عدالة

عدالة

استمع إلى المقال دقيقة

هل كل ما يجري من غبار ودمار ودم وتدوير للكراهية وموت وخوف وتهديد وقوة عسكرية فتاكة ومفردات سياسية سوقية ضحلة هي مكونات المفاوضة على السلام، أهو السلام الموعود هذا المقيد بالسلاسل. دمار الحرب ودمار التفاوض.

إذا أتيح لنا الوقت لتأمل هذه المكونات على أرض الواقع، سنجد قضاء على احتمالات الأمل ودفعا للشعوب إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع الجديد الذي سيستمر طويلا، فلا القتلة حوكموا في محاكمات عادلة، ولا القانون الدولي وجد طريقه الى تحقيق العدالة ، كما سنرى أن الاغتراب والعجز يطعنان قلب الإنسانية.

على مر السنين أفقرت الشعوب واحتلت وانتهك استقرارها. وإذا تأملنا اللغة السياسية العسكرية السوقية المتطرفة للمرحلة، فسنراها هوية أصحابها التي تحمل مشروعهم التوسعي. كلها بنود اضطرارية قسرية للتفاوض، بنود الفرصة الأخيرة للبقاء، التي تبرر للطرف المغلوب على أمره مد يده المقطوعة لأعدائه الذين لا يزالون أعداءه من أجل المصافحة. ويستطيع من يمتلك القوة، أن يمد يده الملطخة بدم القانون الدولي والعدالة وبجرائم الحرب ضد الإنسانية أيضا للمصافحة.

كيف نستطيع أن نرثي هذا الشرق الحبيب الذي تنتهكه حروب الآخرين وكل هذا الظلم والإقصاء والكراهية؟ كيف نصف ما يحصل، ومن أين نبدأ. كل هذا الألم وكل هذه التضحيات وانكسار الحلم. أخيانات الأمل ما نحن فيه، أم خلايا الخراب الأخلاقي الكوني معا؟

ما جرى في فلسطين منذ النكبة مرورا بكل النكبات اللاحقة عبر أكثر من سبعين عاما ولا يزال، وفي سوريا عبر زمن طويل من الاستبداد والحروب، وفي العراق، والحرب الأهلية في لبنان واجتياح بيروت والآن في الحرب الإسرائيلية على لبنان... كل هذا ليس حرب حضارات ولا نهاية الكون، تلك الكليشيهات المرعبة التي أطلقت لتقلق الحياة ولتنذر بما نحياه من ترحيل للزمن إلى زمن يغترب فيه عن أهله.

الشوارع والأقلام التي ترفض حروب الإبادة وطغيان القوة، وحتى السياسات الدولية الخجولة، بدأت تخلع جلد الشاهد الأعمى لترى ما يجب أن تراه، كل هذا يعد بالتغيير ويعد بدورة الأمل القادمة لا محالة، الأمل الذي تزرعه الشعوب وتعد به ويتقدم حثيثا. ورغم كل ذلك نحن نحتاج المعجزة. ندفع أثمانا باهظة لإزاحة فاشية جبارة وحروب إبادة تدفعها البيوت كما ساكنوها. يصير البيت خيمة أو عراء أو قبرا أو غبارا أو العدم. لكنه يستقر في الذاكرة.

تلك الكليشيهات المرعبة التي أطلقت لتقلق الحياة ولتنذر بما نحياه من ترحيل للزمن إلى زمن يغترب فيه عن أهله

ينفلت الوقت من الزمن، الوقت الذي بين أنياب الوحش، ولا يستطيع الإنسان حينذاك أن يعي ذاته الممزقة. هو المعني بالحياة والأفراح الصغيرة والجمال والسلام والمصالحات المبنية على الندية والرغبة في اللقاء مع الآخر لكسر وحشة الكون الوجودية أساسا، الذاهبة إلى نهاية حتمية للإنسان، كل إنسان. ويندفع مرغما إلى الهاوية. هاوية الشروط المذلة، التي قد تجبر الضحية على شبه الاعتذار من جلادها. وهذا لب التوحش ونخاعه الشوكي. وليس في هذا إدانة للضحية. تدان الضحية حين تصبح جلادا بدورها، وتتمثل طريق العنف الذي قضت هي فيه.

وما الشعر والفنون والقوانين الدولية والحضارة والأمان، والبيت، سوى مقاومة الشرط الإنساني للتوحش. وما إبادة البيت سوى نسف كل فكرة للمصالحة.  

يرسل جندي شريطا مباشرا لزوجته، يريها فيه كيف دمر بيتين في قرية فلسطينية. ويحتل مستوطن بيتا في حي الشيخ جراح في القدس، وحين قالت له صاحبة البيت، هذا بيتي. قال لها، هذا لي الآن وإن لم أكن أنا فسيكون غيري. هذا أيضا كان في البث المباشر وهذا أيضا لب الكراهية. هذا الآخر الذي سيأتي، ليس الآخر التعددي المختلف الجار أو الصديق أو المحاور، هو إعادة إنتاج البطش لذاته. 

كيف ستستطيع هذه الكراهية أن تصمد في وجه أسماء البلدات والقرى والمدن والبشر. لقد قصفت إسرائيل بنت جبيل. سيتوقف الزمن لينحني لبنت جبيل. سينحني لاسم النبطية وصيدا وصور وسيصلي حين سيصل إلى اسم بيروت والشام وبغداد. يصير المكان أسطورة في وجه هذا العدم. لا يمكن أن ينكسر كل هذا التاريخ في لحظة عابرة مهما طال عبور هذه اللحظة.  

في هذا التاريخ القاسي، لجأ الكثير من المثقفين العرب المعارضين لأنظمة الاستبداد في بلدانهم إلى لبنان. ولجأت القضية الفلسطينية إلى لبنان أيضا، كانت بيروت قبل أن يتسلل إليها أخطبوط الممانعة، لا تزال تمتلك الخيارات والتعددية والحرية في الصحافة ودور النشر والسياسة والإبداع وفن العيش والحياة اليومية. وكان المناخ الحر يغلي بالأفكار والحوارات والمشاريع.

هذا الآخر الذي سيأتي، ليس الآخر التعددي المختلف الجار أو الصديق أو المحاور، هو إعادة إنتاج البطش لذاته

بيروت بيت الجميع، نوافذ جسورة حرة مشرعة على مشاريع النهضة، نوافذ أهلها، وستبقى. ستتم المفاوضات ربما! سيطل السلام المقيد بالسلاسل على الجنوب، على السجين الفلسطيني الذي يواجه قرار الإعدام في اللحظة ذاتها. ومن شبابيك بيروت المفتوحة ستبقى، يطير صوت فيروز فوق البحر والسهل والبر... تستعيد الدنيا بعضا من كرامتها.

font change

مقالات ذات صلة