خدمة حجاج بيت الله الحرام هي أهم واجب تؤديه المملكة العربية السعودية في العام بأكمله، وهي شرف تاريخي ومسؤولية كبرى تتوارثها القيادة السعودية جيلا بعد جيل منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز. وحين يقترب موسم الحج، لا تتعامل الرياض مع الحدث باعتباره مناسبةً سنوية عابرة، وإنما تستنفر طاقاتها وقدراتها كافة وتسخر قطاعاتها المدنية والعسكرية والأمنية كافة دون حساب لأي تكاليف، والهدف الأسمى دائما هو ضمان موسم حج آمن يؤدي فيه ضيوف الرحمن مناسكهم في يسر وطمأنينة.
موسم هذا العام جاء بالتزامن مع أحداث إقليمية غير عادية ومتغيرات أمنية وسياسية عاصفة، ورغم ذلك تمكنت السعودية من إدارة الحج باقتدار تام وبمعزل كامل عن هذه الاضطرابات، وهذا في حد ذاته رسالة بالغة الدلالة تؤكد أن المملكة قادرة على الفصل بين التحديات الجيوسياسية المحيطة بها، وبين التزامها الراسخ تجاه قاصدي بيت الله، وأن أمن الحجاج وسلامتهم يظلان في مقدمة الأولويات مهما بلغت حدة التوترات.
الحقيقة أن الأفعال في السعودية تسبق الأقوال حين يتعلق الأمر بخدمة الحجاج، وهذا المبدأ يترجم عبر تسخير أحدث التقنيات وتجنيد مئات الآلاف من الكوادر الوطنية، وهؤلاء الموظفون والعسكريون ومن خلفهم المواطنون السعوديون يؤدون واجبهم بإخلاص، مدركين أن نجاح الموسم هو نجاح للوطن بأسره.
وفي سياق هذا الحرص، تأتي الحملة الحازمة "لا حج بلا تصريح"، وهي خطوة تنظيمية تهدف إلى حماية حقوق الحجاج النظاميين الذين قدموا من أقاصي الأرض ملتزمين بالأنظمة والإجراءات المرعية، والمنطق يفرض أنه لا يمكن القبول بأن يسلب حاج قدم بلا تصريح حق حاج آخر التزم بالقانون وأنفق ماله وجهده ليصل إلى بيت الله الحرام، وكل حاج نظامي يتمتع بحقوق أصيلة من واجب الدولة أن تضمنها وتحافظ عليها.
تاريخيا، واجهت السعودية محاولات متكررة لتسييس الحج واستغلاله لتمرير أجندات سياسية أو رفع شعارات طائفية، وفي كل مرة كانت المملكة تقف بحزم رافضة أي مساس بقدسية المكان والزمان
تاريخيا، واجهت السعودية محاولات متكررة لتسييس الحج واستغلاله لتمرير أجندات سياسية أو رفع شعارات طائفية، وفي كل مرة كانت المملكة تقف بحزم رافضة أي مساس بقدسية المكان والزمان. وموقف الرياض الثابت هو أن الحج عبادة خالصة، ولا مجال فيه للمزايدات أو الاستعراضات الأيديولوجية، وهذا الحزم ينبع من إدراك عميق بأن السماح بالشعارات سيحول المشاعر المقدسة إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات.
وإلى جانب رفض التسييس، تتصدى السعودية لأية مطالبات بالتدويل، وهذه الأصوات التي تطل بين الحين والآخر من جهات ذات أجندات مكشوفة، تصطدم بصخرة الواقع الذي يثبت كفاءة المملكة الاستثنائية في إدارة الحشود المليونية وتطوير المشاعر المقدسة بمشاريع غير مسبوقة، لذلك تبقى دوما سيادة السعودية على أراضيها وإدارتها للحرمين خطا أحمر لا يقبل النقاش.
في المحصلة، عندما تستنفر السعودية لخدمة ضيوف الرحمن فإنها تقدم للعالم نموذجا فريدا في الإدارة، وما نراه هذا العام تحديدا من جهود وحزم في تطبيق الأنظمة وعزل المشاعر المقدسة وقاصديها عن اضطرابات المنطقة، هو ضمانة حقيقية لبقاء هذه الشعيرة نقية وخالصة ومحفوظة في أيدي من يضعون خدمة حجاج بيت الله فوق كل اعتبار.