لا يمكن فهم حضارات العالم اليوم، ولا إدراك الأسس التي قامت عليها العلوم والمعارف واللغات والفلسفات، من دون العودة إلى الشرق القديم، فهو المنطلق الأول للتجربة الحضارية الإنسانية. فحضارات مثل الآشورية والبابلية والكنعانية والفينيقية كانت اللبنة الأساسية للمعرفة الإنسانية، فيها وضعت البدايات الأولى للكتابة، وظهرت الأبجديات، ونظمت اللغة، وتأسست مفاهيم القانون، والكون، والزمن، والإنسان.
ومن تجربة هذه الحضارات انتقلت الأفكار والمعارف إلى العالم اليوناني، الذي نهل من تراث الشرق القديم، ووضع مبادئ الفلسفة والعلوم في الطبيعة والفلك والجغرافيا والهندسة والرياضيات، ثم واصلت هذه السلسلة امتدادها من الفلسفة اليونانية إلى الفكر الروماني، ومنه إلى النهضة الأوروبية الحديثة، في حركة تاريخية متصلة لا تنفصل حلقاتها، مهما تغيرت لغاتها وأسماؤها.
غير أن هناك سؤالاً مهماً، قلّ التطرق إليه، ويندر الاهتمام به، وهو: أين موقع الجزيرة العربية من هذه الحركة الكبرى في التاريخ؟ هل كانت الجزيرة مجرد فضاء خارج هذه السلسلة، أم إنها تشكل الحلقة الأقدم التي انطلقت منها هذه الجماعات البشرية، ونشأت من رحمها حضارات الشرق المتعاقبة؟
يمكن تتبع موقع الجزيرة العربية في هذه الرحلة الحضارية الطويلة، بدءا من وجود الإنسان العاقل فيها، مرورا بالهجرات السامية الأولى، وصولا إلى الحضارات الكنعانية والفينيقية والرافدية، فهي حلقات متعاقبة في تاريخ واحد متصل، كانت الجزيرة العربية منطلقه الأول.
في عام 2012 بثت شبكة "بي بي سي" سلسلة وثائقية تناولت تاريخ العالم منذ فجر الإنسانية حتى القرن العشرين، قدمها الصحافي البريطاني أندرو مار، وجاءت في ثماني حلقات كان أولها بعنوان "البقاء". ركزت الحلقة على الإنسان الأول وصراعه من أجل النجاة في مواجهة التغيرات المناخية القاسية، والبحث عن الماء والغذاء والمأوى.
تبدأ القصة قبل نحو سبعين ألف سنة في أفريقيا، حيث عاشت جماعات من الإنسان العاقل في ظروف شديدة الاضطراب المناخي، بين فترات تجمد وبراكين هائلة، ثم تحولت إلى مناخ أكثر حرارة ورطوبة، أعقبها جفاف وبرودة. وكانت الحركة والتنقل شرطا أساسيا للبقاء، إذ إن الاستقرار في مكان واحد كان يعني نفاد الموارد والهلاك. وتشير دراسات الحمض النووي إلى أن محاولات عديدة للخروج من أفريقيا باءت بالفشل، وأن مجموعة بشرية واحدة فقط نجحت في العبور والاستقرار خارجها، لتترك أثرا دائما في تاريخ الإنسانية.
تتتبع السلسلة مسار هذه المجموعة الصغيرة، التي تحركت ببطء نحو الساحل الشمالي الشرقي لأفريقيا، ثم عبرت البحر الأحمر وصولا إلى ما يعرف اليوم بالجزيرة العربية. وتفيد الأدلة الأثرية والمناخية بأن الجزيرة العربية في ذلك الزمن لم تكن صحراء قاحلة، بل كانت أرضا خضراء غنية بالمياه والمراعي والحياة البرية، مما جعلها محطة أمان واستقرار. وفي هذا السياق، يصف أندرو مار لحظة مؤثرة، حين وضعت امرأة من تلك المجموعة طفلها في الجزيرة العربية، ليعلق قائلا إن الدراسات الجينية تشير إلى أن جميع البشر الأحياء اليوم ينحدرون من تلك الهجرة الواحدة، ومن تلك المرأة تحديدا، التي يمكن النظر إليها على أنها "الأم المشتركة" للبشرية جمعاء.
وفقا لهذه الرؤية العلمية، فإن الجزيرة العربية هي الحلقة التي تربط حضارات الإنسانية، من موطن الإنسان العاقل في أفريقيا إلى قارات الأرض، فقد كانت جزيرة العرب المعبر الأول، والبوابة الكبرى التي انتقلت منها الجماعات البشرية إلى أصقاع الأرض. فمن هذه الجغرافيا تفرعت المسارات الإنسانية شرقا وغربا وشمالا، لتنتشر لاحقا في آسيا وأوروبا، ومنها إلى بقية أنحاء العالم.
