فتيل برميل البارود الإيراني لم ينطفئ بعد

تصريحات المسؤولين الأميركيين تشير إلى أنهم ما زالوا حريصين على تجنب التسبب في اندلاع حرب شاملة مع طهران

فتيل برميل البارود الإيراني لم ينطفئ بعد

استمع إلى المقال دقيقة

مع بلوغ محادثات السلام الرامية إلى إنهاء الصراع الإيراني منعطفا حاسما، تهدد أحدث المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بنسف العملية برمتها.

كان الطرفان المشاركان في المحادثات قد أشارا إلى إحراز تقدم في المفاوضات الهادفة إلى إنهاء صراع بدأ في نهاية فبراير/شباط، حين شنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، سلسلة ضربات قوية ضد إيران.

وزادت الضغوط على طرفي الصراع بغرض التوصل إلى اتفاق بفعل تداعياته على مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره ما يقارب عشرين في المئة من إمدادات الطاقة العالمية. فقد ظل المضيق، عمليا، مغلقا أمام معظم حركة الملاحة التجارية لأسابيع عدة، بعدما أعلنت قوات "الحرس الثوري" الإيراني سيطرتها عليه، وسعت إلى فرض قيود على السفن العابرة لقناته الملاحية.

أثار تحرك "الحرس الثوري" إدانة واسعة من قادة العالم، الذين يؤكدون أن مضيق هرمز مصنف، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ممرا مائيا دوليا، بما يضمن حق "المرور العابر" لجميع السفن. ويمنع هذا التصنيف الدول المطلة عليه من تعليق الملاحة أو عرقلتها.

ومما يزيد الوضع في الخليج تعقيدا، الوجود البحري الأميركي الضخم، الذي دفعت به إدارة ترمب إلى المنطقة، لحماية الملاحة الدولية، وزيادة الضغط على إيران من أجل قبول اتفاق سلام.

ورغم أن التوترات المستمرة بشأن المضيق، وما أسفرت عنه من ضربات عسكرية متبادلة على طريقة الأخذ والرد بين الولايات المتحدة وإيران، أثارت مخاوف من تعذر التوصل إلى اتفاق سلام في ظل هذه الظروف، فقد أدلى الطرفان بتصريحات إيجابية بشأن التقدم المحرز في المحادثات حتى الآن، مع أن الاتفاق النهائي لم ينجز بعد.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أن الجوانب النهائية من اتفاق السلام قد تعلن "قريبا". وجاء ذلك عقب محادثات أجراها مع عدد من قادة الخليج، وَرَدَ بأنهم أعربوا خلالها عن رغبتهم في وقف الأعمال القتالية. وكرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تفاؤل ترمب، قائلا إن التوصل إلى اتفاق محتمل لإنهاء الحرب قد "يستغرق بضعة أيام".

قد يؤدي الارتفاع الأخير في وتيرة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بسهولة إلى استئناف كامل للأعمال القتالية، رغم إصرار القادة العسكريين الأميركيين على أن تحركاتهم "دفاعية" بحتة

