تتصاعد في العالم العربي منذ سنوات خطابات التفكيك ودعايات الانقسام، وتُقدَّم كحلول جاهزة لأزمات الدولة والمجتمع. تتكاثر المشاريع الانفصالية، وتتسع خرائط التمزق، ويُعاد تسويق الانقسام بأسماء جذابة وشعارات طنانة، مرة تحت لافتة الحقوق والمساواة، وأخرى باسم العدالة التاريخية أو تصحيح الهويات، وأحيانا بدعوى التحرر من المركز والعاصمة.
وما يجري في أكثر من دولة عربية اليوم يقدّم مثالا حيا على آثار مشاريع الانفصال، ففي اليمن وسوريا والسودان، لم تُفضِ دعوات الانقسام إلى استقرار أو عدالة، بل فتحت الأبواب أمام حروب ممتدة، وتحولت الجغرافيا إلى ساحات صراع مفتوحة. ومع طول أمد النزاعات، تآكلت مؤسسات الدولة، واستُنزفت المجتمعات، وتوقفت مسارات التنمية، وغدا الخروج من الأزمة أعقد من بدايتها. فلم يعد الانقسام هنا حلا للأزمات، بل جزء من إعادة إنتاجها، حيث انتقلت الدول من أزمة سياسية قابلة للإصلاح إلى حالة إنهاك تاريخي يصعب الفكاك منها.
وسط هذا الاضطراب السياسي والفكري، يبرز ثبات الموقف السعودي المتمسك بوحدة الدول العربية، والرافض بشدة لدعوات تقسيمها مهما تنوّعت الذرائع وتعدّدت التسميات.
وحتى نفهم هذا الموقف، ينبغي أن نعود إلى الوراء قليلا، إلى لحظة التأسيس نفسها، كي تتضح لنا الصورة بشكل أعمق. فالمملكة العربية السعودية في ذاتها تمثل أعظم مشروع وحدوي في تاريخ العرب الحديث، دولة تشكّلت في بيئة شديدة التعقيد، وعلى أرض كانت الوحدة فيها عسيرة، والاستقرار فيها محدودا، ومراكز القوة فيها متفرقة.
أقام الملك المؤسس "راية التوحيد" في بيئة بالغة الصعوبة، ونجح في تأسيس دولة قادرة على جمع شتات العرب تحت راية واحدة
لقد عرفت الجزيرة العربية زمنا طويلا من التفرق والتمزق وتعدد الولاءات، وعانت قسوة الجغرافيا، وتداخل البنى القبلية والمناطقية، وغياب مركز سياسي قادر على صيانة السلم العام. وقد ترك هذا الانقسام آثاره العميقة في الأمن والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وجعل الحياة العامة عرضة لدورات متكررة من الاضطراب والعنف وعدم الاستقرار، حتى جاء المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، فأقام "راية التوحيد" في بيئة بالغة الصعوبة، ونجح في تأسيس دولة قادرة على جمع شتات العرب تحت راية واحدة، في مشروع وحدوي عظيم، ألهم الشرق والغرب، وتردد صداه في أرجاء العالم.
وقد التفت إلى فرادة هذا الحدث التاريخي الأديب والمفكر اللبناني أمين الريحاني، حين أشار إلى أنه منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب وحتى مطلع العهد السعودي، لم يسعد العرب بمن يوحّد كلمتهم تحت سيادة عربية واحدة إلا عبد العزيز بن سعود، إذ "لم يستطع الأمويون ولا العباسيون ولا الأيوبيون بسط سيادتهم على الجزيرة كلها، حتى جاء ابن سعود فأسس ملكا عربيا هو منهم وهو فيهم وهو لهم".
تدرك المملكة أن أثر الانقسام لا يتوقف عند السياسة والخرائط، بل يمتد إلى المجتمع ذاته، إذ تتآكل الثقة وتتصدع الذاكرة، وتدخل الهويات الفرعية في صراع مفتوح
كان مشروع المؤسس تحولا عميقا في مفهوم الدولة داخل الجزيرة العربية، وانتقالا من منطق الكيانات الصغيرة المتفرقة إلى منطق الكيان الجامع، ومن إدارة الاختلاف بالصدام إلى احتوائه ضمن إطار الدولة. وبفضل هذا التوحيد، عادت أرض العرب إلى واجهة التاريخ السياسي الحديث بعد صمت طويل استمر قرونا، وقدّمت برهانا عمليا، ونجاحا باهرا في بناء دولة عربية موحدة، مستقرة، مزدهرة ومتطورة في واحدة من أصعب البيئات تاريخيا.
هذه الخلفية التاريخية تفسر الموقف السعودي من مشاريع التفكيك والتقسيم، فبحكم خبرتها العميقة، تدرك المملكة أن أثر الانقسام لا يتوقف عند السياسة والخرائط، بل يمتد إلى المجتمع ذاته، إذ تتآكل الثقة وتتصدع الذاكرة، وتدخل الهويات الفرعية في صراع مفتوح.
يبدأ التفكك سياسيا، ثم يضرب النسيج الاجتماعي، فينشأ مجتمع متنازع على هويته ومصالحه وأمنه. ومن يعرف هذا الثمن لا يُغريه الرهان على خرائط جديدة، ولا يستهين بعواقب فتح أبواب يصعب إغلاقها.
إن مشاريع الانفصال تطلق صراعات ممتدة، وتفتح تمزقات أعمق، وتُدخل المجتمعات في مسار انهيار تدريجي يصعب ترميمه، فالتفكك لا يصيب الدولة وحدها، بل يضرب البنية العميقة للذاكرة الثقافية، فيُعاد تأويل الماضي ذاته على نحو متضاد متصارع، وتتشظى الروايات، وتتفكك الرموز المشتركة، ويغدو التاريخ مجالا للتنازع بدل أن يكون رصيدا للتماسك. ومع مرور الزمن، تنتقل الخلافات من المجال السياسي إلى صراع هوياتي مستمر، تتوارثه الأجيال، ويُعاد إنتاجه في الثقافة والتعليم واللغة والحياة اليومية. وفي مثل هذه الظروف، يفقد المجتمع قدرته على تخيّل مستقبل مشترك، لأن الماضي نفسه لم يعد واحدا، ولأن ذاكرة المجتمع تحولت من مجال للانتماء إلى ساحة صراع مفتوحة.
مشاريع الانفصال، مهما تنوّعت تسمياتها وتزيّنت شعاراتها، غالبا ما تترك وراءها مجتمعات أضعف وجراحا أعمق وآلاما أطول زمنا
إن الدفاع عن وحدة الدول العربية بهذا المعنى، هو دفاع عن الإنسان قبل الجغرافيا، وعن الاستقرار الاجتماعي قبل الخرائط، وعن المستقبل الذي لا يرحم المجزأ والمقسّم والهش. فمشاريع الانفصال، مهما تنوّعت تسمياتها وتزيّنت شعاراتها، غالبا ما تترك وراءها مجتمعات أضعف وجراحا أعمق وآلاما أطول زمنا.