الدستور اللبناني في مئويته الأولى... وسلطة تنفيذية عاجزة عن الحكم

ما الجدوى من هذا الدستور؟

المجلة
المجلة

الدستور اللبناني في مئويته الأولى... وسلطة تنفيذية عاجزة عن الحكم

في 23 مايو/أيار 2026 يكون الدستور اللبناني الذي وضع الأسس للنظام الجمهوري البرلماني قد بلغ مئة سنة من عمره، ما يجعله من أقدم الدساتير التي لا تزال نافذةً في العالم. ولا شك أن هذا العمر المديد لا يجب أن يخدعنا، كون الدستور تعرض لتعديلات كثيرة، أهمها تلك التي حصلت خلال الانتداب الفرنسي سنة 1927 و1929، والتعديل الشهير سنة 1943، الذي أرسى قواعد لبنان المستقل.

لكن أبرز تطور شهده نص الدستور كان سنة 1990 عندما أقر مجلس النواب التعديلات التي أدخلتها "وثيقة الوفاق الوطني"، أي "اتفاق الطائف"، في متن الدستور، والتي أدت وفقا لما يردده الجميع إلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، ونقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء (المادة 17).

وقد اعتبر بعضهم أن الخلل في عمل السلطات العامة الذي تفاقم بعد 2005، والأزمات المتكررة، والشلل الذي أصاب المؤسسات الدستورية، كان نتيجة تراجع دور رئيس الجمهورية؛ ما جعل المطالبة بتعزيز دور هذا الأخير من الموضوعات الإشكالية، التي أصبحت تظهر إلى العلن بشكل دائم.

والحقيقة أن هذه المقاربة تفتقر إلى الدقة؛ لأنها تنظر إلى رئيس الجمهورية بمفرده، لا بل هي تضعه في تضاد مع مجلس الوزراء، بحيث تتم المقارنة مثلا بين صلاحياته وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء من جهة، وصلاحيات الحكومة من جهة ثانية. فهذه المقارنة تمنع من تحديد السبب الفعلي للأزمات الدستورية التي عرفها لبنان في السنوات الأخيرة، والتي تكمن ليس في الحد من دور رئيس الجمهورية، ولكن في إضعاف السلطة التنفيذية ككل. فجوهر "اتفاق الطائف" على الصعيد الدستوري لم يكن تقليص صلاحيات رئاسة الجمهورية، ولكن تكبيل السلطة التنفيذية برمتها، ما أدى في نهاية المطاف إلى منعها من الحكم، وأفقدها القدرة على تحديد السياسة العامة للدولة.

أدت تعديلات سنة 1990 إلى إفقاد السلطة التنفيذية تقريبا كل أدواتها التي كانت تسمح لها بالتأثير على مجلس النواب، من أجل تحقيق أهدافها في شتى الميادين بطريقة فعالة ومعالجة الأزمات بالسرعة المرجوة

وما يفاقم من الخلل الذي نجم عن تعديلات 1990، أنها جاءت في ظل تطورات دستورية شهدتها دول عديدة في العالم، كانت تهدف إلى تعزيز فعالية المؤسسات، عبر إيجاد آليات تؤدي إلى حسم الخلافات بطرق قانونية وديمقراطية. بل إن الرئيس فؤاد شهاب أشار إلى هذا الأمر في بيان عزوفه الشهير الذي أذاعه في 5 أغسطس/آب 1970، عندما رفض ترشيح نفسه لولاية رئاسية ثانية إذ أعلن التالي: "إن المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد في اعتقادي تشكل أداة صالحة للنهوض بلبنان، وفقا لما تفرضه السبعينات في جميع الميادين. وذلك أن مؤسساتنا التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة في كثير من النواحي، سعياً وراء فاعلية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها أحداث عابرة ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات. كل ذلك لا يفسح المجال للقيام بعمل جدي على الصعيد الوطني".

وهكذا يتبين أن الرئيس شهاب اعتبر أن الدستور اللبناني حينها، الدستور نفسه الذي كان يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، لم يعد كافيا لتأمين فعالية الحكم نظرا للأعراف والاعتبارات الطائفية التي كبلت رئاسة الجمهورية، ما كان يوجب تعديل الدستور من أجل تعزيز صلاحيات هذه الأخيرة وليس تقليصها كما فعله "اتفاق الطائف".

