شريحة "إنفيديا" الجديدة تنقل الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الكومبيوتر الشخصي

وسط تحديات كبيرة...

REUTERS
REUTERS
رئيس "إنفيديا" التنفيذي جنسن هوانغ يستعرض طرازات من أجهزة الكومبيوتر المحمول التي تعمل بمعالجات الرسوميات الجديدة، خلال كلمة رئيسة على هامش معرض "كومبيوتكس" التجاري في تايوان

شريحة "إنفيديا" الجديدة تنقل الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الكومبيوتر الشخصي

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي محصورا داخل مراكز البيانات العملاقة. فمع إعلان "إنفيديا" شريحة RTX Spark للحواسيب الشخصية، تتحرك الشركة إلى مساحة أكثر قربا من المستخدم العادي والمحترف في الوقت نفسه: جهاز "ويندوز" نفسه. الفكرة الأساس أن الكومبيوتر لم يعد مجرد بوابة للوصول إلى خدمات ذكاء اصطناعي تعمل في السحابة، بل قد يصبح قادرا على تشغيل تطبيقات ووكلاء ونماذج ذكاء اصطناعي محليا، بفضل شريحة تجمع بين معالج Arm، ومعالج رسومي قوي، وذاكرة موحدة ضخمة.

هذه الخطوة قد تمنح "ويندوز" ما يشبه اللحظة التي صنعتها "آبل" لأجهزة "ماك". فعندما انتقلت الشركة العملاقة من معالجات "إنتل" إلى شرائحها الخاصة، لم يكن الأمر مجرد تغيير تقني، بل إعادة تعريف لما يمكن أن يقدمه الحاسوب المحمول من أداء قوي، وكفاءة عالية، وبطارية أطول، وحرارة أقل، وتكامل عميق بين العتاد ونظام التشغيل.

تحاول "إنفيديا" و"مايكروسوفت" اليوم دفع "ويندوز" في اتجاه مشابه، لكن عبر بوابة مختلفة: الذكاء الاصطناعي المحلي والمعالجات الرسومية الضخمة.

لوقت طويل، ارتبط اسم "إنفيديا" عند المستخدمين بكروت الشاشة، خصوصا سلاسل GeForce RTX المخصصة للألعاب والغرافيكس والمونتاج. لكن صعود الذكاء الاصطناعي غيّر موقع الشركة جذريا، فشرائحها لم تعد تُستخدم فقط لتحسين الصورة أو تشغيل الألعاب، بل أصبحت عصب البنية التحتية التي تعتمد عليها الشركات الكبرى في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

يذكر هذا التصميم مباشرة بفلسفة شركة "آبل"، التي تجمع بين المعالج المركزي والرسومي والذاكرة الموحدة في بنية متكاملة لمنح الجهاز قدرة أفضل على التعامل مع المهام الثقيلة 

من شرائح مراكز البيانات مثل A100 وH100 إلى جيل "بلاك ويل" وشرائح مثل B200، أصبحت "إنفيديا" في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية. ومع ارتفاع الطلب على هذه الشرائح، صعدت قيمة الشركة السوقية إلى مستويات ضخمة، بما يعكس ثقة المستثمرين في أنها لم تعد مجرد شركة عتاد، بل أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الرقمي الجديد.

لكن RTX Spark تمثل تحولا إضافيا، فالشريحة الجديدة لا تستهدف مراكز البيانات فقط، ولا تشبه كرت شاشة تقليديا يضاف إلى جهاز قائم، بل تبدو أقرب إلى منصة حوسبة متكاملة لأجهزة "ويندوز" المتقدمة. إنها محاولة لنقل جزء من قوة الذكاء الاصطناعي من الخوادم البعيدة إلى الجهاز الموجود على مكتب المستخدم أو في حقيبته.

ما الذي تقدمه الشريحة الجديدة؟

لا تزال تفاصيل كثيرة حول RTX Spark غير محسومة، خصوصا الأسعار النهائية والمواصفات الدقيقة للأجهزة الأولى. لكن الصورة العامة واضحة، إذ تجمع الشريحة بين أنوية "آرم" للمعالجة المركزية، ومعالج رسومي قوي من عائلة "بلاك ويل" وذاكرة موحدة قد تصل إلى 128 جيغابايت في بعض الأجهزة.

ويذكر هذا التصميم مباشرة بفلسفة شركة "آبل"، ففي أجهزة "ماك" الحديثة، تجمع "آبل" بين المعالج المركزي والرسومي والذاكرة الموحدة في بنية متكاملة، مما يمنح الجهاز قدرة أفضل على التعامل مع المهام الثقيلة بكفاءة أعلى وتحاول "إنفيديا" نقل الفكرة إلى "ويندوز"، لكن مع تركيز أكبر على الرسوميات والذكاء الاصطناعي.

