عن الخوف من الالتزام العاطفي في السينما

نتيجة حتمية لإعادة تشكيل عميق في بنية المجتمع

MK2 Films
MK2 Films
لقطة من فيلم "أسوأ شخص في العالم"، 2021

عن الخوف من الالتزام العاطفي في السينما

لم يعد الخوف من الالتزام العاطفي عارضا نفسيا طارئا، ولا نزوة سلوكية تخص جيلا أو فئة عمرية بعينها، هو في أحد وجوهه العميقة سؤال وجودي حديث، تشكل في لحظة تاريخية بدأ فيها الإنسان يشك في معنى الاختيار نفسه. فالالتزام كفعل تثبيت وتعريف نهائي للذات، أصبح في ضمير الفرد المعاصر تهديدا لها، ولم يعد يستقبل كتتويج للحرية. ربما يكون مرد ذلك إلى الخوف من مواجهة الآخر، أو الوقوف أمام حالة الحب، وأمام المسؤولية، وأمام السؤال القاسي. فلماذا على الذات أن تختار مرة واحدة، وأن تعرف نفسها تعريفا لا رجعة فيه؟

في هذا السياق، يظهر دور السينما كوسيط سردي، يلتقط هذه الحالة، ويحولها إلى مساحة تفكير بصري وفلسفي، فالسينما بخلاف الخطاب النفسي والاجتماعي المباشر، تسأل أسئلة مربكة، من قبيل: ماذا لو كان الخوف من الالتزام مبررا؟ ماذا لو كان الرفض أو التأجيل أو التردد، شكلا من أشكال الوعي لا العجز؟

منذ منتصف القرن العشرين، أخذت الشخصيات السردية في الأدب أولا، ثم في السينما لاحقا، تنحرف تدريجيا عن نموذج البطل الذي يعرف ما يريد، ويسعى إليه، ويصل في النهاية إلى قرار نهائي يمنحه معنى وجوده. ففي رواية مثل "الحارس في حقل الشوفان" للأميركي ج. د. سالينجر، نرى هولدن كولفيلد يهرب من المجتمع، ومن فكرة التحول إلى شخص بالغ مكتمل التعريف. وهذا الرفض هو في جوهره رفض للثبات، ناتج من عدم رغبته في أن يصبح شيئا يشبه الكبار الذين يعرفهم، أو شيئا يمكن تسميته وتوقعه وحصره. لذلك أصبح يخاف المستقبل لأنه يمثل ما لا يريد أن يكونه بشكل قاطع ونهائي.

السينما بدورها ستنقل هذا التردد من حيز اللغة إلى حيز الزمن والصورة، فالشخصيات التي تتشكل داخل هذا الأفق، تعيش داخل إيقاع مؤجل ومرجأ على الدوام، فأدوات السينما تستغني عن الاعترافات المباشرة، والمونولوغات السردية الطويلة، وتستبدلها باللقطات الممتدة، والحوارات التي تنتهي دون حسم، والنهايات التي تقف عند العتبات.

هل لا يزال الالتزام العاطفي ممكنا في عالم تغيرت فيه علاقة الفرد بذاته؟

لهذا، يظهر الخوف من الالتزام العاطفي في السينما كبنية سردية كاملة. فأفلام العلاقات الحديثة، وأفلام الحب غير المكتمل، وأفلام الشخصيات المعلقة بين رغبتين أو زمنين، ليست بالضرورة قصصا عن الفشل العاطفي، هي بمثابة البحث عن إجابة لأسئلة أعمق، من قبيل: هل لا يزال الالتزام العاطفي ممكنا في عالم تغيرت فيه علاقة الفرد بذاته؟ وهل يمكن السينما أن تحسم ما لم يعد الإنسان الحديث واثقا من حسمه؟

من الرهاب إلى الموقف الوجودي

حين نتأمل الشخصيات السينمائية التي تعاني من الخوف من الالتزام، سرعان ما يتبين لنا أن الخوف ليس من العلاقة ذاتها، ولا من الآخر بوصفه تهديدا مباشرا. الخوف يكون من شيء أكثر تجريدا وأشد قسوة، هو التحول إلى كينونة ثابتة. فالفزع من الالتزام، في الأفلام الحديثة نسبيا، يجلب معه فكرة التحول نحو مسار متوقع، وزمن يمكن قراءته وتوقعه سلفا.

لهذا السبب، نلاحظ أن معظم هذه الشخصيات لا تستسلم لفكرة الهروب في لحظة المواجهة الأولى، بل نراها تستمر طويلا في العلاقة، وتستثمرها وجدانيا، وتبدو  ظاهريا منخرطة فيها. غير أن التصدع الحقيقي يظهر كلما اقتربت العلاقة من التحول إلى شكل معترف به اجتماعيا، مثل الزواج، أو على الأقل الوعد به، هنا يتحول الفزع من الموقف النفسي بمعناه الضيق إلى الفزع من فكرة الاكتمال.