أ.ف.ب
صورة تعود لعام 1946 تُظهر وزراء أول حكومة لبنانية يتناولون العشاء مع الحاكم الفرنسي الجنرال كاترو

انطلاقا مما تقدم سنستعرض في هذا المقال سريعا كيف تم إضعاف السلطة التنفيذية برمتها بعد 1990، وذلك بهدف الخروج من المقاربة التقليدية التي تركز على رئيس الجمهورية بمفرده، وتبيان أن الخلل الفعلي كان نتيجة عجز السلطة التنفيذية عن القيام بدورها.

الخلل في العلاقة مع السلطة التشريعية

أدت تعديلات سنة 1990 إلى إفقاد السلطة التنفيذية تقريبا كل أدواتها التي كانت تسمح لها بالتأثير على مجلس النواب، من أجل تحقيق أهدافها في شتى الميادين بطريقة فعالة ومعالجة الأزمات بالسرعة المرجوة.

ومن أبرز الوسائل التي فقدتها السلطة التنفيذية وليس رئيس الجمهورية وحده هي القدرة على حل مجلس النواب. فإذا كان حل مجلس النواب قبل 1990 متاحا من الناحية الدستورية كونه كان يتطلب فقط صدور مرسوم معلل عن رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء، فإن ذلك بات من شبه المستحيلات بعد تعديلات "اتفاق الطائف"، كون الشروط التي أضيفت من أجل التمكن من حل مجلس النواب هي شديدة الصعوبة، لا بل من النادر جدا أن تتحقق.

فحل مجلس النواب في الغالبية العظمى من الدول التي تتبع النظام البرلماني هو إجراء طبيعي، يسمح بالخروج من الأزمات بشكل ديمقراطي، عبر العودة إلى الشعب، ما يؤدي إلى الحفاظ على وحدة الحكم؛ لأن الحكومة الجديدة، التي ستتشكل نتيجة الانتخابات، ستتمكن من الاعتماد على غالبية نيابية تدعمها، أي إن الحل يسمح دائما بوجود حكومة مسؤولة سياسيا قادرة على اتخاذ كل القرارات التي تريد.

تكمن أهمية المراسيم الاشتراعية في رمزيتها السياسية، كونها تؤدي إلى تركيز السلطة في يد الحكومة، عبر منحها الوسائل القانونية الضرورية، من أجل تنفيذ مشروعها السياسي، واتخاذ تدابير سريعة عند الضرورة من أجل معالجة الأزمات

ولا بد من التذكير مثلا أن انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 في لبنان، كانت تفرض كإجراء طبيعي وديمقراطي حل مجلس النواب فورا، من أجل إعادة تكوين شرعية المؤسسات السياسية، وهو أمر لم يتم بسبب استحالة ذلك دستوريا. لا بل إن رئيس الحكومة حسان دياب بعد انفجار مرفأ بيروت أعلن نيته إعداد مشروع قانون لتقصير ولاية مجلس النواب، بهدف إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ما أدى إلى توجيه انتقادات حادة من قبل رئيس مجلس النواب للحكومة، انتهت باستقالة رئيس الحكومة نفسه، وبقاء البرلمان.  

أ.ف.ب
متظاهرون يلوحون بالأعلام اللبنانية بجوار لافتة ضخمة على شكل قبضة يد كُتب عليها شعار "ثورة" ، في ساحة الشهداء بالعاصمة بيروت، خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة، في 10 نوفمبر 2019

ويظهر ضعف السلطة التنفيذية أيضا في غياب المراسيم الاشتراعية بعد 1990. فالمراسيم الاشتراعية هي نوع من الصلاحيات الاستثنائية، يقوم عبرها مجلس النواب بتفويض اختصاصه التشريعي في مواضيع محددة، وضمن فترة زمنية محدودة إلى السلطة التنفيذية، وذلك من خلال التصويت على قانون يجيز لمجلس الوزراء إقرار مراسيم تدخل ضمن الحقل التشريعي. وقد عرف لبنان ظاهرة المراسيم الاشتراعية منذ 1929، وتكرر هذا الأمر أكثر من مرة بعد الاستقلال، لا بل يمكن لنا أن نقول إن أهم التشريعات اللبنانية صدرت بموجب مراسيم اشتراعية لا سيما في عهد فؤاد شهاب.