REUTERS
شخص يشير إلى وحدة معالجة مركزية على هامش معرض "كومبيوتكس" التجاري في تايوان

تسمح الميزة الكبرى في الذاكرة الموحدة للمعالج المركزي والمعالج الرسومي بالوصول إلى مخزون كبير واحد من الذاكرة، بدلا من الفصل التقليدي بين ذاكرة النظام وذاكرة بطاقة الرسوميات، وقد لا يهم هذا الأمر المستخدم العادي كثيرا، لكنه مهم جدا لمطوري الذكاء الاصطناعي وصناع المحتوى والباحثين، لأن تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة محليا، أو تحرير فيديو ضخم، أو تنفيذ عمليات مونتاج معقدة، تحتاج إلى ذاكرة كبيرة وسريعة يمكن المعالج الرسومي استخدامها مباشرة.

منذ إطلاق شركة "آبل" واجه عالم "ويندوز" معضلة واضحة، يستطيع مصنعو الحواسيب إنتاج أجهزة قوية جدا، لكن هذه القوة تأتي غالبا بثمن غال من وزن أكبر، وحرارة أعلى، ومراوح مزعجة، واستهلاك كبير للطاقة. في المقابل، نجحت "آبل" في تقديم أجهزة تجمع بين القوة والكفاءة والبطارية الطويلة في تصميمات أقل تعقيدا

وتقول "إنفيديا" إن الشريحة قادرة على تقديم أداء يصل إلى 1 "بيتافلوب" في مهام الذكاء الاصطناعي، مع ذاكرة موحدة كبيرة تسمح بتشغيل نماذج وتطبيقات أثقل مما تستطيع الحواسيب التقليدية التعامل معه عادة، وهذا يعني أن الجهاز قد يتحول من كومبيوتر أسرع فقط إلى كومبيوتر أذكى، قادر على تشغيل مساعدين رقميين، ووكلاء برمجة، وأدوات تحليل ملفات، وتصميم، ومونتاج، ومحاكاة، بدرجة أكبر من الاستقلال عن السحابة.

منذ إطلاق شركة "آبل" واجه عالم "ويندوز" معضلة واضحة، يستطيع مصنعو الحواسيب إنتاج أجهزة قوية جدا، لكن هذه القوة تأتي غالبا بثمن غال من وزن أكبر، وحرارة أعلى، ومراوح مزعجة، واستهلاك كبير للطاقة. في المقابل، نجحت "آبل" في تقديم أجهزة تجمع بين القوة والكفاءة والبطارية الطويلة في تصميمات أقل تعقيدا.

وتعد الشريحة الجديدة، نظريا، بتقديم حاسوب "ويندوز" قوي لا يبدو كأنه محطة عمل ثقيلة أو جهاز ألعاب ضخم، يحصل فيها المستخدم على جهاز قادر على مهام الذكاء الاصطناعي والمونتاج والألعاب، من دون أن يكون بالضرورة جهازا سميكا يستهلك البطارية بسرعة.

تحالف "إنفيديا" و"مايكروسوفت"

لا يمكن قراءة شريحة RTX Spark بعيدا من "مايكروسوفت"، فـ"إنفيديا" قد تصمم الشريحة وتوفر القوة الحسابية، لكنها تحتاج إلى "ويندوز" كي تتحول هذه القوة إلى سوق واسعة. في المقابل، تحتاج "مايكروسوفت" إلى شريك قادر على منح أجهزة "ويندوز" دفعة حقيقية في سباق حواسيب الذكاء الاصطناعي.

في مايو/أيار 2024، طرحت "مايكروسوفت" مبادرة "كوبايلوت بلس"، وهي فئة جديدة من أجهزة "ويندوز" قالت إنها مصممة لتشغيل بعض وظائف الذكاء الاصطناعي داخل الجهاز نفسه، بدل الاعتماد الكامل على السحابة. لكي يحصل الجهاز على هذا التصنيف، يحتاج إلى معالج ذكاء اصطناعي داخلي NPU بقوة لا تقل عن 40 تريليون عملية في الثانية، مع 16 جيغابايت RAM على الأقل و256 جيغابايت تخزين.

