بنو موسى والخوارزمي والذكاء الاصطناعي

بنو موسى والخوارزمي والذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقال دقيقة

هل هناك علاقة بين الخوارزمي وأبناء موسى بن شاكر في العصر العباسي وتقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم؟

قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى مستفزا، أو محاولة لربط منجزات التقنية المعاصرة بالحضارة الإسلامية، وقد يرى البعض في ذلك تعسفا ومبالغة، أو ضربا من الطرح العاطفي والافتخار بشيء لا يقوم على حقيقة علمية. لكن هذا الاعتراض يفترض ضمنا أن الثورات التقنية والعلمية تنتمي لمنطقة جغرافية معينة، أو تتشكل منفصلة عن غيرها، كأن التاريخ العلمي يتحرك في قفزات عشوائية مفاجئة، وأن التحولات العلمية الكبرى تولد من فراغ، وهو افتراض لا يصمد طويلا أمام النظر الجاد في تاريخ العلوم.

إن قوانين التاريخ العلمي تكشف لنا أن تطور العلوم لا يأتي في طفرات معزولة، ولا يبنى من لحظات عبقرية منفصلة عن غيرها، بل يتشكل في مسارات طويلة من التراكم الهادئ، حيث ترفد كل لبنة أختها، وتتهيأ الشروط العلمية والتقنية قبل أن تظهر القفزات الكبرى في صورتها النهائية. وبهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى الثورة التقنية الهائلة التي نعيشها اليوم، وفي قلبها ثورة الذكاء الاصطناعي، على أنها حدث ولد هكذا فجأة أو انبثق من العدم. صحيح أن العقود الأخيرة شهدت تسارعا غير مسبوق في الحوسبة والبيانات والخوارزميات، لكن هذا التسارع كان تتويجا لمسار علمي طويل ساهمت فيه جهود متعاقبة من العلماء من أنحاء متفرقة من العالم.

هنا يأتي السؤال: ما هي اللبنات الفكرية والمنهجية التي جعلت هذه الثورة ممكنة أصلا؟ ومن هم أولئك الذين أسهموا في مراحل مبكرة من تاريخ العلم في تغيير طريقة تفكير الإنسان في الحساب، والآلة، والإجراء، والنظام؟

في هذه اللحظة يصعب تجاوز أسماء علماء عرب ومسلمين في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، مثل محمد بن موسى الخوارزمي، وأبناء موسى بن شاكر من رواد القرن الثالث الهجري، ورموز الحركة العلمية في بغداد الرشيد، ومركزها الحضاري "بيت الحكمة"، حيث شكلوا جزءا مهماً من مسار علمي طويل أسس لعلم الرياضيات الحديثة، ومفهوم الخوارزمية، وفكرة الآلة ذاتية العمل، وهي كلها تشكل اليوم هوية عالم الحواسيب والذكاء الاصطناعي.

في منتصف القرن التاسع الميلادي وضع الإخوة موسى بن شاكر (أحمد ومحمد والحسن) بصمتهم في تاريخ التقنية من خلال تأليف "كتاب الحيل"، حيث اشتمل هذا الكتاب على وصف لحوالي مئة جهاز ميكانيكي مبتكر يعمل بطريقة ذاتية، من بينها آلات ذاتية الحركة (أوتوماتيكية) كنوافير المياه، وآلات موسيقية ميكانيكية، ومصابيح ذاتية التشغيل وغيرها من الأدوات العجيبة.

لم يكن "كتاب الحيل" مجرد تجميع لأفكار سابقة، بل تضمن الكثير من الاختراعات الأصلية التي تجاوزت منجزات مهندسي الحضارات السابقة كاليونان والصين والهند. ركز بنو موسى بشكل خاص على مفهوم التحكم الآلي في الأجهزة، وهو ما ميزهم عن أسلافهم اليونانيين. فقد استخدموا صمامات تعمل ذاتيا، وآليات توقيت وتأخير تنظم عمل الأجهزة تلقائيا دون تدخل بشري. هذه المزايا التقنية تشكل مبدأ التغذية الراجعة والتحكم الذاتي، وهي مفاهيم نجدها اليوم في علم هندسة التحكم والروبوتات الحديثة، ويصف الباحثون المعاصرون إنجازات بني موسى بأنها قفزة نوعية في تاريخ الهندسة، حيث برعوا في دمج مبادئ الميكانيكا الهوائية والهيدروليكية لتحقيق حركات تلقائية معقدة.