وتكمن أهمية المراسيم الاشتراعية في رمزيتها السياسية، كونها تؤدي إلى تركيز السلطة في يد الحكومة، عبر منحها الوسائل القانونية الضرورية، من أجل تنفيذ مشروعها السياسي، واتخاذ تدابير سريعة عند الضرورة من أجل معالجة الأزمات. وقد غابت المراسيم الاشتراعية كليا عن المشهد الدستوري في لبنان بعد 1990، في ظل رفض رئيس مجلس النواب الدائم لمثل هكذا تدبير بحجة مخالفته للدستور، على الرغم من تزايد المطالبة بمنح الحكومة صلاحيات استثنائية لمواجهة الأزمة المالية التي ضربت لبنان. فلو تم مثلا منح الحكومة مثل تلك الصلاحيات بعد 2019 لكان بالإمكان إصدار جميع الإصلاحات والتدابير المتعلقة بالقطاع المصرفي في فترة زمنية قصيرة جدا، بينما تلك الإصلاحات لم تستكمل حتى اليوم، بعد مرور أكثر من ست سنوات على اندلاع الأزمة.

وفي السياق نفسه، فقدت السلطة التنفيذية صلاحية مهمة جدا، عبر تعطيل المادة 58 من الدستور. فقد منحت المادة 58 من الدستور قبل 1990 رئيس الجمهورية- بعد موافقة مجلس الوزراء- صلاحية "وضع موضع التنفيذ بمرسوم، كلَّ مشروعِ قانون قررت الحكومة كونه مستعجلا، دون أن يبت به مجلس النواب خلال مهلة 40 يوما، من تاريخ طرحه على مجلس النواب". وقد تم استخدام هذه المادة بشكل مكثف قبل 1990 إذ عمدت الحكومات المتعاقبة إلى استخدام المادة 58 بشكل متزايد، ودون مبرر أحيانا، ما أدى إلى صدور مئات القوانين بمراسيم.  

نزع صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة بإقالة الوزراء أصبح أكثر خطورة، نتيجة غياب أية مهلة دستورية مفروضة على الوزراء، من أجل التوقيع على المراسيم التي يقرها مجلس الوزراء

وفي "اتفاق الطائف" تم التوافق على الحد من استخدام المادة 58 عبر إدخال تعديل صريح يشترط لسريان المهلة إدراج مشروع القانون المعجل في جدول أعمال جلسة عامة، وتلاوته فيها. لكن هذا التعديل استبدل عمليا استنسابية الحكومة باستنسابية رئيس مجلس النواب، الذي يتولى فعليا تحديد جدول أعمال مجلس النواب، ما يعني أنه يستطيع بكل بساطة عدم إدراج مشروع القانون المعجل في جدول الأعمال، ما يؤدي إلى عدم تلاوته في الهيئة العامة، وبالتالي عدم سريان المهلة التي تصبح مرتهنة كليا بمشيئة رئيس مجلس النواب. وهذا ما يفسر لماذا لم يصدر أي مشروع قانون معجل بمرسوم بعد 1990، كون المادة 58 فقدت جدواها ولم تعد سلاحا فاعلا بيد الحكومة.

سلطة تنفيذية منقسمة

إن الخلل في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليس إلا وجها واحدا لإضعاف السلطة التنفيذية، أما الوجه الثاني فهو تبني الدستور كما تم تعديله سنة 1990 لمجموعة من الأحكام التي سمحت بشل الحكومة وتعطيلها من الداخل.

