدلات التضخم، وإعادة النظر في التعريفات، وتجميد زيادات الأسعار إلى أن تلحق بها المداخيل، ووقف خصخصة أجزاء من القطاع العام.
واللافت أن هذا الاحتجاج لم يكن حادثة معزولة، بل جاء تعبيرا عن نمط آخذ في التشكل في أنحاء سوريا المختلفة: تحركات صغيرة ومحلية تدفعها أعباء الحياة اليومية أكثر مما تحركها الشعارات الأيديولوجية. وتدل هذه الاحتجاجات على أن كثيرا من السوريين ما زالوا يسعون إلى مخاطبة الدولة لا إلى رفضها، وما زالوا ينظرون إلى الحشد العام بوصفه وسيلة للضغط من أجل التصحيح وليس القطيعة.
لكن هذا الحرص في تأطير الاحتجاج لم يوفر لهم حماية تذكر. فقد تجمع مؤيدون للحكومة في الساحة لترهيب المشاركين، ووصموهم بأنهم من بقايا النظام السابق. وسرعان ما تصاعد التوتر إلى اشتباكات أسفرت عن إصابة عدد من الأشخاص.
عكس سلوك قوات الأمن تحولا لافتا، وإن ظل تحولا منقوصا. فبدلا من المضي في تفريق الاحتجاج، تدخلت للفصل بين الطرفين وأقامت طوقا لحماية المتظاهرين، وهي خطوة رأى فيها كثيرون إشارة إلى قدر أكبر من التسامح مع احتجاج منظم.
غير أن هذه الاستجابة بدت متأخرة وغير مكتملة. فقبل انطلاق الاحتجاج، كانت منصات التواصل الاجتماعي تعج بدعوات إلى حشد مضاد، شملت مناشدات صريحة لمواجهة المتظاهرين في المكان نفسه. ومع ذلك، لم تبادر قوات الأمن إلى الانتشار مبكرا على نحو يكفي لاحتواء العنف ومنع اشتعاله.
وتفيد شهادات المحتجين، التي تدعمها مقاطع مصورة، بأن مؤيدين للحكومة شرعوا في الهتاف ومحاولات الترهيب قبل أن تتطور الأمور إلى اعتداءات. ولم تتحرك قوات الأمن على نحو حاسم إلا بعد تعرض المحتجين لهجوم جسدي.
ولم يقتصر الخلل على جانب الوقاية، بل امتد إلى المساءلة أيضا. إذ لم ترد أي تقارير عن توقيف المعتدين. وهكذا نجحت السلطات في تطويق التصعيد، وهو أمر لا يستهان به، لكنها أخفقت في ضمان سلامة من مارسوا حقهم في التجمع. ويكشف هذا الموقف الوسطي عن تحول تحكمه القيود: فالدولة تبدو أميل إلى السماح بالاحتجاج، لكنها ما زالت عاجزة عن حمايته بشكل قاطع.
وتغذي هذه الضبابية دينامية ثالثة أشد خطرا، تتمثل في التعبئة المضادة. فالعداء الذي أبداه بعض مؤيدي الحكومة لم يكن عفويا بالكامل، إذ قوبلت الدعوات إلى التظاهر بانتقادات من مسؤولين وشخصيات نافذة مقربة من السلطات. وكانت الرسالة واحدة وواضحة: قد تكون المطالب مفهومة، لكن الاحتجاجات في هذه المرحلة قد تضعف الدولة وتفتح الباب أمام خصومها.
وأتاحت هذه السردية غطاء لأن يذهب بعض المؤيدين إلى أبعد من ذلك، فاتهموا المتظاهرين بالولاء للنظام السابق، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى التحريض على العنف. وهنا مكمن الخطر. فمن جهة، من الطبيعي القول إن التحديات التي تواجهها سوريا هائلة، ومن الضروري ضبط سقف التوقعات. لكن من جهة أخرى، لا يمكن قبول التعامل حتى مع احتجاج محدود قائم على مطالب واضحة بوصفه تهديدا مباشرا للسلطات الانتقالية.
ويكشف هذا الرفض عن مشكلة أعمق، إذ يوحي بأن بعض الأوساط السياسية والاجتماعية في سوريا ما زالت تنظر إلى الاعتراض بوصفه مرادفا لقلة الولاء. ولا يقتصر أثر هذه النظرة على نزع الشرعية عن مظالم حقيقية، بل يهيئ أيضا بيئة خصبة للعنف، كما أظهرت هذه الحادثة.

سيتوقف كسر هذه الدينامية إلى حد كبير على موقف الحكومة. فإذا أرادت السلطات توجيه هذه الأشكال الناشئة من الاحتجاج نحو انخراط بنّاء، فعليها أن تتجاوز مجرد التسامح السلبي. ويقتضي ذلك أن تبعث برسالة واضحة مفادها أن مثل هذه المظاهرات مشروعة وليست تهديدا، وأن مؤيدي الحكومة لا يملكون أي حق في مواجهة المشاركين أو ترهيبهم.
ولا يتعلق الأمر بالسيطرة وحدها، بل بالمصداقية أيضا. فالناس يصبحون أقدر على تحمل المشقة حين يشعرون بأن لهم مكانا في القرارات التي تمس حياتهم، وبأنهم يفهمون المقايضات التي تنطوي عليها تلك القرارات. ويغدو الصبر مستداما حين تُشرح السياسات بوضوح، وتُدار التوقعات بواقعية، وتستند الوعود إلى جداول زمنية موثوقة.
ومن دون هذا الوضوح، ستظل الضبابية وصفة للتصعيد. فإذا عجزت الحكومة عن تحديد ما يعد اعتراضا مقبولا، سيسارع آخرون إلى فرض تلك الحدود بأنفسهم، وغالبا بمنطق الإكراه.
وما جرى في ساحة يوسف العظمة يسلط الضوء على ما هو على المحك. فحتى إن لم تكن سوريا على أعتاب انتفاضة واسعة، فإنها تدخل مرحلة تتكاثر فيها الاحتجاجات المحدودة والمتكررة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية.
وسيتوقف الكثير على طريقة التعامل مع هذا الضغط: هل يُستوعب ويُحتوى، أم يُواجَه بالقمع؟ فهذا الخيار لن يرسم مسار هذه الاحتجاجات فحسب، بل سيحدد أيضا الأفق الأوسع لإعادة بناء مساحة سياسية تتيح للمواطنين الانخراط من دون خوف من الانتقام.

font change