ما جرى في أحد البرامج الحوارية الأردنية قبل أيام لم يكن مجرد نقاش تلفزيوني عابر، بل بدا كأنه لقطة مكثفة تختصر المأزق السياسي كله، ضيف يعلن نفسه ممثلا لتيار المحافظين ويرأس حزبا يحمل الاسم ذاته، ويواجهه ضيف آخر يتحدث بثقة عن مشروع ليبرالي، وبين الاثنين كان هناك شيء مرتبك ومصطنع إلى حد يثير الحزن أكثر مما يثير السخرية، فالمشهد كله بدا كأنه استعارة مترجمة عن حياة سياسية موجودة في مكان آخر، لا في بلد لا تزال أحزابه تبحث عن مجتمع سياسي حقيقي يحملها، ولا تزال تياراته أقرب إلى التسميات النظرية منها إلى التعبيرات الاجتماعية المتجذرة.
لم يكن الأمر مشكلة في استخدام مصطلحات مثل المحافظة أو الليبرالية، فهذه تيارات طبيعية في أي مجتمع حي، لكن السؤال الحقيقي كان: أين هي الأرض التي تقف عليها هذه التعريفات؟ ما هو الاقتصاد السياسي الذي يصنع محافظين وليبراليين فعلا؟ أين النقابات القوية، والجامعات المنتجة للسياسة، والصحف المؤثرة، والطبقات الاجتماعية التي تخلق مصالح متناقضة تنتج هذه التيارات بصورة طبيعية؟ وما الذي يجعل المشهد أكثر قسوة أن ذلك كله يجري بينما التحديث السياسي الذي قُدِّم للأردنيين باعتباره نقطة تحول تاريخية، انتهى عمليا إلى حياة حزبية هشة حد التفتت، وإلى برلمان لا يزال عاجزا عن إقناع الناس بأن السياسة يمكن أن تكون أداة تأثير حقيقية لا مجرد إدارة شكلية للمشهد.
وفي الخلفية، يواصل الإعلام المحلي انحداره الطويل، ليس بسبب نقص الحرية وحده كما يحب البعض أن يختصر المشكلة، بل بسبب انهيار مهني حقيقي أيضا، فجزء واسع من الإعلام الأردني لم يعد معنيا بصناعة نقاش عام أو إنتاج معنى أو حتى حماية اللغة من التدهور، بل صار يطارد منطق المنصات الاجتماعية نفسها، العنوان الصادم، والترند السريع، والسبق التافه، والقصص التي تُنتَج لتنال أكبر قدر من النقرات، حتى لو كانت بلا قيمة، أو حتى بلا معلومة أحيانا.
ثقل الملفات الاقتصادية وتعقيداتها سحب الحكومة عميقا نحو الإدارة التنفيذية اليومية، إلى درجة بدا معها الملف الإعلامي وكأنه تراجع إلى مرتبة ثانوية، رغم أنه لم يعد ترفا ولا ملفا جانبيا يمكن تأجيله
وفي هذا المناخ تحديدا، تتحول تسريبات التعديل الحكومي إلى ما يشبه موسما سياسيا قائما بذاته، تبدأ بورصة الأسماء قبل وجود أي قرار، وتدخل مواقع إلكترونية في لعبة ترويج غير مفهومة المصدر، فيما يدفع بعض الطامحين بأسمائهم إلى التداول أملا في لفت الانتباه أو خلق انطباع بأنهم داخل دائرة الاحتمال، وكأن السياسة لم تعد إدارة للشأن العام، بل سباق حضور شخصي، أو حملة علاقات عامة مفتوحة، أو اختبار شعبية داخل فضاء إلكتروني مرتبك.
وبعيدا عن هذا الضجيج الموسمي، فإن الانطباع الذي خرجتُ به من حديث مباشر مع رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الأسبوع الماضي، أن الرجل لا يتعامل مع فكرة التعديل بوصفها ضرورة ملحة أو استحقاقا عاجلا، بقدر ما ينظر إليها ضمن منطق تقييم الأداء وقياس القدرة على الإنجاز داخل فريقه الوزاري، وهي مقاربة تبدو مفهومة في ظل الحجم الهائل من الملفات الاقتصادية الثقيلة التي تغرق الحكومة يوميا، من المياه والطاقة والاستثمار والنقل والإدارة المالية، وصولا إلى مشاريع كبرى يعاد بناء جزء مهم من الاقتصاد الأردني حولها.
