في كتابها "الجذور الحيوية للتنوير الأوروبي" (The Vital Roots of European Enlightenment) (2007) ترى المؤلفة سمر عطار أن رواية "حي بن يقظان" للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل يمكن اعتبارها من أهم الكتب التي بشرت بالثورة الصناعية في عصرنا الحديث، فأفكارها مبثوثة في كتب جون لوك ونيوتن وكانط وروسو وآخرين، حيث شاعت قيمها حول المساواة والحرية في عصر التنوير، ومهدت بذلك للثورة الفرنسية.
وُلد أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي الأندلسي في أوائل القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، في وادي آش قرب غرناطة، في بيئة فكرية خصبة تحت حكم دولة الموحدين في المغرب والأندلس. تلقى علوم الطب والفلك والفلسفة والرياضيات، وكان مقرّبا من البلاط، وشغل منصب الطبيب الخاص للخليفة أبي يعقوب يوسف، كما كان راعيا ومشجّعا للفيلسوف ابن رشد. عاش ابن طفيل في فترة بلغ فيها الفكر الفلسفي في الغرب الإسلامي أوجّه، مقابل خفوت صوته في المشرق تحت ضغط المدارس الكلامية التقليدية. لكن تميّز ابن طفيل لا يكمن فقط في ثقافته الموسوعية، بل في مشروعه الفلسفي المتفرّد، الذي جسّده في روايته الرمزية "حي بن يقظان".
تبدأ القصة بولادة "حي" في جزيرة معزولة عن البشر، ثم نشأته وتطوره في غياب أي لغة أو تربية بشرية. يتدرّج في وعيه من خلال ملاحظته للحيوانات، والنباتات، وتغيرات الطبيعة، فيبدأ باستكشاف جسده، ثم الكائنات من حوله، ثم يُجري تشريحا على الظباء النافقة لفهم سر الحياة.
تتطور قدراته العقلية تدريجيا، فينتقل من المحسوس إلى المعقول، ويبدأ بالتساؤل عن أصل الكون، ثم يصل إلى تصور واحد واجب الوجود يحكم كل ما حوله، في استنتاج أقرب إلى الفلسفة المشائية.
هذه القصة، وإن بدت بسيطة، تخفي في عمقها رؤية فلسفية محكمة، تقوم على مركزية العقل الفطري بوصفه أداة للمعرفة
وفي النهاية، يلتقي بإنسان آخر (أبسال) جاء من جزيرة مجاورة، فيبدأ حوار بين العقل الفلسفي والدين، ليخلص ابن طفيل إلى أن العقل قادر على إدراك الحقيقة المجردة.
هذه القصة، وإن بدت بسيطة، تخفي في عمقها رؤية فلسفية محكمة، تقوم على مركزية العقل الفطري بوصفه أداة للمعرفة، وكفاية التجربة الحسية في إدراك الحقائق الأخلاقية والميتافيزيقية، وإمكانية وصول الإنسان إلى الفضيلة والحكمة دون مجتمع أو مرجعية مسبقة.
هذه الفكرة- أن العقل قادر على اكتشاف الحقيقة دون سلطة دينية- كانت كفيلة بأن تثير فضول أوروبا حين ظهرت الترجمة اللاتينية في القرن السابع عشر. لقد كان الأوروبيون يومها يواجهون صراعا داخليا مريرا، من صعود العلم الحديث، ومواجهة سيطرة الكنيسة، وتحوّل العقل إلى أداة لنقد العالم لا لقبوله. فجاء ابن طفيل ليمنحهم تجربة جاهزة لما كانوا يبحثون عنه نظريا، إنسان يتعلم وحده، يبتكر منهجه، ويصل إلى الحقيقة دون وسيط. وهكذا أصبح نص "حي بن يقظان" فجأة جزءا من أسئلة الفلسفة الحديثة.
في أواخر القرن السابع عشر، ترجم المستشرق الإنجليزي إدوارد بوكوك النص إلى اللاتينية بعنوان "Philosophus Autodidactus" (أي: الفيلسوف الذي علّم نفسه)، وانتشرت الترجمة في جامعات أكسفورد وكامبريدج، حيث بدأ المفكرون البريطانيون في التفاعل معها بوصفها نموذجا فلسفيا لتكوين المعرفة خارج الكنيسة.
في "حي بن يقظان"، تبدأ المعرفة من الحواس، مرورا بالتجريب، ثم بالاستنتاج العقلي، ثم بالتأمل الميتافيزيقي. هذا التدرج يمثل صيغة مبكرة لما أصبح لاحقا يُعرف بـ"الفلسفة الطبيعية"، أي الدراسة المنهجية للطبيعة من خلال الملاحظة والتجريب. وقد سبق ابن طفيل بذلك فلاسفة مثل فرانسيس بيكون، أو يمكن القول إنه عبّد الطريق أمام نموذج العقل التجريبي الذي ستقوم عليه فلسفة جون لوك.
في الرواية، يقوم "حي" بتشريح الكائنات، ومراقبة النجوم، وتحليل الظواهر، والاستدلال منها على قوانين كلية، وهي ذات الطريقة التي سيُحتفى بها لاحقا في الفكر التجريبي الغربي.
يمكن اعتبار رواية "حي بن يقظان" بيانا أوليا للذات الحديثة، وواحدا من النصوص التي غذّت الوعي الأوروبي الجديد
هذه التقاطعات توضح أن ابن طفيل كان، دون أن يدري، يؤسس أرضية فلسفية مشتركة مع أبرز مفكري الحداثة الأوروبية. وما جمع هؤلاء الفلاسفة، رغم اختلافهم، هو إعادة تعريف الإنسان باعتباره ذاتا حرّة، عاقلة، وهي الفكرة التي ستتبلور لاحقا في مبادئ الثورة الفرنسية: (حرية، مساواة، إخاء).
وبذلك، يمكن اعتبار رواية "حي بن يقظان" بيانا أوليا للذات الحديثة، وواحدا من النصوص التي غذّت الوعي الأوروبي الجديد، وساعدته في زحزحة المفاهيم التقليدية عن الطبيعة البشرية.