الرأي العام الأميركي يُعيد رسم حدود الدعم لإسرائيل

تراجع "الاستثناء" لإسرائيل

أ ف ب
أ ف ب
رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يسلم رسالة الى الرئيس الاميركي دونالد ترمب اثناء اجتماعهما في البيت الابيض في 7 يوليو

الرأي العام الأميركي يُعيد رسم حدود الدعم لإسرائيل

تزداد بشكل مضطرد حدة انعطاف الرأي العام الأميركي سلبيا إزاء إسرائيل التي ظلت لعقود من الزمن تحظى بمكانة خاصة عند الأميركيين شعبا وإدارة وتعتمد في جانب كبير من وجودها وأمنها على الدعم الأميركي.

يتجلى هذا التحول في استطلاعات الرأي التي كان أبرزها مسح أجراه "معهد بيو للأبحاث" كشف فيه أن أكثر من 60 في المئة من الأميركيين باتوا يمقتون السياسات الإسرائيلية ويتساءلون عن جدوى وأسباب الدعم اللامحدود الذي تحظى به إسرائيل، وهو ما يهدد بفقدان الإسرائيليين لواحدة من أهم دعائمهم الاستراتيجية.

ويجتاح هذا الانقلاب الحاد بشكل خاص أجيال الشباب الصاعدة في الولايات المتحدة، على الرغم من الحملة الدعائية المحمومة التي أطلقتها إسرائيل لمجابهة هذا التيار. كما يشتد الاستياء الشعبي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي بلغت شعبيته مستوى متدنيا لم يبلغه زعيم إسرائيلي بين الأميركيين من قبل.

ويشير استطلاع أجراه "معهد بيو للأبحاث" إلى أن 60 في المئة من الأميركيين باتوا لا يحبون إسرائيل، ارتفاعا من 53 في المئة عام 2025، فيما فقد ما يقرب من 60 في المئة الثقة في نتنياهو، مقارنة بنحو 52 في المئة العام الماضي.

كما يشتد عدم الرضا عن إسرائيل بين الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون للحزب الديمقراطي ليصل إلى 80 في المئة، ارتفاعا من 69 في المئة العام الماضي و53 في المئة عام 2022.

في المقابل ازداد عدم الرضا عن إسرائيل بين الناخبين الجمهوريين، خاصة الأجيال الشابة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 49 عاما، إلى 57 في المئة مقارنة بنحو 50 في المئة العام الماضي. لكن يظل زهاء 50 في المئة من الجمهوريين ممن تزيد أعمارهم عن 50 عاما محابين لإسرائيل.

وتكاد طائفتا البروتستانت الإنجيليين واليهود الأميركيين تكونا هما الوحيدتان اللتان تصران على انحيازهما لإسرائيل بنسبة 64 في المئة و65 في المئة على الترتيب.

ولا تتجاوز نسبة الرضا عن إسرائيل بين البيض من غير المسيحيين الإنجيليين 39 في المئة وبين الكاثوليك 35 في المئة وبين السود البروتستانت 33 في المئة فيما تتدنى بين اللادينيين إلى 22 في المئة والمسلمين الأميركيين إلى 4 في المئة.

ارتفعت معدلات انعدام الثقة في تعامل نتنياهو مع الشؤون العالمية من 40 في المئة عام 2023 إلى 60 في المئة هذا العام، وتزداد هذه النسبة بين الديمقراطيين إلى 76 في المئة


وارتفعت معدلات انعدام الثقة في تعامل نتنياهو مع الشؤون العالمية من 40 في المئة عام 2023 إلى 60 في المئة هذا العام، وتزداد هذه النسبة بين الديمقراطيين إلى 76 في المئة. إلا أن الجمهوريين ينقسمون فيما بينهم فيما يتعلق بتقييم نتنياهو حيث إن 45 في المئة منهم لديهم ثقة في رئيس الوزراء الإسرائيلي مقابل 44 في المئة ليس لديهم أي ثقة فيه على الإطلاق.

وعلى صعيد الدين، يقول 52 في المئة من البروتستانت الإنجيليين البيض إن لديهم ثقة في تعامل نتنياهو مع الشؤون العالمية بينما تبدي كافة الأديان الأخرى آراءً سلبية فيه، من بينهم 56 في المئة من اليهود الأميركيين و91 في المئة من المسلمين.  