لم يكن "كتاب الحيل" مجرد تجميع لأفكار سابقة، بل تضمن الكثير من الاختراعات الأصلية التي تجاوزت منجزات مهندسي الحضارات السابقة كاليونان والصين والهند

مثلت أجهزة "كتاب الحيل" نماذج مبكرة للروبوتات، على سبيل المثال، ابتكر بنو موسى أوعية سحرية (الإناء ذو الحيل)، حيث صمموا أوعية تستطيع أن تصب سوائل مختلفة (ماء، نبيذ... إلخ) من الإناء نفسه، أو تصب كمية محددة في الكوب ثم تتوقف تلقائيا، حيث تكون قادرة على توزيع السوائل بشكل آلي، أو فصل سوائل مختلفة، أو تقديم مقادير محددة. كما صمموا مصباحا ذاتي التشذيب للفتيلة يحافظ على اشتعال الفتيل عبر إعادة تزويده بالزيت أوتوماتيكيا كلما أوشك على الانطفاء.

هذه الأمثلة تظهر فهما مبكرا لمبدأ نظام التشغيل الذاتي الذي يقوم بضبط نفسه استنادا إلى تغيرات البيئة المحيطة، وهو المبدأ نفسه المستخدم اليوم في تصميم الأجهزة الذكية وروبوتات الذكاء الاصطناعي التي تستشعر البيئة وتتكيف معها.

في الفترة ذاتها أيضا قدم العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي للبشرية إنجازا علميا لا يقل أثرا، وذلك من خلال تأليفه كتاب "الجبر والمقابلة" حوالي عام 830م. وهذا الكتاب المسمى "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" يعتبر أول عمل منهجي في علم الجبر، حيث عرض فيه الخوارزمي حلولا منظمة لمعادلات من الدرجة الأولى والثانية بأسلوب إجرائي واضح.

تكمن عبقرية الخوارزمي في أنه لم يكتف بصياغة حلول رياضية، بل وضع خطوات منهجية متسلسلة لحل المشكلات الرياضية، يمكن اعتبارها أقدم صيغة لما نسميه اليوم "الخوارزمية"، وفي الواقع، مصطلح "خوارزمية" في اللغات الأجنبية مشتق مباشرة من اسمه "الخوارزمي" (حُرف إلى Algorithm في اللاتينية) وذلك اعترافا بدوره المحوري في إدخال هذا المفهوم.

 قدم الخوارزمي مفهوم الإجراء الحسابي المنهجي لحل المسائل، حيث تكون لكل مسألة سلسلة خطوات محددة تؤدي إلى الحل، وهذا بالضبط معنى الخوارزمية في علوم الحاسوب المعاصرة، فكل برنامج ليس إلا مجموعة خوارزميات تمثل تعليمات لتنفيذ مهمة ما.

منهج الخوارزمي ظل حيا عبر القرون، وانتقلت روحه إلى علماء الرياضيات في عصر النهضة الأوروبية ثم إلى رواد علم الحاسوب في القرن العشرين الذين عمموا مفهوم الآلة الحسابية القادرة على تنفيذ خوارزميات معقدة. وبالتالي، فإن تأثير الخوارزمي يمتد من حل المعادلات الرياضية وصولا إلى تشغيل الآلات المبرمجة، وهو خط امتداد فكري مباشر يصل إلى قلب الذكاء الاصطناعي، حيث تستخدم الخوارزميات اليوم لمعالجة البيانات واتخاذ القرارات بشكل آلي يشبه التفكير البشري.


قدم الخوارزمي مفهوم الإجراء الحسابي المنهجي لحل المسائل، حيث تكون لكل مسألة سلسلة خطوات محددة تؤدي إلى الحل، وهذا بالضبط معنى الخوارزمية في علوم الحاسوب المعاصرة

وحين نجمع هذين المسارين (الخوارزمي، وبني موسى)، تتجلى أمامنا بنية الذكاء الاصطناعي، آلة قادرة على التنفيذ الذاتي، ومنطق قابل للترميز والتنفيذ. جسد ميكانيكي- ثم لاحقا إلكتروني- يحمل في داخله عقلا خوارزميا.. هنا يلتقي النحاس بالمعادلة، والصمامات بالدوال، وأنابيب الماء بأسطر الأكواد.

وهكذا، لا تبدو الصلة بين بني موسى والخوارزمي والذكاء الاصطناعي صلة شاعرية أو رابطا عاطفيا يستجدي أمجاد الماضي، بل صلة علمية حقيقية، روحها ما زالت تقبع خلف كل الثورات التكنولوجية في عالمنا اليوم.

font change