دخلت منطقتنا تاريخها الحديث بإبادة جماعية كبرى، وختمته بشيء كثير من ذلك. حدث ذلك لأن الزمن الفاصل بين الإبادتين لم يشهد أية عتبة قد تُدين الإبادة كفعل بالغ الوحشية، وتتبعها تالياً كسلوك وأداة لفض التنازع بين المتخاصمين ضمن الدولة الواحدة، أو بين الدولة نفسها، عبر واحد من المُسيطرين عليها، وبين الساخطين الآخرين عليها.
فما اصطُلح على تسميته "القرن العشرون الطويل"، بدأته منطقتنا بانهيار الإمبراطورية العثمانية وتأسيس بلداننا "الحديثة"، مرّ على جُثة محق أبناء العرقيتين التاريخيتين الأرمنية والسريانية/الآشورية، وأنهته عبر هبة "الربيع العربي"، التي كانت بمثابة إغلاق لدورة التأسيس تلك، عبر ما شهدته من أشكال الإبادات العرقية والدينية والطائفية والمناطقية. فبلدان مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان، وحتى لبنان وفلسطين وتركيا وإيران، استُخدمت فيها هذه الفعلة مرات لا تُعد خلال السنوات القليلة الماضية، وفي كل مرة وفرت "النُخب" السياسية والثقافية والبيروقراطية للمنتصرين ترسانات من الحجج والتبريرات والأقاويل المُبررة لما حدث. حتى إن الفضاء العام ومؤسسات الدولة ومواثيقها صارت عارية تماماً من أية كوابح مانعة لتكرار ما حدث وما يحدث في المستقبل.
بمعنى ما، طوال العمر المديد لهذه الكيانات، وحتى في حاضرها الراهن، لم تغدُ "الإبادة" بالنسبة لكل الفضاءات سابقة الذكر، والمناخ العام ومؤسسات الدولة وأدواتها ومواثيقها، فعلة وحشية أو ممارسة مُدانة، في أي وقتٍ أو أي مجال. فالإبادة كقضية سياسية ومسألة أخلاقية لم تكن إلا من حصة الضحايا، أو من بقي من ورثة الآلام منهم، طوال هذا الزمن. ففي بلدان مثل تركيا وسوريا والعراق ولبنان، التي كانت مسارح مفتوحة للإبادة الأرمنية/السريانية، لا يكاد مثلاً أن يُعثر على فيلم سينمائي أو مسلسل درامي يخص الأمر، أو حتى بحث أكاديمي أو نقاش ثقافي رصين وعميق بشأنها. هذا على الرغم مما عنته وأسسته تلك المأساة من جروح وآلام في الذاكرة وسُبل العيش بالنسبة لمئات الآلاف من سكان هذه الدولة، وما تسببت به من أشكال العيش المتعثرة والمضطربة بينهم وبين أقرانهم الآخرين.
لا يتعلق الأمر بعجز في الانتباه أو تعثر في التحديث، الثقافي والمؤسساتي والدولتي. فنفس الجهات والفضاءات والمؤسسات التي كانت بالغة اليقظة والحساسية والمتابعة تجاه الإبادة التي لحقت الفلسطينيين مثلاً خلال القرن العشرين، لم تبالِ بما طال الأرمن والسريان من قبل، وما لحق الأكراد والأمازيغ والسودانيين الجنوبيين لاحقاً.
بمعنى أن الدولة، ومعها القطاع الأوسع من المجتمع والنخب المهيمنة، مؤسسةٌ حسب وعيٍ قومي للذات، لا تعثر في العالم إلا على ما يطابق حاجاتها الذاتية، وعلى رأسها الإيحاء المستدام بالبراءة والطهارة، كشرط مؤسس للروح القومية. فالنُخب السياسية العراقية كدست طوال عقود معارضتها للنظام السابق كميات هائلة من أشكال التنديد بجرائمه، لكنها عندما أصبحت في سُدة الحكم، لم تفعل شيئاً بخصوص ما حدث بحق المجتمع الكردي أواخر الثمانينات من القرن المنصرم، معتبرة الأمر مساً بـ"وحدة البلاد"، التي كان واضحاً أنها أكثر رفعة من آلام الضحايا.
