محمد القاسم... حكم يُنصف الشاب السعودي ويكشف معضلة بريطانية

وضوح الأدلة وثقل الجريمة

محمد القاسم

محمد القاسم... حكم يُنصف الشاب السعودي ويكشف معضلة بريطانية

يسلط القتل الوحشي للطالب السعودي محمد القاسم، الذي صدر بحق قاتله حكم بالسجن المؤبد، الضوء على الكلفة الفادحة لجرائم السكاكين التي غدت، على نحو مقلق، ملمحا مألوفا من ملامح الحياة في بريطانيا اليوم.

كان القاسم، البالغ 20 عاما، قد سافر إلى كمبريدج لقضاء برنامج تدريبي مدته 10 أسابيع لدراسة اللغة الإنجليزية في المدينة، عندما طعنه غريب حتى الموت خارج سكنه الطلابي العام الماضي. واتضح لاحقا أن الجاني شرب الكحول وتعاطى الكوكايين قبل الهجوم.

وجاء البيان الذي أصدرته الشرطة بعد إدانة كوريغان بالقتل هذا الشهر صادما، إذ روى كيف استطاع القاسم، بعد الهجوم بالسكين، أن يركض مبتعدا عن مكان الحادث قبل أن ينهار بعد لحظات.

وطلب أحد أفراد الجمهور، بعدما رأى القاسم في حالة اضطراب شديد، سيارة إسعاف. وعثر عليه ثلاثة من الأطباء والمسعفين كانوا خارج ساعات عملهم وهو ينزف بغزارة على الرصيف، فحاولوا إنقاذ حياته، لكن إصابة عنقه كانت بالغة إلى حد أعلنت معه وفاته.

وسجلت كاميرا مراقبة الحادث كاملا في وسط مدينة كامبريدج، وأظهرت كوريغان وهو يفر من المكان عقب الهجوم. وسرعان ما ألقت الشرطة القبض على القاتل بعد مناشدة إعلامية قادت إلى بلاغ من أحد المواطنين. واعتقل أيضا والد كوريغان، بيتر كوريغان، الذي اتهم بمساعدة مرتكب الجريمة.

وأدين تشاس كوريغان بتهمة القتل العمد أمام محكمة التاج في كامبريدج، في محاكمة لم تحتج هيئة المحلفين فيها إلى أكثر من ساعتين للبت في الحكم، مما يعكس وضوح الأدلة وثقل الجريمة. وكان كوريغان قد أقر مسبقاً بحيازة السكين في مكان عام.

الشرطة البريطانية
أُدين تشاس كوريغان بتهمة القتل العمد أمام محكمة بريطانية

وصدر عليه حكم بالسجن المؤبد، على أن لا تقل مدة سجنه عن 22 عاما وستة أشهر. كما صدر حكم بالسجن عامين على والده بيتر كوريغان، البالغ 51 عاما، بعدما أقر سابقا بالذنب في تهمة مساعدة مرتكب الجريمة. وقال الادعاء إن بيتر حاول مقاومة الاعتقال واستخدم لغة مسيئة، وقال: "لن تأخذوا ابني"، مما استدعى استخدام كلب بوليسي للسيطرة عليه.

وكان بيتر كوريغان قد أخذ السترة العاكسة التي كان ابنه يرتديها أثناء الحادث وأخفاها في شجيرة قرب منزله. وعندما خضع لاستجواب الشرطة، قال إنه "لم يكن يعلم بوقوع جريمة قتل".

سجلت كاميرا مراقبة الحادث كاملا وسط مدينة كامبريدج، وأظهرت كوريغان وهو يفر من المكان عقب الهجوم

شهادة العائلة تكشف حجم الفاجعة

وتزداد مأساة القاسم إيلاماً حين تستمع إلى شهادة عائلته التي أدلت بها أمام المحكمة خلال جلسة النطق بالحكم، كاشفةً عن حجم الفاجعة التي خلّفها رحيله المبكر.

