أين مؤلفات النساء في التراث الإسلامي؟

أين مؤلفات النساء في التراث الإسلامي؟

كثيرا ما يرد هذا السؤال إلى الذهن حين يتأمل المرء في تراثنا الإسلامي، ويرى ذلك الامتداد الواسع من المصنفات التي كتبت عبر قرون طويلة، في شتى العلوم والمعارف.

مشهد مدهش في غزارته وتنوعه، كتب لا تحصى في التفسير والحديث، وفي الفقه وأصوله، وفي اللغة والأدب، وفي التاريخ والطب والفلك، وأسماء تتدفق من كل أفق، من بغداد ودمشق، ومن قرطبة والقيروان، ومن نيسابور وسمرقند، حتى ليخيل للناظر أن هذه الحضارة قد أودعت ذاكرتها كاملة في نصوصها.

لكن هذا المشهد بقدر ما يكشف عن حضور لمصنفات كتبها الرجال، إلا أنه يقابله غياب شبه كامل لأسماء النساء في حقل التأليف والتصنيف. ومن هنا يأتي السؤال: أين مؤلفات النساء في هذا التراث؟ ولماذا لا نجد للمرأة حضورا موازيا في هذا الأرشيف المكتوب؟

قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال سهلة لو افترضنا أن المرأة كانت مهمشة معرفيا، أو بعيدة عن دوائر الحركة العلمية، أو محرومة من أدوات المعرفة. غير أن كتب التراجم والطبقات تكشف لنا عن حالة تظهر فيها المرأة فاعلة في النشاط الثقافي والعلمي، فهي محدثة تروى عنها الأسانيد، وتُشد إليها الرحال، ويأخذ عنها كبار العلماء، وأديبة وشاعرة، حاضرة في المجالس، ومشاركة في تشكيل الذائقة الأدبية، كما عرفت بمشاركتها في الفقه، وفي نقل المعرفة الدينية، بل وتجاوز حضورها ذلك إلى بعض المعارف العقلية والعملية، والعلوم التجريبية.

نحن، إذن أمام مفارقة مثيرة للاهتمام، حضور علمي واضح للمرأة، يقابله غياب لها في مجال التأليف. وهو ما يفرض إعادة صياغة السؤال: لماذا لم يتجلَّ هذا الحضور في صورة كتب ومصنفات؟

أثناء تأملي وبحثي في هذا الموضوع، وقع بين يدي كتيب لطيف، بعنوان "المؤلفات من النساء ومؤلفاتهن في التاريخ الإسلامي"، لمحمد خير رمضان يوسف، صادر عن دار "ابن حزم" في 116 صفحة.

أرّق هذا السؤال المؤلف، كما يقول في مقدمته، وأراد بحثا عن الجواب، فبحث في كتب التراجم والطبقات، يقول: "أحببت أن أختصر الطريق فأتصفح كتاب (أعلام النساء) لعمر رضا كحالة، الذي حوى ما يقرب من ألفي امرأة، ولكن لم أظفر من بينهن سوى بعشر نساء أشار إلى أنهن مؤلفات... والسؤال المطروح هل حقا لا توجد مؤلفات في التاريخ الإسلامي إلا بهذا المقدار؟ أليس من الغرابة بمكان أن لا نجد بين هذه التراجم الهائلة إلا هذا العدد المحدود من المؤلفات؟ ما هو السبب يا ترى؟".

ومن هنا يبدأ البحث عن السبب، يعرض المؤلف جملة من العوامل التي قد تفسر هذا الغياب النسبي في التأليف. أولها: طبيعة الحياة الاجتماعية للمرأة، وما كانت تتحمله من أعباء الأسرة والبيت، وهي أعباء تستغرق الزمن والجهد، وتحد من القدرة على التفرغ للتأليف الطويل الذي يحتاج إلى عزلة واستقرار.

وثانيها: أن كثيرا من مجالات اشتغال المرأة العلمية كانت أقرب إلى "السماع" و"الرواية" منها إلى "التصنيف"، خاصة في علوم الحديث، حيث برزت المرأة بوصفها راوية ومحدثة أكثر من كونها مؤلفة.

وثالثها: ضعف التوثيق؛ إذ قد تكون للمرأة مشاركات أو كتابات لم تحفظ، أو لم تنسب إليها، أو ضاعت في سياق النقل والرواية.

ويضيف إلى ذلك سببا لا يقل أهمية، وهو أن مفهوم "الكتابة" نفسه لم يكن دائما يعني "التأليف"/ فقد كانت "الكاتبة" في الاصطلاح القديم قد تكون ناسخة، أو متقنة للخط، أو ممن يحسنون الكتابة، دون أن تكون صاحبة مصنف مستقل.

هذه الشواهد، على قلتها، تكشف أن التأليف النسائي كان ممكنا وواقعا، لكنه لم يتحول إلى ظاهرة عامة

لكن، وعلى الرغم من هذه العوامل، لا يذهب الكتاب إلى نفي التأليف النسائي تماما، بل يؤكد أن هناك نماذج لنساء ألفن أو نسب إليهن تصنيف، وإن كانت قليلة. فقد ذكرت في كتب التراجم أسماء لنساء لهن أجزاء حديثية، أو مجموعات علمية، أو مؤلفات في الفقه أو الأدب، كما أشير إلى بعضهن في سياق الإجازات والمشيخات، حيث كانت لهن مرويات مدونة أو مواد علمية جمعت عن طريقهن.

أحصى الكتاب 36 امرأة مؤلفة حتى نهاية عام 1200هـ. وكانت المؤلفة الأكثر إنتاجا: نانا أسماء بنت عثمان فودي من نيجيريا، والتي ألفت أكثر من 70 كتابا وقصيدة. أما عدد جميع مصنفات النساء في هذه الفترة فإنه لا يتجاور 100 كتاب.

يذكر الكتاب، على سبيل المثال، بيبى بنت عبد الصمد الهرثمية التي عرف لها جزء حديثي، وهي الشيخة المعمرة المسندة أم الفضل، وأم عزي، صاحبة الجزء المشهور باسمها، وصدر بعنوان "جزء بيبى عبدالصمد الهروية الهثرمية عن أبي شريح عن شيوخه".

ودهماء بنت يحيى بن المرتضى التي نسبت إليها شروح في الفقه والكلام، وزيب النساء بنت عالمكير التي ارتبط اسمها بتفسير للقرآن، حيث ذكر أن لها من التصانيف كتاب "زيب التفاسير"، كما أشار إلى عائشة بنت أحمد الطبري في سياق مصنف يتصل بتاريخ الطبري، وإلى خناثة بنت بكار في عمل نسب إليها في "الإصابة في معرفة الصحابة".

هذه الشواهد، على قلتها، تكشف أن التأليف النسائي كان ممكنا وواقعا، لكنه لم يتحول إلى ظاهرة عامة. ذلك أن "التأليف" ليس هو الوجه الوحيد للمعرفة، فالحضور العلمي قد يتخذ أشكالا أخرى، ربما كانت في بعض العصور أكثر تأثيرا من الكتاب نفسه. فإذا كانت المرأة قد غابت نسبيا عن "التصنيف"، فإنها لم تغب عن "العلم".

font change