رويترز
كرسي الرئاسة في القصر الرئاسي بمدينة بعبدا، لبنان، في 1 نوفمبر 2022

ولعل أبرز تلك الأحكام ربط إقالة الوزارء بالحصول على موافقة ثلثي مجلس الوزراء. فالوزير الذي يعينه دستوريا رئيس الجمهورية، بناء على اقتراح رئيس الحكومة، لا يمكن إقالته إلا بعد موافقة مجلس الوزراء بغالبية ثلثي أعضائه، وهي غالبية صعبة جدا، ما يعني أن الوزير لم يعد فعليا يتبع سياسيا لمن عينه دستوريا، بل للجهة الحزبية التي اقترحت اسمه، إذ بمجرد تعيينه يصبح محصنا من الإقالة، ويمكن له معارضة قرارات حكومته، مخالفا بذلك مبدأ التضامن الوزاري، من دون أن يخشى إقالته أو حتى أن يتقدم باستقالته. وهكذا فقدت الحكومة وحدة قرارها، وتحولت إلى تيارات سياسية متعارضة، يتوجب عليها التوافق على كل الأمور.

إن نزع صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة بإقالة الوزراء أصبح أكثر خطورة، نتيجة غياب أية مهلة دستورية مفروضة على الوزراء، من أجل التوقيع على المراسيم التي يقرها مجلس الوزراء. فبمجرد امتناع وزير ما عن توقيع مرسوم أقره مجلس الوزراء، يعني عمليا تعطيل قرارات هذا الأخير، ومنح هذا الوزير صلاحية نقض، تؤدي إلى شل عمل الحكومة، بحيث تصبح إرادة وزير منفرد أقوى من إرادة غالبية الوزراء، وهو ما يخل ببديهيات النظام البرلماني التي تقوم على مبدأ التضامن الوزاري. فـ"اتفاق الطائف" فرض في المادة 56 من الدستور على رئيس الجمهورية مهلة 15 يوما لتوقيع المراسيم، وإلا تصبح نافذة دون توقيعه، بينما تجاهل فرض مهلة مماثلة على أعضاء الحكومة، ما يسمح لأي وزير بتعطيل قرارات هذه الأخيرة. وقد حدث هذا الأمر أكثر من مرة عندما امتنع وزير المالية عن توقيع مراسيم أقرها مجلس الوزراء، عملا بتوجيهات مرجعيته السياسية التي وجدت في هكذا تعطيل وسيلة فضلى لتحقيق مصالحها.

اختلال التوازن لصالح مجلس النواب وشلل آليات اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء أصبح أكثر بروزا، مع تعزيز موقع رئيس مجلس النواب

ومن الأدوات التعطيلية التي كرسها الدستور، تحديده في المادة 65 نصابَ مجلس الوزراء بغالبية ثلثي مجموع أعضاء الحكومة، ما سمح بشل الحكومة عن العمل من خلال ظاهرة "الثلث المعطل" التي تؤدي إلى التحكم بجلسات مجلس الوزراء، وفقا للتوازن السلطوي القائم بين الأحزاب السياسية المهيمنة على الحكومة. لا بل إن رئيس الحكومة يمكن له أيضا الامتناع عن دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد، ما يرهن قرار الحكومة برئيسها الذي بات يفعل ذلك، إما للضغط على سائر الأطراف من أجل تحقيق مكسب معين، وإما من أجل منع انفجار الحكومة عبر تأمين التوافق خارجها أولا. 

ويتجلى شلل السلطة التنفيذية أيضا في الفترات الطويلة التي بات يستغرقها تشكيل الحكومات. فالفقرة الرابعة من المادة 53 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية "يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة"، ما يعني أن الحكومة لا يمكن أن تبصر النور دون موافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وهكذا أصبح لبنان يشهد حكومات مستقيلة تقوم بتصريف الأعمال لشهور طويلة، بانتظار أولا حصول توافق بين الأحزاب المهيمنة على مجلس النواب، ومن ثم الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف بتشكيلها. ولا يقدم الدستور أية آلية تسمح بحل غياب التوافق سوى الانتظار، ما يفاقم من تعطيل المؤسسات، ويهدر وقت اللبنانيين الثمين، وحقهم بوجود سلطة تسهر على تحسين أوضاعهم المعيشية وحماية حقوقهم كمواطنين.