لا تستهدف RTX Spark  في بدايتها المستخدم الذي يريد جهازا للتصفح ومشاهدة الفيديو وكتابة المستندات، فهذه شريحة للفئات التي تحتاج إلى قوة كبيرة وذاكرة ضخمة ومن ضمنهم مطورو الذكاء الاصطناعي، وصناع المحتوى

لكن تلك المبادرة بدت مخيبة لبعض المستخدمين، لأنها ركزت على ميزات ذكاء اصطناعي لم تكن جذابة بما يكفي، وبعضها أثار مخاوف خصوصية. لكن المبادرة دفعت شركات الحواسيب إلى رفع معايير الأجهزة الممتازة، خصوصا من ناحية الذاكرة والأداء.

مع RTX Spark، قد يتكرر الأمر لكن في مستوى أعلى. فبدلا من الاكتفاء بتسويق حاسوب ذكاء اصطناعي يصبح المطلوب إعادة تحسين "ويندوز" نفسه لمعمارية "آرم" -طريقة تصميم للمعالجات التي يعمل بها المعالج داخل الهاتف أو الكومبيوتر أو الجهاز الذكي- وتحسين تشغيل التطبيقات، وتوفير أدوات تطوير تستفيد من المعالج الرسومي والذاكرة الموحدة.

وقالت "مايكروسوفت" إنها تعمل مع "إنفيديا" لتحسين "ويندوز 11" لهذه الأنظمة، خصوصا مع موجة جديدة من الوكلاء الذكيين والتطبيقات التي تعمل محليا.

لكن هناك عقبة قديمة تعود دائما عند الحديث عن "ويندوز" و"آرم"، وهي التوافق مع البرامج التقليدية. فالكثير من برامج "ويندوز" بنيت لعقود حول معمارية x86 لذلك ستحتاج أجهزة RTX Sparkمثل أجهزة "سناب دارغون" إلى تشغيل بعض التطبيقات عبر مُحاكٍ من "مايكروسوفت". أصبحت التجربة أفضل من الماضي، لكنها ستظل عاملا حاسما في نجاح هذه الأجهزة لدى المستخدمين المحترفين.

ليست للمستخدم العادي

لا تستهدف RTX Spark  في بدايتها المستخدم الذي يريد جهازا للتصفح ومشاهدة الفيديو وكتابة المستندات، فهذه شريحة للفئات التي تحتاج إلى قوة كبيرة وذاكرة ضخمة ومن ضمنهم مطورو الذكاء الاصطناعي، وصناع المحتوى، والباحثون، والمبرمجون، ومستخدمون محترفون يريدون تشغيل أدوات ونماذج محلية بدلا من الاعتماد الكامل على السحابة.

بالنسبة للمطورين، قد تتيح الأجهزة المبنية على RTX Spark اختبار وكلاء ذكاء اصطناعي ونماذج محلية على الجهاز نفسه. وبالنسبة لصناع المحتوى، قد تساعد الذاكرة الموحدة والمعالج الرسومي "بلاك ويل" في التعامل مع مشروعات فيديو ضخمة ومونتاج وتأثيرات بصرية أكثر تعقيدا.

في قلب هذه المنظومة تقف شركة TSMC، المصنع الأهم للرقائق المتقدمة، التي تعتمد عليها شركات كبرى مثل "إنفيديا" و"آبل" في تصميم الشريحة وتحديد قدراتها

لكن السعر قد يكون العائق الأكبر، فقد تبدأ الأجهزة الأولى بأسعار مرتفعة جدا، ربما حول 4000 دولار أو أكثر. وهذا يعني أنها قد تكون في البداية منتجا نخبويا موجها لذوي الاحتياجات المتقدمة والميزانيات الكبيرة، لا ثورة فورية في سوق الحواسيب الشخصية.

تايوان في قلب المعادلة

جاء إعلان الشريحة الجديدة خلال مؤتمر "كمبيوتكس" 2026 في تايوان، وهذا يمنح الخبر بعدا أكبر من مجرد إطلاق منتج جديد. فكل حديث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعود في النهاية إلى سؤال التصنيع: من يستطيع إنتاج الشرائح المتقدمة بالكميات التي تحتاجها السوق؟

تايوان هي الحلقة الأهم في هذه المعادلة. فهي تستحوذ على الحصة الكبرى من تصنيع الرقائق التعاقدي عالميا، وتسيطر على النصيب الأضخم من تصنيع الرقائق المتقدمة. وهذا يعني أن شركات مثل "إنفيديا" قد تقود التصميم والابتكار، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على القدرة التصنيعية الموجودة في تايوان.