كانت جزيرة العرب المعبر الأول، والبوابة الكبرى التي انتقلت منها الجماعات البشرية إلى أصقاع الأرض
وقد أظهرت الشواهد الأثرية أن هذه الحركة لم تكن واحدة، بل جرت على مراحل طويلة. فبينما استقرت جماعات بشرية في الجزيرة العربية خلال الفترات التي كانت فيها مطيرة وخضراء، اختارت جماعات أخرى مواصلة الحركة والهجرة. ومع تعاقب العصور وتبدل المناخ، وبدء موجات الجفاف، تحولت هذه التحركات إلى هجرات كبرى منظمة، أو ما تسمى "الهجرات السامية الكبرى" حاملة معها اللغة والعادات والتقاليد، حيث تشير الدراسات اللغوية المقارنة إلى أن اللغات السامية نشأت في بيئة واحدة قبل أن تتفرع إلى فروعها المعروفة، وأن البداية الأولى لها يرجح أن تكون قد تمت في الجزيرة العربية.
لم تخرج هذه الجماعات بوصفها شعوبا حضارية ذات هوية خاصة، بل خرجت محملة بلغة وذاكرة هذه الأرض، ثم أعادت بناء نفسها حين استقرت في بيئات جديدة وفق موروثها الثقافي الذي انتقلت به، وكل هذا كان له أثر واضح في رسم الخريطة البشرية واللغوية للشرق القديم.
يشير محمد عزب دسوقي في كتابه "القبائل العربية في بلاد الشام" إلى أن سكان بلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب كانوا ينعمون في فترات مبكرة ببحبوحة في العيش، غير أن التحولات المناخية التي أصابت الجزيرة العربية، وما رافقها من اشتداد الجفاف ونقص الموارد، أطلقت حركة نزوح كبرى باتجاه تلك الأقاليم المجاورة. وقد خرجت هذه الهجرات على دفعات متعاقبة، حمل كل منها أعدادا كبيرة من السكان، استقروا في مناطق الهلال الخصيب وبلاد الرافدين، وامتزجوا بسكانها، وتفاعلوا معهم اجتماعيا وثقافيا، فنتج عن ذلك نشوء حضارات جديدة امتد تأثيرها قرونا طويلة، مثل الحضارتين البابلية والآشورية في بلاد ما بين النهرين، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام.
ويذكر دسوقي أن أولى هذه الهجرات الكبرى خرجت من شبه الجزيرة العربية في الألف الرابعة قبل الميلاد، وحملت معها جماعات الكنعانيين الذين استقروا في أراضي سوريا وفلسطين. ثم تلتها، في الألف الثالثة قبل الميلاد، هجرة ثانية ضمت الأكاديين، الذين اتجهوا نحو بلاد ما بين النهرين وأسهموا في بناء إحدى أقدم التجارب الحضارية في المنطقة. وفي الهجرة الثالثة خرج العموريون، وانتشروا في بابل وسوريا وفلسطين، وكان لهم دور بارز في الحياة السياسية والعمرانية هناك. أما الهجرة الرابعة في الألف الأولى قبل الميلاد، فقد حملت الجماعات العبرانية والآرامية إلى أراضي الهلال الخصيب، وهما العنصران اللذان شكلا الغالبية السكانية في بلاد الشام قبيل الفتح الإسلامي.
وعلى هذا النحو، تبدو شبه الجزيرة العربية في العصور القديمة خزانا بشريا واسعا، يفيض بسكانه كلما اشتدت الظروف البيئية، فيغذي الأطراف المحيطة به، الأمر الذي أسهم في عمران الأقاليم المجاورة، وفي قيام حضارات تركت بصماتها العميقة في تاريخ الشرق القديم.
هذه الأرض كانت موطنا للإنسان الأول قبل آلاف السنين، ومنها انطلقت مسارات بشرية أسهمت في قيام حضارات العالم القديم
إننا في يوم التأسيس السعودي، ونحن نحتفي بهذا الإرث العظيم من تاريخ الدولة السعودية منذ ثلاثة قرون، نستذكر أيضا أن هذه الأرض كانت موطنا للإنسان الأول قبل آلاف السنين، ومنها انطلقت مسارات بشرية أسهمت في قيام حضارات العالم القديم، وشكلت الأساس لنهضة العلم والمعرفة في فجر الإنسانية.. لقد كانت الجزيرة العربية مفتاحا من مفاتيح التاريخ الكبرى، وفضاء مبكرا لانطلاق الحضارة.