ويمتد انعدام الثقة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بقراراته الخاصة بالعلاقة مع إسرائيل إلى 55 في المئة من الأميركيين. لكن يؤمن 73 في المئة من الجمهوريين و16 في المئة من الديمقراطيين بقدرة ترمب على اتخاذ قرارات جيدة تخص العلاقات مع إسرائيل. إلا أن الثقة في قدرة ترمب تنحسر بين الأجيال الشابة من الجمهوريين لتصل إلى 30 في المئة.

ووفقا للاستطلاع، يشكل الصراع بين إسرائيل و"حماس" أهمية خاصة لنحو 53 في المئة من الأميركيين، سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين، لكن هذه الأهمية تزداد بالنسبة لليهود الأميركيين إلى 91 في المئة، وتضارع 70 في المئة عند المسلمين الأميركيين و65 في المئة لدى البروتستانت الإنجيليين.

ويتسع البون على صعيد التيارات الفكرية في الولايات المتحدة إذ يتبنى 74 في المئة من الليبراليين آراء سلبية عن إسرائيل مقابل 30 في المئة من المحافظين. وعلى مستوى الدول، كشف استطلاع آخر لـ"معهد بيو" أن 20 من بين 24 بلدا استطلعت آراؤهم ليس لديهم أي ثقة في نتنياهو، لاسيما في أستراليا وفرنسا وألمانيا واليونان وإندونيسيا واليابان وإيطاليا وهولندا وأسبانيا والسويد وتركيا. 

غيتي- أ ف ب
تجمع لمتظاهرين مناوئين للحرب قرب البيت الأبيض احتجاجا على الحرب في إيران 7 أبريل 2026

ويدرك 58 في المئة من الإسرائيلييين أن بلدهم لا يحظى بالاحترام عالميا نتيجة المشاهد المتداولة عن الحرب في غزة،  وما يصفونه بتوريط إسرائيل الرئيس ترمب في حرب إيران، والرسائل التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي وحوارات العدالة العرقية في الداخل وعدم الانسجام مع حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل.

وقد بلغ الكثير من الطامحين للترشح في انتخابات التجديد النصفي من الجرأة أن طرح بعضهم سؤالا كان بالأمس القريب من المحرمات: هل يجب أن توقف الولايات المتحدة بيع السلاح لإسرائيل؟ وكشف استطلاع أن ثلاثة أرباع الديمقراطيين ونحو 50 في المئة من الجمهوريين باتوا يعتقدون أن دعم إسرائيل أصبح يمثل مشكلة في الحزبين. وبدأ البعض يؤسس حملته الانتخابية على أساس إنهاء المساعدات لإسرائيل والنأي بنفسه عن اللوبيات الصهيونية، خاصة "آيباك".

ومع غضبهم من الحرب في غزة، يستخدم الديمقراطيون الدور الإسرائيلي في الحرب على إيران مدخلا لمهاجمة الرئيس ترمب والجمهوريين. ومنذ أسابيع قليلة تقدم 40 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ بمشروع قرار لحظر بيع السلاح لإسرائيل، ارتفاعا من 27 عضوا تقدموا بنفس الطلب في يوليو/تموز من العام الماضي. بيد أن تصويت الكتلة الجمهورية كلها ضد المشروع حال دون تمريره.        

وقد أصبحت علاقة مرشحي الكونغرس مع جماعات الضغط الموالية لإسرائيل عبئا سياسيا، كما حدث في ميشيغن التي يعد الفوز فيها ضروريا للديمقراطيين لاسترداد أغلبية مجلس النواب التي يتبارى من أجلها مرشحو الحزب في انتقاد إسرائيل ومعايرة منافسيهم بتلقي أموال من "آيباك". 

