عندما عاد سارتر في مارس/آذار 1941 من سجنه الألماني، بعد أن قضى فيه ما يقرب من تسعة أشهر، كان يفيض "حماسا ومبادئ"، كما ستقول رفيقة دربه سيمون دي بوفوار في كتابها "قوة العمر"، لذا سرعان ما أخذ عليها، رغم طول الفراق، كونها وقّعت التعهد بأنها ليست يهودية لتتمكن من الاستمرار في التدريس في إحدى مدارس باريس الثانوية (الأمر الذي سيفعله هو كذلك فيما بعد)، فنبهها أن "علينا أن نتحد، ونعمل على تنظيم المقاومة". يمكن أن نقول إن ذلك اليوم، كان يوم ميلاد مفهوم "المثقف الملتزم".
في مخاض هذا الحماس، أسس سارتر جماعة "الاشتراكية والحرية"، وهي تضم مجموعة من المثقفين الشباب، فبالإضافة إلى دي بوفوار، التي لم يكن عمرها وقتئذ يتجاوز 33 سنة، كان هناك م. ميرلوبونتي، وجان توسان دوسانتي، وفرانسوا كوزان، وسيمون دوبو. ستكتب دي بوفوار فيما بعد: "لم يكن أحد منا يشعر أنه قادر على صناعة متفجرات ولا رمي قنابل". لذا اكتفت الجماعة بتوزيع منشورات، إلا أنها سرعان ما انحلت قبل أن تبلغ السنة الواحدة من عمرها.
عند حلول الصيف، قرر سارتر أن يغير طريقته في المقاومة بأن يجوب، مع رفيقة دربه، وعن طريق الدراجة، الجزء المحرر من فرنسا بهدف ربط علاقات خارج المنطقة المحتلة، إلا أن محاولتهما هذه، سرعان ما باءت، هي كذلك، بالفشل، و"عدم الفعالية" كما ستكتب دي بوفوار فيما بعد.
ما زاد من قلقهما، أنهما، بعد هذه "المقاومة الرومانسية"، وبعد العودة إلى باريس المحتلة، اكتشفا وفاة كثير من معارفهما في ميدان المقاومة الفعلية. وخوفا من أن يتهما بالتسبب في موت أصدقائهما، قرر العشيقان حل جماعة "الاشتراكية والحرية"، اقتناعا منهما بأن عليهما أن يقتصرا على القيام بما يعرفان القيام به: الدراسة والكتابة.
سيشرع سارتر في تحرير كتابه الضخم "الوجود والعدم"، وسيقول عنه فيما بعد: "إنه كتاب يرسم تجربة باطنية لا علاقة لها مطلقا بالتجربة الخارجية التي كانت قد تحولت إلى الوضعية المأساوية التي عرفها المثقف البرجوازي الصغير الذي كنته".
لم يتمكن سارتر ولا رفيقة دربه من أن ينخرطا مع أولئك الذين كان ينعتهم بـ"النخبة التي كانت تشكل المقاومين بحق". لذا اقتصرا على العمل مع جماعة من الأدباء، هي "اللجنة الوطنية للكتاب"، وكانت مكلفة بنشر مقالات في المقاومة، والقيام ضد الكتاب المتعاونين مع الاحتلال.
كان سارتر "يعبر عن أسفه لشعور النقص الذي كان ينتابه إزاء أولئك الذين انخرطوا بالفعل في نضال مباشر"، كأنه بالضبط، كما سيقول فيما بعد، "لم يكن كافيا أن يقاوم على صعيد الأدب، كأن ذلك لم يكن سوى أدب".
سيعرف كتاب "الوجود والعدم" الذي نشر سنة 1943، نجاحا باهرا، سيبوئ اسم سارتر شهرة كبيرة، كما أن دي بوفوار ستنشر في السنة ذاتها روايتها الأولى "المدعوة"، وبعد عامين ستنشر رواية "دم الآخرين"، وهي رواية تحكي حياة زوجين واجها، خلال الاحتلال، قضية التضحية بحياتهما الخاصة لصالح المقاومة المسلحة، وهي تضحية لم تتمكن منها، لا هي ولا رفيق دربها. مقابل "دم الآخرين"، اكتفى الزوجان بـ"حبر المثقفين".
كان سارتر ودي بوفوار يصران على رسم صورة لامعة عن مشاركتهما في المقاومة، إلا أنهما لم يجرؤا قط على الاعتراف بوقائع لم تكن قط مصدر فخر
هذا النجاح مكن العشيقين من الشهرة في وقت لم يكن ينتظر بروز أسماء أفراد بعينهم، وقت كان يعرف تضحية مفكرين كبار أمثال الفيلسوف والرياضي جان كافاييس الذي سيعدم يوم 5 أبريل/نيسان سنة 1944، وكذا الفيلسوف الماركسي جورج بوليتزر الذي أعدم قبله سنة 1942. هذا فضلا عن المثقفين الذين أجبروا على التخلي عن العمل النظري فتفرغوا للمقاومة مثل الفيلسوف فلاديمير جانكيليفيتش الذي سيتحامل بعنف على أولئك "الذين كانوا يمضون وقتهم "يصرفون فعل التزم" في الأزمنة جميعها، و"يلقون محاضرات حول الالتزام"، ولا ينفكون "ينددون بالجبناء والخونة"، ويحتمون بأعذار تبريرا لتخليهم عن الالتزام الفعلي.
