لبنان رهينة المفاوض الإيراني

لبنان رهينة المفاوض الإيراني

استمع إلى المقال دقيقة

منذ تجدد القتال بين "حزب الله" وإسرائيل في 2 مارس/آذار الماضي، تسعى الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام إلى احتواء التصعيد عبر مسار تفاوضي في واشنطن. وفي أبريل/نيسان الماضي، تمكنت الحكومة من التوصل إلى اتفاق تهدئة جزئي، ألزم إسرائيل بعدم استهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية، مقابل وقف "حزب الله" صواريخه على المستوطنات الشمالية.

سبق أن توصلت الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وافق عليه "حزب الله" آنذاك، رغم أنه أبقى إسرائيل متمركزة في 5 نقاط حدودية، ومنحها هامش تحرّك لملاحقة مقاتلي "حزب الله" على كافة الأراضي اللبنانية، وأخفق في فرض عودة أهالي منطقة جنوب نهر الليطاني.

وللمفارقة أنه بعد انتهاء الجولة الرابعة من المحادثات المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، التي انعقدت في واشنطن قبل أيام، وتوصل الطرفين إلى مشروع اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، أعلن "حزب الله" رفضه الاتفاق جملة وتفصيلا، رغم أن بنوده تتشابه إلى حد بعيد مع بنود اتفاق عام 2024، فكلاهما ينص، على سبيل المثال، على وقف "حزب الله" إطلاق النار بشكل كامل، وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وسحب مقاتليه من مناطق جنوب نهر الليطاني، وترتيب دخول الجيش اللبناني إليها.

إعلان "حزب الله" عدم موافقته على الاتفاق الجديد، أدى عملياً إلى إسقاط رهان الحكومة اللبنانية على تنفيذ وقف إطلاق النار خلال 24 ساعة، كما أنه أعاد طرح سؤال أساسي حول جدوى دخول لبنان في مفاوضات من دون موافقة الجهة التي تُدير الحرب (إيران)، إضافة إلى أنه عزز الانطباع السائد بأن الحكومة اللبنانية لا تملك القرار النهائي في مسألة الحرب والسلم، وأن مفاوضات وقف إطلاق النار في لبنان مرتبطة بمسار إسلام آباد.

إعلان "حزب الله" عدم موافقته على الاتفاق الجديد، أدى عملياً إلى إسقاط رهان الحكومة اللبنانية على تنفيذ وقف إطلاق النار خلال 24 ساعة، كما أنه أعاد طرح سؤال أساسي حول جدوى دخول لبنان في مفاوضات من دون موافقة الجهة التي تُدير الحرب (إيران)


في وقت سابق، كان دبلوماسيون إيرانيون قد أكدوا أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل سوف يشمل الجبهة اللبنانية، باعتبار لبنان جزءا لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية تسعى إيران إلى عقدها، لذلك يمكن فهم رفض "حزب الله" للاتفاق كاستجابة لأوامر طهران، وكتطبيع مع محاولات عرقلتها جهود الحكومة اللبنانية الدبلوماسية لفصل مسارها التفاوضي عن المسار الإيراني.

كما ترافق موقف "الحزب" الرافض للاتفاق مع اعتراضات صدرت عن مسؤولين إيرانيين، أبرزها تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الذي سخر من الرئيس اللبناني جوزيف عون.

ربط مصير لبنان بالمفاوضات الإيرانية يسحب قرار الحرب والسلم من يد الدولة اللبنانية نهائيا وإلى الأبد


في سياق متصل، يزداد الضغط من أجل التوصل إلى تسوية لدى جميع الأطراف المعنية بالحرب، على صعيد داخلي. ففي الولايات المتحدة، يواجه الرئيس دونالد ترمب تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وبالقلق من انعكاسات الحرب على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وقد أبدى رغبته في إبقاء الجبهة اللبنانية منفصلة عن المواجهة مع إيران، إلا أن موقف "حزب الله" وإصرار طهران على الربط بين الجبهتين جعلا هذا الفصل مستحيلا.

أما في إيران، فإن توقف القتال سوف يفتح الباب أمام تعقيدات داخلية مؤجلة، تتعلق بأزمة التضخم والبطالة وبالخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة التي خلفتها الحرب، إضافة إلى عمليات القمع الدموية التي أخمدت انتفاضة يناير/كانون الثاني الأخيرة، مما سيضع النظام الذي احتمى منذ بدء الحرب الثانية بخطاب الخطر الخارجي للحفاظ على تماسكه الداخلي، في مواجهة جديدة مع الشارع.

وفي لبنان، حمّل رئيس الحكومة الجهات التي تعرقل وقف إطلاق النار مسؤولية النتائج المترتبة على استمرار الحرب، مؤكداً أن المسار التفاوضي يمثل الخيار "الأسرع والأقل كلفة" بالنسبة إلى لبنان وأهل الجنوب، بعدما بلغت الخسائر الاقتصادية مليارات الدولارات، إضافة إلى أزمة نزوح ضخمة لم تشهدها البلاد من قبل.

بينما تأخذ التطورات العسكرية في الجنوب بعدا أكثر خطورة، بعدما نجحت إسرائيل خلال الأيام الأخيرة في عزل مدينة النبطية، أول مدينة في منطقة شمال نهر الليطاني، ووصلت إلى مشارفها، مما يفاقم المخاوف من ترميدها على غرار ما فعلت في بنت جبيل، وأعادت الصواريخ الإسرائيلية الفجائية على الضاحية الجنوبية يوم الأحد الماضي، فرص توصل الحكومة اللبنانية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار إلى نقطة الصفر، ورفعت من احتمالات استمرار الحرب دون أفق.

فربط مصير لبنان بالمفاوضات الإيرانية يسحب قرار الحرب والسلم من يد الدولة اللبنانية نهائيا وإلى الأبد، فيما يهدد استمرار الحرب بتحويل الاحتلال الإسرائيلي للجنوب من أزمة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد.

font change