أ.ف.ب
أعضاء من البرلمان اللبناني في 30 سبتمبر 1989 في مدينة الطائف السعودية، عقب الجلسة الأولى لمؤتمر الطائف، الذي كان يهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية

إن اختلال التوازن لصالح مجلس النواب وشلل آليات اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء أصبح أكثر بروزا، مع تعزيز موقع رئيس مجلس النواب الذي بات ينتخب عملا بالمادة 44 من الدستور لولاية مجلس النواب كاملة، علما بأن ولايتة كانت سنة واحدة قابلة للتجديد قبل 1990. فصلاحيات رئيس مجلس النواب في غالبيتها الساحقة لا وجود دستوريا لها، بل هي نتيجة لممارسة انتهجها رئيس مجلس النواب الحالي، أو عملا بأحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تتسم بالغموض. لذلك تمكن رئيس المجلس عبر السنوات من إحكام سيطرته على البرلمان، وبات بالفعل شريكا في كل القرارات الكبيرة التي تريد الحكومة اتخاذها، إذ عبر تحكمه بدعوة المجلس إلى الانعقاد، وتحديد جدول الأعمال وإدارة الجلسات بات يمكن القول إن أي قانون في لبنان لا يمكن أن يقر في حال لم يكن رئيس المجلس موافقا عليه.

مع بلوغ دستور لبنان عامه المئة، يصبح السؤال: ما الجدوى من هذا الدستور في حال كانت الدولة غير موجودة وسيادتها منتهكة من قبل الجميع؟

وفي هذا السياق، عمد مثلا دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا 1958 إلى تحويل جدول الأعمال إلى صلاحية مشتركة بين البرلمان والحكومة، بحيث تتمكن هذه الأخيرة من تحديد جدول الأعمال لأسبوعين من كل شهر، بينما يتم تخصيص الفترة المتبقية لمساءلة الحكومة أو للأقلية النيابية التي تتمكن من تحديد جدول أعمال المجلس، كي تناقش الاقتراحات التي تهمها. فقدرة الحكومة على إقرار مشاريع القوانين التي تريدها، باتت من ضرورات الحكم الفعال، لا بل إن المرجع الدستوري الفرنسي رينيه كابيتان كان قد اختصر كل هذه الإشكالية، عندما أعلن أن الحكم هو التشريع (gouverner c'est légiférer)، أي إن الدولة في العصر الحيث تحتاج إلى سلطة واحدة تقوم بتوجيه السياسة العامة عبر تنفيذ رؤيتها للحكم، التي تتطلب إقرار التشريعات اللازمة، وتطبيق تلك التشريعات.

وهكذا، ومع مئوية الدستور اللبناني، تبرز الحاجة إلى العودة إلى دستور 1926، ليس من أجل إعادة توزيع الصلاحيات وفقا لمنطق طائفي، ولكن عبر إعادة تفعيل السلطة التنفيذية، وتمكينها من الحكم، أي من تطبيق رؤيتها التي تعهدت بها، ما يسمح بمساءلتها في حال تخلفت عن ذلك، وليس الاكتفاء بتقاذف المسؤوليات والتهم كما يحدث اليوم. 

وعلى الرغم من أن التحليل الدستوري الصرف لا يعطي الصورة الكاملة لحقيقة النظام السياسي اللبناني، الذي تهيمن عليه مجموعة من الزعماء وأمراء الحرب، ما يجعل من أية مقاربة دستورية قاصرة عن فهم آلية اشتغال هذا النظام، لكن حتى لو كانت الطبقة السياسية الحاكمة هي فعلا ديمقراطية وتحترم منطق المؤسسات، سيظل الخلل في السلطة التنفيذية جليا وعجزها عن الحكم من أهم أسباب تراجع دور الدولة.

في الخلاصة، ومع بلوغ دستور لبنان عامه المئة، يصبح السؤال: ما الجدوى من هذا الدستور في حال كانت الدولة غير موجودة وسيادتها منتهكة من قبل الجميع؟ فأي دستور في العالم يفترض الوجود المسبق لدولة سيدة، ولا طائل من التباحث في كيفية تعديل هذا الدستور، في حال غابت المقومات الجوهرية للدولة.

مئة سنة على دستور فقد علته الجوهرية، أي وجود دولة سيدة تستطيع تطبيق هذا الدستور. ولا شك أن هذه أغرب مفارقة تطبع الذكرى المئوية للدستور اللبناني، الذي نحتفل به اليوم، في ظل غياب الدولة، إذ أصبحنا كالذين يقيمون حفل زفاف في ظل غياب العروسين.

font change