على العكس من ذلك تماماً، كان ثمة طلب دائم على "نسيان الإبادة"، خصوصاً من ذوي الضحايا وأبناء مجموعاتهم، كشرط أولي لوقفها بحقهم، وإدماج من بقي منهم في جسم الدولة ونظام حمايتها السلطاني.
ففي كل تجارب بلداننا، لم يكن "النسيان" يوماً أداة لتجاوز الماضي والتأسيس للعكس مع كل ما جرى في الماضي، كما حدث في نموذج دولة مثل رواندا مثلاً. بل كان "النسيان" شرط المنتصرين على المهزومين، للقبول الفيزيائي بمن بقي منهم. وبذا كان "النسيان" بمثابة تنازل الضحايا عن حقهم في الادعاء وطلب العدالة، الشخصي والعام على حدٍ سواء. فالبلدان آنفة الذكر، خلا العراق الذي استحصل فيه الأكراد على حيز من السيادة جراء النظام الفيدرالي، لم يُسمح فيها بتداول ما اقتُرف بحق الضحايا حتى في مجالهم الخاص، لأن فعل ذلك يعني النزوع نحو طلب عدالة أو تعويض ما، قانوني وسياسي غالباً، والأمران يعنيان إدانة المنتصرين بفعلة شائنة، أو التقليل من قداستهم وبراءتهم المفترضة، أو وضع خطوط حمراء أمامهم، تمنعهم من تكرار ما حدث، وهي كلها مطالب مرفوضة جذرياً.
المهيمنون على الروح العامة يعرفون أن نكران الإبادة ومنع حضورها في المجال العام هو جزء حيوي من "ترتيبات القوة" داخل السلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يسيطرون عليه
ليس العزوف عن الإقرار بالإبادة والتبرؤ منها مجرد فعل من اختصاص الدولة ومؤسساتها والنخب المحيطة بها فحسب، فهذه جميعاً هي الزبدة التي تدلقها مخازن وعي المجتمعات لذاتها، التي تعرف وتتعرف على نفسها في الوعي المشترك المستبطن بأن ما ارتُكب من إبادة بحق الآخرين كان ممارسة للمجد وفعلة ضرورية لقسر حركة التاريخ لصالحها، وأنها لو لم تحدث بهذا الشكل، فالآخرون كانوا سيمارسون إبادة جماعية بحقهم. فنفس الأشخاص الذين قد يحضرون فيلماً سينمائياً أو وثائقياً يتناول مجزرة أو إبادة تخص أقرباء لهم في الهوية، سيخرجون غالباً دامعي الأعين منها، قد يستنكرون ويحتقرون فيلماً مشابها قد يتناول مأساة أناس آخرين، بالذات لو كان الفاعلون ممن يُفترض أنهم على جانبهم من تقسيمات البلاد الداخلية. إذ ليست صحيحة وصحية تلك القراءات التي تُلبس البنى الاجتماعية كل أشكال البراءة والطهرانية، قُبالة رد كل فعلة شائنة إلى عوامل وفواعل خارجية.
أخيراً، فإن كل ذلك يحدث، لأن المهيمنين على الروح العامة في بلداننا، لو جاز التعبير، يعرفون تماماً في باطن وعيهم أن نكران الإبادة ومنع حضورها في المجال العام هو جزء حيوي من "ترتيبات القوة" داخل السلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يسيطرون عليه. فنكران الإبادة وتجاوزها دون مقاضاة أو عِقاب يعني هيمنة القوة كأداة وحيدة في ترتيبات سلم العلاقة بين المتجاورين في الحيز العام، بين المركزيين وسكان الريف، بين النساء والرجال، والفقراء والأغنياء، وغيرهم الكثيرين. والإقرار بالإبادة كفعل لصالح الضحايا المستضعفين، قد يفتح المجال واسعاً أمام قدرة الكثير من المستضعفين الآخرين ومطالباتهم.