بلغ الكثير من الطامحين للترشح في انتخابات التجديد النصفي من الجرأة أن طرح بعضهم سؤالا كان بالأمس القريب من المحرمات: هل يجب أن توقف الولايات المتحدة بيع السلاح لإسرائيل؟


استياء من "ماغا"

وعلى الجانب الجمهوري، يواجه ترمب استياءً شديدا من قاعدته الانتخابية المسماة "ماغا" بسبب الحرب على إيران التي يرون أنها تشكل خروجا عن وعده "بوضع أميركا أولا". وثمة محاولات من ترمب لتهميش أصوات المحافظين المناوئين لإسرائيل من أمثال الإعلامي تاكر كارلسون، ورئيس مركز مكافحة الإرهاب جو كينت الذي استقال احتجاجا على شن الحرب على إيران بضغوط من إسرائيل ولوبياتها، والنائبة الجمهورية المستقيلة مارجوري تيلور غرين، ونائب كنتاكي الجمهوري توماس ميسي. بل إن بعض المرشحين الطامحين في الحزب الجمهوري، من أمثال جيمس فيشباك الذي ينافس بايرون دونالدز، النائب الجمهوري المدعوم من ترمب على منصب حاكم فلوريدا، يخوض حملته على برنامج معاد لإسرائيل يطالب بعدم خوض حروب نيابة عنها.

لكن يظل الأعضاء الموالون لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي يزعمون أن قضايا الشرق الأوسط لا تمثل أولوية للناخب الأميركي ومن ثم لا ينبغي للحزب أن يشيح وجهه عن الداعمين لإسرائيل. أما التقدميون الليبراليون فيدفعون بأن قضايا الشرق الأوسط تتجاوز الناشطين المؤيدين لفلسطين إذ تساعد المرشحين على ترسيخ صورتهم كمعارضين مستقلين عن المؤسسات التقليدية ولديهم من الشجاعة ما يكفي للتصدي لأصحاب المصالح. وأمام هذه الموجة الجارفة من التمرد على المحرمات السياسية، اضطر بعض المرشحين لتغيير موقفه.

فقد أقرت مالوري ماكمورو، عضو مجلس شيوخ ولاية ميشيغن والمرشحة لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي بأن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية، بعد أن اعتادت قبول المشاركة في مؤتمرات ورحلات تنظمها وتمولها "آيباك" وظلت تحجم عن هذا الوصف إلى أن غيرت رأيها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بل وصرحت بأن نتنياهو جر الرئيس ترمب إلى شن حرب على إيران "دون أي مبرر".

رويترز
جو كينت، يلقي خطابا خلال تجمع لدعم المتهمين في هجوم 6 يناير على مبنى الكابيتول، في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 18 سبتمبر 2021

وتتوالى الشواهد على تحول السباق الانتخابي بين الديمقراطيين إلى استفتاء على إسرائيل في مختلف انحاء البلاد. فمن سان فرانسيسكو حيث  يتنافس ثلاثة مرشحين على شغل مقعد رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، إلى بنسلفانيا حيث حصل النائب كريس راب على دعم الديمقراطيين التقدميين بفضل ما اتخذه من مواقف شديدة وحاسمة ضد السياسات الإسرائيلية، وصف المتسابقون ما حدث في غزة بأنه إبادة جماعية. وأوضح النائب راب في بيان له أن الديمقراطيين خسروا في انتخابات 2024 لأنهم لم ينصتوا إلى قواعدهم الشعبية، مؤكدا أن الناخب يحتاج إلى زعامة جريئة تفضح الظلم وتناضل من أجل وقف الحروب غير العادلة. 

وتمول جماعات الضغط اليهودية حملات مضادة للمعارضين لإسرائيل إلا أن الكثير منها بدأ يفقد فعاليته مثلما حدث في الانتخابات الخاصة التي جرت في نيوجيرسي لشغل المقعد الذي خلا بتولي صاحبته الديمقراطية ميكي شيريل منصب حاكم الولاية حيث فازت به أناليليا ميخايا التي كانت من أشد المنتقدين لإسرائيل.

تشكيك في الولاء

أما في الجانب الجمهوري، فيواجه المرشحون في الانتخابات التمهيدية معضلة أكبر، ومنهم مرشحو ولاية أوهايو جيمس فيشباك واليوتيوبر كاسي بوتش الذي خسر السباق على الترشح لمنصب حاكم الولاية أمام الملياردير فيفيك راماسماوي، شريك إيلون ماسك. ويتفق جميعهم على انتقاد إسرائيل. وهاجم مارك لينش، المرشح الجمهوري لانتزاع مقعد سيناتور ساوث كارولينا ليندسي غراهام في مجلس الشيوخ، غريمه المدعوم من الرئيس ترمب لولائه لإسرائيل "وليس للولايات المتحدة".

