عمدة نيويورك يعترف بالنكبة… فهل يتعلّم الإسرائيليون الدرس؟

قد يسهم في تعزيز مسارات تغيير إيجابي داخل الولايات المتحدة وخارجها

أ ف ب
أ ف ب
شارك يهود متشددون من منظمة "ناتوري كارتا" المناهضة للصهيونية في احتجاجٍ في مدينة نيويورك بمناسبة ذكرى النكبة في 15 مايو 2026

عمدة نيويورك يعترف بالنكبة… فهل يتعلّم الإسرائيليون الدرس؟

يوافق اليوم ذكرى النكبة، وهي مناسبة سنوية يحيي فيها الفلسطينيون ذكرى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني بين عامي 1947 و1949، خلال قيام دولة إسرائيل وما تلاه."

يوم الجمعة الماضي، نشر عمدة نيويورك زهران ممداني هذا البيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في ما قد يكون واحدا من أكثر المنشورات انتشارا حول النكبة صادرا عن سياسي أميركي. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، شكّل ذلك متنفسا نادرا، إذ حظيت معاناتهم باهتمام واسع يغيب غالبا عن المشهد السياسي الأميركي.

وبمنشور واحد، انتقلت النكبة من مجرد هتاف في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، إلى مصطلح متداول داخل البيوت الأميركية. كما أتاح نشر شهادة أحد الناجين التعبير علنا عن حزن ظل مكبوتا لسنوات طويلة.

ولم يكن مستغربا أن تسارع جماعات يهودية، وأخرى مؤيدة لإسرائيل إلى انتقاد ممداني، متهمةً إياه بتقديم رواية أحادية الجانب. غير أن هذه الجماعات يجدر بها أن تتذكر أن عمدة نيويورك نفسه أثار غضب أميركيين من أصول تركية قبل أقل من شهر، عندما أحيا الذكرى الـ111 للإبادة الجماعية للأرمن.

فقد استذكر في منشور له "مليونا ونصف المليون أرمني قتلوا على يد الإمبراطورية العثمانية"، كما انتقد تركيا وأذربيجان بسبب "مواصلة الحملة الإبادية التي بدأت قبل أكثر من مئة عام" عبر الهجمات على الأرمن في ناغورنو كاراباخ.

وتشير هذه المواقف مجتمعة، إلى أن ممداني مدفوع برغبة صادقة في منح المجتمعات المضطهدة وتواريخها المهمّشة مساحة للاعتراف. لكن، وفي المناخ الاستقطابي الذي أعقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، باتت معظم النقاشات المتعلقة بإسرائيل وفلسطين تُطرح بوصفها معادلة إما/أو، بما يحوّل الصراع إلى مواجهة أخلاقية يعتبر فيها مكسب طرف خسارة للآخر. ومع ذلك، يغفل هذا التصور حقيقة أن تصريحات ممداني ربما وجدت صدى لدى عدد متزايد من الإسرائيليين، الذين يرون في الاعتراف بالنكبة خطوة ضرورية نحو المصالحة. وبصفتي إسرائيليا، تعرّفت إلى مفهوم النكبة للمرة الأولى خلال دراستي في جامعة حيفا مطلع التسعينات، حين كان باحثون إسرائيليون، عرفوا باسم "المؤرخين الجدد"، يجرون أبحاثا رائدة.

وثّق المؤرخ بيني موريس تدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية، بينما تناول إيلان بابيه النكبة في أعماله، وسعى باحثون فلسطينيون وإسرائيليون آخرون إلى التوفيق بين سردياتهم التاريخية

وقد وثّق المؤرخ بيني موريس تدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية، بينما تناول إيلان بابيه النكبة في أعماله، وسعى باحثون فلسطينيون وإسرائيليون آخرون إلى التوفيق بين سردياتهم التاريخية. وفي ذلك الوقت، كانت النكبة تُناقش علنا حتى على شاشات التلفزيون الإسرائيلي، حيث جرى التشكيك في الروايات القومية السائدة.

لكن أحدا لم يكن يتوقع فشل عملية السلام، والجدران التي فصلت بين اليهود والفلسطينيين، والانتفاضة الثانية، ثم عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة بعد عام 2009، وما أعقب ذلك من ترسيخ لإنكار النكبة لأكثر من خمسة عشر عاما، على غرار الإنكار التركي الطويل للإبادة الجماعية للأرمن.

أ ف ب
يلقي عمدة مدينة نيويورك، زهران مامداني، خطابه بمناسبة مرور 100 يوم على توليه منصبه في ماسبيث، نيويورك، في 12 أبريل 2026

ونتيجة لذلك، قوبلت محاولات الاعتراف بالنكبة برفض متزايد، في مثال واضح على السرعة التي يمكن أن تتراجع بها المكاسب التاريخية. والأكثر إثارة للإحباط أن خطاب اليمين المتطرف، القائم على إنكار كون الفلسطينيين شعبا، اكتسب زخما خلال العقد الأخير.

وفي عهد نتنياهو، تحولت إسرائيل بسرعة من مجتمع أكثر انفتاحا إلى واقع تحكمه قوانين مثل "قانون النكبة" وتشريعات "الدولة القومية". وأدى هذا التحول إلى تصوير منظمات مثل "زوخروت"، التي توثق النكبة، و"بتسيلم"، المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، بوصفها جهات خائنة.