وأكدت إيران أيضا إحراز بعض التقدم في المحادثات مع الولايات المتحدة، لكنها شككت في تقدير روبيو بأن الاتفاق بات وشيكا. إلا أن الدليل على بلوغ المحادثات مرحلة شديدة الحساسية ظهر بعدما زعم التلفزيون الإيراني الرسمي أنه حصل على مسودة مذكرة التفاهم غير الرسمية المتفق عليها بين الطرفين. 
وبحسب الوثيقة، سترفع الولايات المتحدة حصارها البحري عن الموانئ الإيرانية، وتسحب قواتها من محيط إيران، في حين ستعيد طهران حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر. وأثار التقرير المسرب ردا قويا وفوريا من البيت الأبيض، الذي شكك في صحة التفاصيل، واصفا النص بأنه "اختلاق كامل".  
وجاء في منشور لفريق الاستجابة السريعة في البيت الأبيض على منصة "إكس": "هذا التقرير الصادر عن إعلام خاضع لسيطرة إيران غير صحيح، ومذكرة التفاهم التي زعموا أنهم نشروها اختلاق كامل. لا ينبغي لأحد أن يصدق ما يبثه الإعلام الرسمي الإيراني... الحقائق مهمة فعلا". 
وشكك ترمب أيضا في استعداد إيران للتوصل إلى اتفاق، مؤكدا أنه "غير راض" عن شروط الاتفاق الجاري التفاوض عليه مع إيران. ورغم اعتقاده بأن طهران "عازمة إلى حد كبير" على التوصل إلى اتفاق، فقد قال إنهم "لم يبلغوا تلك المرحلة بعد". وكرر استعداد واشنطن لاستئناف الضربات إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق. 
ومع دخول المحادثات مرحلة حاسمة بوضوح، قد يؤدي الارتفاع الأخير في وتيرة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بسهولة إلى استئناف كامل للأعمال القتالية، رغم إصرار القادة العسكريين الأميركيين على أن تحركاتهم "دفاعية" بحتة. 
وفي أحدث الاشتباكات، هاجمت القوات الأميركية جنوب إيران يوم الخميس، ما دفع طهران إلى شن ضربات انتقامية قالت طهران انها استهدفت قاعدة اميركية ليتبين لاحقا ان الهدف الايراني كان الكويت. 
وبدأ القتال الجديد بعدما أفادت تقارير بأن القوات الإيرانية أطلقت النار على أربع سفن كانت تحاول عبور المضيق. 

وردّت القوات الأميركية باستهداف محطة تحكم أرضية قرب مدينة بندر عباس في جنوب إيران، كانت تشكل تهديدا لحركة الملاحة التجارية في هذا الممر المائي الاستراتيجي. وقال متحدث عسكري أميركي لوكالة "رويترز" للأنباء إن الجيش الأميركي اعترض أيضا وأسقط أربع مسيّرات إيرانية هجومية انتحارية كانت تشكل تهديدا مماثلا. ومنعت الضربة على بندر عباس إطلاق مسيّرة خامسة. 
وبعد وقت قصير من الضربات الأميركية، قال "الحرس الثوري" إنه استهدف قاعدة جوية أميركية ردا على ذلك، من دون تقديم تفاصيل عن موقعها. فيما اعلنت الكويت تعرضها لهجمات مصدرها ايران. 
ورغم أن التصاعد الأخير في العنف بمنطقة الخليج يثير بوضوح تساؤلات بشأن قدرة اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذي دخل حيز التنفيذ في أبريل/نيسان، على الصمود على المدى الطويل، فإن تصريحات المسؤولين الأميركيين تشير إلى أنهم ما زالوا حريصين على تجنب التسبب في اندلاع حرب شاملة مع طهران. فقد أصر متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية على أن الإجراءات التي اتخذها الجيش الأميركي كانت "دفاعية بحتة، وتهدف إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار". 
وما دامت الولايات المتحدة تحافظ على وجودها العسكري الضخم في المنطقة، سيظل القادة الأميركيون خاضعين لأوامر تقضي بالدفاع عن أنفسهم في مواجهة أي عمل عدواني محتمل من الإيرانيين. وستجادل واشنطن بأن هذا التحرك مبرر بموجب قوانين الحرب، ولا ينبغي تفسيره على أنه رغبة في استئناف الأعمال القتالية مع إيران على نطاق واسع. 
وفي المقابل، يرى الإيرانيون أن الوجود العسكري الأميركي الضخم القريب جدا من حدودهم يشكل تهديدا مباشرا لأمنهم القومي. 

والنتيجة أن الطرفين باتا يجلسان الآن فوق برميل بارود في الخليج، يمكن أن ينفجر بسهولة ويطيح بأي آمال في إيجاد حل دائم للصراع. 
 

font change