وقال يوسف القاسم، والد الضحية، في بيان قرأه أحد أبناء العمومة نيابة عن العائلة، إن وفاة ابنه "دمرت" الأسرة، وإن الطالب القتيل كان "نور إرث عائلتنا".

وجاء في البيان: "نحن أسرة مسالمة لا تاريخ لها في أي تورط جنائي. لم يسبق لأي فرد من أسرتنا أن ألحق الأذى بآخرين، أو خاض أي تجربة مع السجن أو نظام العدالة الجنائية... كانت الصدمة جارفة إلى حد أننا لم نعرف من أين نبدأ التعامل مع ما حدث. إن ألم إرسال ابن إلى الخارج للدراسة، مفعما بالأمل في مستقبله، ثم عودته إلينا ضحية لعنف عبثي، وهو الذي لم يتسبب في أي مشكلة لأي شخص، يفوق ما تستطيع الكلمات التعبير عنه".

شاترستوك
مدينة كمبريدج الجامعية

 

لا يمكن لأي حكم أن يعيد محمد إلينا. لقد فقدنا عماد بيتنا

وقرئ أمام المحكمة أيضا بيان أدلت به شقيقة القاسم أثناء جلسة النطق بالحكم. وقالت للمحكمة إن محمدا كان "صديقها وسندها"، وكان يساعدها في كل موقف، كبيرا كان أم صغيرا. وقالت: "كنت ألجأ إليه كثيرا طلبا للمشورة، حتى عندما يتعلق الأمر بأشخاص أكبر سنا وأكثر خبرة. كانت ابتسامته وضحكته تجلبان سعادة عظيمة لعائلتي. كان طيبا ومحترما مع الجميع، صغارا وكبارا".

ووصفته بأنه كان "وفيا ومحترما وكريما" مع أصدقائه. وأضافت: "لا يمكن لأي حكم أن يعيد محمد إلينا. لقد فقدنا عماد بيتنا".

ويبدو مقتل الطالب السعودي في شوارع واحدة من أشهر المدن الجامعية في المملكة المتحدة كأنه مثال صارخ للموجة القاتلة من جرائم السكاكين، التي صارت مألوفة إلى حد بعيد في مدن بريطانيا وبلداتها الكبرى.

وأظهرت أحدث الأرقام التي قدمتها وزارة العدل البريطانية الشهر الماضي أن عدد جرائم السكاكين المسجلة بلغ مستويات قياسية، إذ وصل عدد قضايا جرائم السكاكين التي نظرت فيها المحاكم البريطانية إلى 21091، وهو أعلى رقم منذ عام 2019، قبل الجائحة، حين بلغ 22485.

ومثل ذلك زيادة قدرها 1.8 في المئة مقارنة بالسنة المنتهية في ديسمبر/كانون الأول 2024، وزيادة قدرها 20.7 في المئة خلال العقد الماضي.

كما أن المعدل المرتفع لجرائم السكاكين، الذي وصفه بعض سياسيي المعارضة بأنه "وباء"، بات يهيمن بصورة متزايدة على جدول الأعمال السياسي، بعدما برزت القضية بوضوح في الانتخابات الأخيرة.

وفي الأسابيع الأخيرة، تصدرت قضية بعينها العناوين، وتتعلق بمقتل الطالب البريطاني هنري نواك، البالغ 18 عاما، الذي طعن حتى الموت وهو في طريق عودته إلى منزله بعد قضاء ليلة في ساوثهامبتون. وأثارت قضيته جدلا واسعا بعدما اتضح أن الشرطة قيدت يديه بينما كان يحتضر متأثرا بجراح الطعن، عقب اتهامات باطلة بأنه شارك في حادث عنصري قبل تعرضه للطعن.

وقد تكون الظروف المحيطة بمقتل القاسم مختلفة جدا، لكنها تعكس الخطر الدائم الذي تشكله الموجة المتصاعدة من جرائم السكاكين على الشباب في شوارع بريطانيا اليوم.

font change

مقالات ذات صلة