كان سارتر ودي بوفوار، اللذين كانا بارعين في أن يجعلا من حولهما في منطقة الظل، يصران على رسم صورة لامعة عن مشاركتهما في المقاومة، إلا أنهما لم يجرؤا قط على الاعتراف بوقائع لم تكن قط مصدر فخر: فقد وجهت إلى سارتر تهمة قبول تعويض الأستاذ هنري دريفوس لوفوابي، وهو يهودي كان يدرّس بالأقسام التحضيرية بثانوية كوندورسي أجبر أيام فيشي على التقاعد. في هذا الصدد كتبت الباحثة إنغريد غالستر: "هذا تحد أمام الدراسات السارترية التي كان عليها أن تفهم بشكل أعمق العلاقة بين حياة المثقف وأعماله، عندما كان سارتر ينظر لمفهوم "سوء الطوية" في اللحظة ذاتها التي يمارسه فيها، ناسيا أنه مدين بأوقات فراغه-التي أتاحت له أن يحرر كتابه في الفلسفة، ومقالاته المناهضة لحكومة فيشي-مدين بتلك الأوقات إلى الإقصاء المعادي للسامية"، مما خوله في النهاية صنع مجده على ظهر أستاذ يهودي أحيل قسرا على التقاعد المبكر.
بل إن سارتر ذهب حتى نشر مساهمة في مجلة "كوميديا"، وهي مجلة كان يتهمها البعض بالتعاون مع الاحتلال. كما أن رفيقة دربه قدمت سلسلة برامج في راديو فيشي عندما طردت من وزارة التربية الوطنية لأسباب بعيدة كل البعد عن السياسة.
سيحاول أتباع سارتر ودي بوفوار فيما بعد التخفيف من حدة هذه الوقائع، ولكن من غير أن يتمكنا من القضاء التام على التشكك الذي كان يحوم حول تصرفات "المثقفين اللامعين".
دفاعا عن سارتر يذكر البعض المسرحيتين اللتين قدمهما أمام المحتل في باريس، وهما "جلسة مغلقة"، ومسرحية "الذباب". مما يحول بيننا وبين الذهاب حتى القول إن العشيقين قد أظهرا ولاء لحكومة فيشي، ورغم ذلك، فإننا لا يمكن أن نقول جازمين إنهما قد انخرطا في مقاومة فعلية قياسا إلى ما كان يعرفه مثقفون آخرون في الفترة نفسها، وما كانوا يغامرون بالقيام به. ويكفي أن نذكر أسماء جان بيير فرنان، وفلاديمير جانكيليفيتش، وإدغار موران، وجان توسان دوسانتي الذي ابتدأ مع سارتر ضمن جماعة "الاشتراكية والحرية" والذي استمر مقاوما ليعرف في فرنسا المحررة، فيما بعد، كأهم فيلسوف رياضيات بعد جان كافاييس الذي أعدمه الاحتلال سنة 1944.
مباشرة بعد نهاية الحرب، سنلحظ رغبة جامحة عند سارتر ودي بوفوار في الانضواء ومساندة الحركات المتمردة أنى كانت، فسافرا عبر العالم لكي يساندا النضالات الثورية، والتقيا بكاسترو وتيتو وخروتشيف وعبد الناصر. ومباشرة بعد الحرب أصبحا لا يكفان عن التصريحات التي تشعل النيران، وهكذا سيعلنان عن معارضتهما للحرب الهندوصينية، كما سيعبران عن مساندتهما لثورة التحرير الجزائرية، كما سيقفان إلى جانب حركة طلاب 68، حيث سيصرح سارتر: "لا قيمة للإنسان إن لم يكن معارضا. المثقف عندي هو الذي يساند مجموعة سياسية، لكنه لا يكف عن معارضتها".
لكن هذه المعارضة، وهذه النغمة اليسارية كانت تخفت، أو تغيب، من حين لآخر، فبعد عامين من وفاة سارتر، وعندما غزت إسرائيل لبنان بهدف "القضاء" على المقاومة الفلسطينية، قدمت دي بوفوار، مع صديق الثنائي كلود لانزمان، دعمهما لهذه الحرب. وفي عام 1985، ثلاث سنوات بعد مجازر صبرا وشاتيلا (التي ارتكبتها الميليشيات المسيحية)، والتي أصبحت ممكنة، كما هو معروف، إثر سيطرة الجيش الإسرائيلي على بيروت، عرض الفيلم الوثائقي الطويل لكلود لانزمان على الشاشات تحت العنوان العبري "شواه". وللترويج للفيلم، كتبت دي بوفوار مقدمة لسيناريو الفيلم مليئة بالعاطفة والحماس.
مدحت صاحبة "الجنس الآخر" وضعية المرأة الإسرائيلية، وعبرت عن "إعجابها بالمستوطنات الزراعية الإسرائيلية"
وعند زيارة الزوجين، في أواخر أيامهما لفلسطين المحتلة، مدحت صاحبة "الجنس الآخر" وضعية المرأة الإسرائيلية، وعبرت عن "إعجابها بالمستوطنات الزراعية الإسرائيلية"، وأبرزت في مذكراتها "المعايير الديمقراطية الإسرائيلية"، من غير أن تبدي أدنى التفاتة لأوضاع الشعب الفلسطيني. وقبل شهر من حرب يونيو/حزيران 1967 وقع الثنائي بيانا ضمن 66 مثقفا فرنسيا دعا الجمهور الفرنسي إلى دعم إسرائيل، معتبرا أنها "الدولة الوحيدة التي يجري التشكيك في وجودها في حد ذاته، والتي يجري تهديدها من القادة العرب".
ربما بسبب كل هذا، فإن "المقاومة" في جبهات الصراع الدولي جميعها التي ما فتئ الزوجان يحرصان عليها، لم تكن كافية بالنسبة إلى البعض، للتكفير عن بعض مواقف الزوجين أثناء الاحتلال وبعده، فلم يروا في هذا الحرص الشديد على الانخراط في الأحداث عبر العالم، إلا نوعا من تعويض الشعور بالذنب الذي تراكم لدى الزوجين أثناء الاحتلال.