ومع انتقال إسرائيل نحو حكومة تسعى إلى الحد من المعارضة العامة، باتت آثار سياسات نتنياهو أكثر وضوحا. كما سارت القنوات التلفزيونية في الاتجاه نفسه، وتسارعت وتيرة إقصاء الأصوات اليسارية. وإذا كان انتزاع العلم الفلسطيني من أيدي المتظاهرين يجري بلا أساس قانوني، فما الذي يمكن أن يأتي بعد ذلك؟

شهد المجتمع المدني الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، دعما متزايدا لجهود المصالحة. ففي منظمات مثل "مقاتلون من أجل السلام"، يجتمع إسرائيليون وفلسطينيون، فقدوا أقارب لهم في الصراع بهدف تعزيز التضامن والسلام

ورغم الضغوط الحكومية، شهد المجتمع المدني الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، دعما متزايدا لجهود المصالحة. ففي منظمات مثل "مقاتلون من أجل السلام"، يجتمع إسرائيليون وفلسطينيون، فقدوا أقارب لهم في الصراع بهدف تعزيز التضامن والسلام.

وبدلا من اقتصار الإسرائيليين على إحياء ذكرى جنودهم في يوم الذكرى، يحيي بعضهم هذه المناسبة بشكل مشترك مع فلسطينيين فقدوا أبناءهم. كما تُقام منذ أكثر من سبع سنوات مراسم مشتركة لإحياء ذكرى النكبة، يديرها فلسطينيون في الضفة الغربية.

وتجمع مبادرة "متحدون" فلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويهودا إسرائيليين من خلال الاحتجاجات، تعبيرا عن رفضهم أن يكونوا أعداء.

ولا تكتفي المبادرة بتنظيم الاحتجاجات، بل ترسل أيضا فرقا إلى الضفة الغربية بوصفها "قوة حماية" للمساعدة في الحد من عنف المستوطنين. وخلال "يوم القدس"، يرتدي أعضاؤها سترات أرجوانية للمساهمة في خفض التوتر، والتصدي للاعتداءات على الفلسطينيين في القدس، عبر التدخل الجسدي المباشر لخفض التصعيد بينما تراقب الشرطة الإسرائيلية كل ذلك.

وكما ظهر خلال احتفالات "يوم القدس" الأسبوع الماضي، فإن أعداد المشاركين في هذه المبادرة تتزايد باستمرار.

وتشهد هذه الجماعات نموا ملحوظا، ورغم تجاهل الإعلام الإسرائيلي لها إلى حد كبير، فإن رسائل التضامن التي ترفعها تصل إلى مئات الآلاف داخل إسرائيل. ويقر هؤلاء الإسرائيليون بالنكبة، بوصفها حدثا تاريخيا، من دون أن يحملوا أنفسهم وحدهم مسؤولية صراع ممتد منذ أكثر من قرن شهد مذابح من الجانبين.

ومع ذلك، فإن النكبة، بوصفها تهجيرا جماعيا للفلسطينيين، وتجريدا لهم من أراضيهم، جاءت نتيجة مباشرة لقيام الدولة اليهودية.

بما أن النكبة تكاد تكون غائبة عن الخطاب العام في إسرائيل، فإن ممداني محق في الاعتراف بها علنا

وبما أن النكبة تكاد تكون غائبة عن الخطاب العام في إسرائيل، فإن ممداني محق في الاعتراف بها علنا. لكن إذا كان يسعى فعلا إلى إحداث تغيير، فعليه أيضا أن يسلط الضوء على الحركات التقدمية داخل إسرائيل، لأن هذه الأصوات تحتاج إلى أن تُسمع أكثر من أي وقت مضى.

 أ ف ب
يحمل أحد المتظاهرين العلم الفلسطيني بينما يتجمع الناس بالقرب من مبنى الكابيتول الأميركي للمشاركة في جولة دراجات تضامنية مع النكبة من ميدان دوبونت إلى مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة، في 16 مايو 2026

وصحيح أنه اتخذ خطوة في هذا الاتجاه حين شارك، بصفته مرشحا لمنصب عمدة نيويورك، في وقفة سلام إسرائيلية يوم السابع من أكتوبر، إلا أن توفير مساحة مفتوحة للحوار، قد يكون مؤشرا أوضح على مدى صدقه في بناء علاقات أكثر استقرارا في نيويورك، يمكن أن ينعكس أثرها على إسرائيل وفلسطين.

وأخيرا، وبصفته عمدة نيويورك، يجب على ممداني أن يبقى ثابتا في مواجهة معاداة السامية، خصوصا عبر ضمان عدم تحول الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين إلى أعمال ترهيب، كما حدث في بعض الوقائع التي شهدتها بروكلين الأسبوع الماضي. وينبغي لنيويورك أن لا تتحول إلى نسخة أخرى من لندن، حيث واجهت الجاليات اليهودية مستويات متزايدة من الخوف وانعدام الأمان بسبب بعض الهجمات. وإذا تعامل ممداني مع هذه التحديات بحكمة، فقد لا يقتصر أثر ذلك على تحسين أوضاع المدينة، بل قد يسهم أيضا في تعزيز مسارات تغيير إيجابي داخل الولايات المتحدة وخارجها.

font change

مقالات ذات صلة