لكن المشكلة- ربما- تكمن هنا تحديدا، فثقل الملفات الاقتصادية وتعقيداتها سحب الحكومة عميقا نحو الإدارة التنفيذية اليومية، إلى درجة بدا معها الملف الإعلامي وكأنه تراجع إلى مرتبة ثانوية، رغم أنه لم يعد ترفا ولا ملفا جانبيا يمكن تأجيله، لأن الحديث هنا لا يتعلق بإعلام حكومة يدافع عن قراراتها أو يروج لها، بل بإعلام دولة قادر على إنتاج معنى عام، وحماية النقاش الوطني من الانحدار، وخلق حد أدنى من الثقة بين المجتمع ومؤسساته في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
ومن الطبيعي أن يخضع أي تعديل حكومي، إن حدث، لمعايير تقييم منهجية كما يريد الرئيس نفسه، لكن جزءا من هذا التقييم يجب أن يتجاوز استعراض العضلات عبر الأرقام والتقارير الفنية فقط والتي يحملها بعض الوزراء كحجة دفاع أمام الرئيس "والسوشيال ميديا"، ليصل أيضا إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمدى قرب بعض أعضاء الفريق الحكومي من الواقع الاجتماعي الحقيقي، لا القرب فقط من التقارير ولا من دوائر النخب المغلقة لغايات تقديم أوراق اعتماد دوام المناصب، وكذلك دون الانزلاق الحكومي في الوقت نفسه إلى الشعبوية التي ستكون وصفة مدمرة لأي حكومة تحاول العمل بعقلانية داخل ظرف اقتصادي وسياسي شديد التعقيد.
وربما لهذا السبب بالذات، يحتاج الرئيس اليوم إلى استعادة تلك الصورة التي رافقته في بداية تشكيل الحكومة، حين جرى تقديمه بوصفه رجلا لا يحب ولا يكره، بل يدير بعقل بارد ومسافة واحدة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي فريق سياسي يعمل تحت الضغط، أن ينزلق تدريجيا إلى متاهات التصنيف الشخصي والحسابات الضيقة وردود الفعل، بدل المحافظة على تلك البرودة المهنية التي منحت انطلاقته الأولى قدرا واضحا من الثقة والهدوء.
السرديات الوطنية لا تُصنع عبر الوسوم، ولا عبر الفيديوهات القصيرة، ولا عبر اللغة الإنشائية، بل تُبنى حين يشعر الناس أن هناك اتجاها واضحا للدولة، وعدالة ممكنة، وعقدا معنويا حقيقيا بينهم وبين مؤسساتها
والأخطر أن هذا كله يحدث بينما المنطقة من حول الأردن تدخل واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا منذ عقود، فيما تعيد القوى الكبرى رسم خرائط النفوذ والاقتصاد والطاقة والممرات في الشرق الأوسط بطريقة عنيفة أحيانا وباردة أحيانا أخرى، ومع ذلك يبدو المجال العام الأردني في كثير من اللحظات كأنه منفصل عن ثقل هذه اللحظة التاريخية، أو كأنه يعيش داخل فقاعة محلية صغيرة تدور حول الأشخاص والتسريبات والظهور الإعلامي والاشتباكات الافتراضية.
وهنا تحديدا تظهر المشكلة الأعمق، وهي أن الأردن، رغم كل محاولات التحديث، لا يزال عاجزا عن إنتاج سردية سياسية حديثة ومقنعة للدولة بمعناها الحقيقي، لا كشعارات، ولا كحملات تواصل، ولا كمواد دعائية أنيقة، بل كفكرة متماسكة يفهم المواطن من خلالها لماذا توجد هذه الدولة، وما الذي يجمع الناس داخلها، وما هو شكل المستقبل الذي يُطلب منهم الإيمان به والدفاع عنه.
صحيح أن هناك جهدا يبذل لصناعة هذه السردية، لكن جزءا كبيرا منه يبدو أقرب إلى مهمة وظيفية تنفذها مؤسسات وأشخاص، لا إلى عملية عميقة تعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والسياسة والمعنى الوطني، لأن السرديات الوطنية لا تُصنع عبر الوسوم، ولا عبر الفيديوهات القصيرة، ولا عبر اللغة الإنشائية، بل تُبنى حين يشعر الناس أن هناك اتجاها واضحا للدولة، وعدالة ممكنة، وعقدا معنويا حقيقيا بينهم وبين مؤسساتها.
الأردن تاريخيا لم يكن دولة فائضة بالموارد، لكنه كان يملك دائما شيئا آخر أكثر أهمية، كان يملك قدرة على إنتاج المعنى السياسي، فكرة الدولة العاقلة التي تعرف كيف تعبر العواصف، وتبقى متماسكة وسط إقليم ينهار باستمرار، لكن القلق اليوم ليس على وجود الدولة نفسها، بل على اتساع المسافة بين صلابة الدولة كجهاز، وهشاشة المجال العام الذي يفترض أن يحمل فكرتها ويقنع الناس بها، فالدول لا تسقط فقط حين تنهار مؤسساتها، بل قد تضعف أيضا حين تفقد قدرتها على رواية قصتها لنفسها ولأبنائها.