في قلب هذه المنظومة تقف شركة TSMC، المصنع الأهم للرقائق المتقدمة، التي تعتمد عليها شركات كبرى مثل "إنفيديا" و"آبل" في تصميم الشريحة وتحديد قدراتها، لكن تحويل التصميم إلى منتج حقيقي قابل للاستخدام في مراكز البيانات أو الحواسيب الشخصية يمر عبر مصانع الرقاقات المتقدمة.

REUTERS
زائرون يقومون بجولة في جناح "إنفيديا" خلال معرض "كومبيوتكس" في تايوان

كما أن العقبة ليست في الطلب فقط، بل في قدرة الصناعة على التوسع. فشرائح الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تصنيع متقدم، كما تحتاج إلى تغليف متطور مثل تقنية CoWoS، التي تجمع المعالج الرئيس مع ذاكرة فائقة السرعة داخل حزمة واحدة لتسريع التعامل مع كميات ضخمة من البيانات. ومع طفرة الذكاء الاصطناعي، أصبحت طاقة التغليف المتقدم نفسها نقطة ضغط في السوق.

حتى مع توسع TSMC في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، فإن بناء هذه القدرات يحتاج إلى سنوات، ويتطلب معدات وخبرات وسلاسل توريد معقدة. لذلك لا يعتمد نجاح RTX Spark على قوة التصميم أو دعم "مايكروسوفت" فقط، بل على قدرة سلسلة التصنيع في تايوان على إنتاج وتغليف وتسليم هذه الشرائح بالكميات المطلوبة وفي الوقت المناسب.

منافسة شرسة

لا تدخل "إنفيديا" سوقا فارغة، ففي الطرف الأعلى من الحواسيب المتكاملة، تقدم "أيه أم دي" شرائح "ريزين ماكس" و"ريزين ألترا"، وهي تصميمات تجمع بين معالج مركزي قوي ورسوميات مدمجة وذاكرة موحدة كبيرة ويدعم بعضها 128 جيغابايت من الذاكرة، فيما ترفع السلاسل الأحدث منها الرقم إلى 192 جيغابايت. ميزة "آي أم دي" أنها تعتمد على x86-64، مما يمنحها توافقا أقوى مع برامج "ويندوز" القديمة، لكنها لا تقدم بالضرورة مزايا الكفاءة نفسها التي تراهن عليها معمارية "آرم"

من جهتها، تدفع "كوالكوم" شرائح "سناب دراغون" داخل أجهزة "ويندوز" منخفضة ومتوسطة وفوق متوسطة، وتحاول ترسيخ وجود "آرم" في سوق الحواسيب المحمولة. أما "آبل" فلا تزال المثال الأوضح على نجاح التكامل بين المعالج والنظام والجهاز.

تمثل شريحة RTX Spark اتجاها أوسع في صناعة التقنية لنقل الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الحافة، أي إلى أجهزة المستخدمين نفسها

تحاول "إنفيديا" أن تجد لنفسها موقعا مختلفا، فهي ليست مجرد بديل من "كوالكوم" في أجهزة "آرم" ولا مجرد منافس مباشر لمعالجات "أيه أم دي"، بل منصة حوسبة عالية الأداء للذكاء الاصطناعي المحلي وصناع المحتوى والمطورين، تعتمد على سمعة "إنفيديا" في المعالجات الرسومية وعلى شراكتها مع "مايكروسوفت".

كومبيوتر أذكى أم وعد باهظ الثمن؟

تمثل شريحة RTX Spark اتجاها أوسع في صناعة التقنية لنقل الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الحافة، أي إلى أجهزة المستخدمين نفسها، مما قد يعني أداء أسرع في بعض المهام، وخصوصية أفضل لأن بعض البيانات لا تغادر الجهاز، وتقليلا للاعتماد على الاتصال الدائم بالخوادم، لكنه يعني أيضا أن الحاسوب الشخصي سيحتاج إلى ذاكرة أكبر، ومعالجات رسومية أقوى، وأنظمة تشغيل أكثر استعدادا لاستقبال وكلاء وبرامج تعمل باستمرار في الخلفية.

وإذا نجحت "إنفيديا" و"مايكروسوفت" في ضبط المعادلة بين الأداء والكفاءة والتوافق والسعر، فقد تكون RTX Spark بداية لحظة جديدة لـ"ويندوز"، شبيهة بما فعلته "آبل" مع أجهزة "ماك". وإذا فشلت في تجاوز السعر المرتفع ومشاكل التوافق ومحدودية الإنتاج، فقد تظل مجرد منتج قوي لفئة ضيقة من المطورين والمستخدمين المحترفين.

font change

مقالات ذات صلة