"الباستا" والإدريسي وصقلية العربية

"الباستا" والإدريسي وصقلية العربية

استمع إلى المقال دقيقة

في وسط صقلية الإيطالية يقف صحافي بريطاني يقدم وثائقيا لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) متسائلا: ما الذي يمكن أن يكون إيطالياً أكثر من "الباستا"؟ ثم يضيف: "الحقيقة أن هذا الطبق قدمه العرب أول مرة إلى صقلية، قبل أن يتحول، عبر القرون، إلى رمز قومي لإيطاليا".

حين تذكر "الباستا"، تحضر إلى الذهن صورة المائدة الإيطالية العامرة، حيث تتدلى خيوط "السباغيتي" الذهبية، وتغمرها الصلصة الحمراء، في مشهد صار جزءا من هوية إيطاليا الحديثة.

غير أن هذا الطبق، يخفي وراءه تاريخا أكثر تعقيدا، تشابكت فيه طرق التجارة، وتقاطعت عنده تقاليد البحر الأبيض المتوسط، وتداخلت فيه خبرات حضارية متعددة. فهل كانت "الباستا" إيطالية المنشأ، أم إنها ثمرة مسار تاريخي شارك فيه العرب بدور مؤثر لا يمكن تجاهله؟

لطالما ارتبط الحديث عن أصل المعكرونة برواية شائعة تنسب إلى الرحالة الإيطالي ماركو بولو، الذي قيل إنه جلبها من الصين في القرن الثالث عشر بعد اطلاعه على صناعة النودلز هناك، غير أن هذه الرواية، على شيوعها، لا تصمد كثيرا أمام المعطيات التاريخية، إذ تشير مصادر أوروبية إلى معرفة أشكال من المعكرونة في إيطاليا قبل عودة ماركو بولو بزمن غير قصير، وبخاصة في صقلية، الجزيرة التي كانت آنذاك واحدة من أكثر مناطق المتوسط تفاعلا وحيوية.

في القرن الثاني عشر، يقدم الجغرافي العربي الشريف محمد الإدريسي شهادة مهمة في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، فخلال حديثه عن صقلية، يذكر موضعا يعرف بـ"التربيعة" (Trabia)، قرب باليرمو، ويشير إلى أنه مكان تصنع فيه "الإطرية"، وأن هذا المنتج يجهز ويحمل إلى الآفاق، من بلاد المسلمين وبلاد النصارى على السواء. يقول الإدريسي: "وبجانبها الغربي محل يعرف بالتربيعة وهو من المنازه البديعة وبه مياه جارية وعليه كثير من الأرحاء ولها بادية ورباع واسعة ويصنع بها من الإطرية ما يتجهز به إلى كل الآفاق من جميع بلاد قلورية وغيرها من بلاد المسلمين وبلاد النصارى ويحمل منها الأوساق الكثيرة".

يتحدث الإدريسي عن "الإطرية" بوصفها صناعة قائمة، ذات طابع اقتصادي وتجاري، تنتج بكميات كبيرة، وتعد سلعة قابلة للتخزين والنقل. كما أن المصطلح نفسه يَرد دون شرح، بما يوحي بأنه كان معروفا ومتداولا في الثقافة العربية آنذاك.

أما "الإطرية"، فهي في المصادر العربية اسم لعجائن تصنع من دقيق القمح، تشكل في هيئة خيوط أو شرائط دقيقة، ثم تجفف لتطهى لاحقا، وهي تقع ضمن عائلة العجائن الجافة، التي تشبه أشكال "الباستا" الإيطالية التي ستظهر لاحقا.

إذا كانت "الإطرية" معروفة في البيئة العربية الصقلية، فلماذا لم تصبح المعكرونة عنصرا مركزيا في المطبخ العربي كما حدث في إيطاليا؟

ولا يمكن فهم شهادة الإدريسي بمعزل عن السياق الصقلي الأوسع، فقد خضعت صقلية للحكم العربي قرابة قرنين من الزمان، منذ الفتح الإسلامي عام 827م وحتى نهاية القرن الحادي عشر، وهي فترة تحولت خلالها الجزيرة إلى فضاء زراعي وتجاري متقدم، حيث أدخل العرب إلى الجزيرة منظومة غذائية جديدة، قامت على توسيع التنوع الزراعي، وتطوير أساليب الطهي والحفظ، وربط الطعام بالتجارة والبيئة. فجلبوا قصب السكر، والحمضيات كالليمون والبرتقال، فضلا عن اللوز، والفستق، والرمان، وهي مكونات ما تزال حاضرة بقوة في المطبخ الصقلي حتى اليوم. وأسهموا في إدخال التوابل الشرقية، مثل الزعفران والقرفة، ومنحوا الأطعمة نكهة مركبة.

كما أدخل العرب نظما دقيقة للري، ووسعوا زراعة القمح القاسي، وهو النوع الأنسب لصناعة العجائن المجففة لما يتمتع به من خصائص تضمن تماسك العجين عند الطهي.

إلى جانب ذلك، برع العرب في تقنيات حفظ الطعام وتجفيفه، وهي خبرة ارتبطت بأسفارهم الطويلة وحركتهم التجارية الواسعة. وفي مناخ صقلية المعتدل، وجدت هذه التقنيات بيئة مثالية للتطبيق والتطوير.

وقد يطرح سؤال هنا: إذا كانت "الإطرية" معروفة في البيئة العربية الصقلية، فلماذا لم تصبح المعكرونة عنصرا مركزيا في المطبخ العربي كما حدث في إيطاليا؟ الجواب يكمن في اختلاف الأنماط الغذائية، فقد كان المطبخ العربي غنيا بأشكال أخرى من استهلاك الحبوب، كالخبز والكسكس والشعير والبر والحنطة، وهي أطعمة أدت وظائف غذائية مماثلة. كما أن المعكرونة تعتمد على التجفيف والتخزين الطويل، لهذا ارتبطت أكثر بمجتمعات متوسطية بحرية.

غياب انتشار "الباستا" في العالم العربي لا ينفي أثر العرب في تاريخها، بل يضع هذا الأثر في إطاره الصحيح، وهو إطار التفاعل الحضاري. فقد أخذ الإيطاليون هذه الخبرات، وطوروها، وأضافوا إليها لمساتهم الخاصة، حتى صارت "الباستا" أحد أعمدة مطبخهم القومي، وأحد أشهر الأطعمة في العالم.

هذا الطبق الفريد مثال لرحلة طويلة من التفاعل الثقافي والتجاري، ورمز لحضارات تلاقت، وحكاية لا تزال خيوطها تمتد عبر العصور

فهل كان لـ"الباستا" أن تصبح ما هي عليه اليوم لولا التأثير العربي العميق؟ الإجابة تكمن في ذلك المشهد التاريخي الذي قد نتصوره في أحد أسواق صقلية في العصور الوسطى، حيث يقف تاجر عربي يشرف على تحميل صناديق من المعكرونة المجففة على ظهر سفينة متجهة إلى ميناء نابولي، بينما في زاوية السوق، تتصاعد رائحة التوابل القادمة من الشرق.

إن هذا الطبق الفريد مثال لرحلة طويلة من التفاعل الثقافي والتجاري، ورمز لحضارات تلاقت، وحكاية لا تزال خيوطها تمتد عبر العصور.

font change