وقد أنكر الرئيس ترمب خضوعه لأي تأثير من نتنياهو في الذهاب إلى الحرب مع إيران ووصف كل من انشقوا عنه بسبب ذلك بالفشلة. وأعرب تاكر كارلسون عن أسفه لدعمه لترمب خلال انتخابات 2024 وطالب "باستقلال الولايات المتحدة عن إسرائيل".

وقالت النائبة السابقة مارجوري تيلور غرين في مقابلة مع تاكر كارلسون إنها خرجت من الكونغرس لأنها لم تذعن لـ"آيباك" الذين قالت إنهم "حرفيا يسيطرون على واشنطن تماما"، مشيرة إلى مطالبتها العام الماضي بوقف الدعم الأميركي لإسرائيل.

وبعد مغادرة مارجوري للكونغرس، أصبح النائب ماسي هو رأس الحربة في الهجوم على إسرائيل بالمعسكر الجمهوري، معلنا أن إسرائيل ليست حليفا للولايات المتحدة. وأثار ذلك حفيظة كبار المانحين للحزب الجمهوري، وفي مقدمتهم "آيباك" والتحالف الجمهوري اليهودي والمليارديرة اليهودية ميريام أندلسن الذين تكاتفوا من أجل إسقاطه في الانتخابات التمهيدية المقرر إجراؤها في 19 مايو/أيار الجاري.

في مواجهة الحملة الشرسة التي يواجهها السيناتور غراهام على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الأخير يخفف من مواقفه الداعمة لإسرائيل وإبداء الاستعداد لإعادة النظر في التحالف مع إسرائيل


وفي مواجهة الحملة الشرسة التي يواجهها السيناتور غراهام على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الأخير يخفف من مواقفه الداعمة لإسرائيل وإبداء الاستعداد لإعادة النظر في التحالف معها. فاقترح في يناير/كانون الثاني الماضي إنهاء المساعدات الأميركية لإسرائيل بشكل أسرع من مدة العشر سنوات التي يطالب بها نتنياهو. وكان راماسماوي هو الجمهوري الوحيد الذي دعا إلى إنهاء المساعدات لإسرائيل في حملته الرئاسية عام 2024. وأشار راماسماوي في تصريحات مؤخرا إلى أن الكثير ممن عارضوا مواقفه من قبل أصبحوا الآن يتفقون معه. 

وتحاول الحكومة الإسرائيلية تدارك هذه الموجة بإطلاق حملات دعائية مضادة حيث أقر الكنيست ضمن ميزانية 2026 نحو 730 مليون دولار لتمويل ما أسماه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الحرب العالمية لكسب العقول والقلوب، وهو ما يزيد عن ميزانيتها الدعائية العام الماضي بخمسة أضعاف. واعتبر سار أن هذه الحرب لا تقل أهمية عن تمويل إنتاج المقاتلات والقنابل وأجهزة اعتراض الصواريخ. كما أنشأت وزارة الخارجية وحدة لإدارة الدبلوماسية العامة. وتم تخصيص 50 مليون دولار من هذه الميزانية لتمويل مواد دعائية لإسرائيل على منصات "غوغل" و"يوتيوب" و"إكس" و"آوتبرين"، و40 مليون دولار لاستضافة وفود من الخارج من مشرعين ورجال دين ومؤثرين ورؤساء جامعات.

وفي صفقة قدرت بنحو 14 مليار دولار، استحوذ كونسورتيوم من المليارديرات المانحين والداعمين لإسرائيل على 80 في المئة من أسهم منصة "تيك توك" التي كانت إسرائيل تعتبرها منحازة بشدة للفلسطينيين ليضاف إلى المنافذ الدعائية التي يصبو إليها الإسرائيليون للتأثير على جمهور يبلغ 1.5 مليار شخص من خلال نافذة يحصل منها 30 في المئة من الأميركيين على الأخبار.

ويضاف إلى ذلك شبكة "فوكس نيوز" التي يمتلكها الملياردير روبرت مردوخ الذي سبق وأن صرح بأن إسرائيل تقف وحدها في الجبهة الأمامية من الدفاع عن الحضارة الغربية الديمقراطية.

ولايعرف بعد ما إذا كانت إسرائيل قادرة من خلال هذه الترسانة الإعلامية والدعائية على إصلاح ما أفسدته حربها على غزة واتهامها بتوريط الولايات المتحدة في الحرب على إيران.

font change