Columbia Pictures
إيثان هوك وجولي ديلبي في فيلم "قبل الشروق"، 1995

في أفلام مثل فيلم ريتشارد لينكلتر، "قبل الشروق"Before Sunrise  (1995)، وما تلاه من أجزاء، يقدم الالتزام بوصفه خطرا يهدد لحظة اللقاء نفسها. الوعد البعيد وغير الطبيعي في الفيلم يشكل عبئا زمنيا. شيء يلقى به في حقيبة المستقبل ليستحيل إلى ثقل في الحاضر. الشخصيتان في بداية الأمر لا ترفضان إحداهما الأخرى، لكنهما تحتالان جماليا على فكرة اختزال علاقتهما في مسار واحد متوقع، وكأن الاعتراف الرسمي يقتل ما يجعل اللقاء اللاحق حيويا وأصيلا ولا يشبه الحياة الواقعية.

هذا التحول في معنى الالتزام يجد جذوره خارج السينما، في تحولات أعمق أصابت مفهوم الحرية بشكلها الحديث. فالفرد المعاصر أصبح يخشى القيد الخارجي بالقدر الذي يخشى فيه الاختزال. الالتزام في هذا السياق يصبح نهاية لسلسلة من الاحتمالات التي كانت تمنح الذات شعورا بالسيادة، فهو يعني أن تقول: "هذا أنا"، مرة واحدة وإلى الأبد تقريبا. وهو تصريح لم تعد الشخصية الفردية الحديثة مطمئنة إلى تصديقه.

Warner Bros
خواكين فينيكس في فيلم "هي"، 2013

من هنا، يبدو بطل فيلم مثل "هي"Her  (2013) لسبايك جونز، أوضح في تعبيره عن هذا القلق المعاصر، فالعلاقة التي يخوضها ثيودور، من حيث المبدأ، علاقة مثالية: فهي بلا احتكاك فيزيائي، وبلا مطالب اجتماعية، وبلا التزامات مادية، مع ذلك يكون مصيرها الانهيار، لأنها على نحو متناقض تقترب من أن تصبح التزاما كاملا، ليس لأنها غير واقعية فحسب. فالعلاقة التي ولدت خارج شروط العالم الواقعي، لا نراها أيضا تنجو من سؤال: ماذا بعد؟ وماذا يعني أن أعرف نفسي من خلال الآخر، حتى لو كان هذا الآخر مجرد صوت إلكتروني أنثوي جميل؟

التصدع الحقيقي يظهر كلما اقتربت العلاقة من التحول إلى شكل معترف به اجتماعيا، مثل الزواج، أو على الأقل الوعد به

في هذا المعنى، يبدو الخوف من الالتزام العاطفي في السينما المعاصرة تعبيرا عن وعي مأزوم بالزمن نفسه. فالشخصيات تخاف القرار لأنه حتمي. والزمن الذي كان في السرد الكلاسيكي أفقا للتقدم والتحقق، نراه يتحول مع المتغيرات الزمنية، والمحددات الحديثة للفرد، إلى قوة ضاغطة، تطالب الشخصية بأن تنهي ترددها، وبأن تختار شكلا واحدا للحياة. ما تفعله هذه الشخصيات مرارا، هو مقاومة مطالب الالتزام بالتمرد الصاخب والتأجيل والصمت، وبالانسحاب الذي يحرك السؤال الفلسفي نحو معنى القرار الحر.

من "قبل الشروق"

قلق السيولة

مع التسارع والتحولات الكبرى التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، مرورا بمرحلة التسعينات، وبداية الألفية الثالثة، لم يعد ممكنا قراءة الخوف من الالتزام باعتباره سلوكا فرديا، أو عيبا في الشخصية، فقد أصبح نتيجة حتمية لإعادة تشكيل عميق في بنية المجتمع، وفي علاقة الفرد بذاته وبالآخر. إذ بدأت العلوم النفسية والاجتماعية في إنتاج مفاهيم جديدة تحاول الإمساك بحالة الانفلات وبضغط الشعور الطاغي بالفردانية.

من أبرز هذه المفاهيم ما عرف لاحقا بـنمط "التعلق التجنبي" Avoidant Attachment، وهو توصيف نفسي لشخصيات تبدو قادرة على إقامة علاقات، لكنها تنسحب كلما اقتربت العلاقة من الاستقرار أو العمق العاطفي. بالتوازي، برز في الخطاب الاجتماعي مفهوم "الخوف من الحميمية" Fear of Intimacy، وهو خوف يتعلق بالانكشاف، وفقدان المسافة التي تحمي الفرد من الذوبان في الآخر.

 MICHAL CIZEK / AFP
عالم الاجتماع والفيلسوف البريطاني من أصل بولندي زيغمونت باومان خلال منتدى "فوروم 2000" في براغ، 2012

لكن المفهوم الأقدر على تفسير هذا التحول الاجتماعي، والأقرب إلى روح السينما الحديثة، هو ما صاغه زيغمونت باومان في حديثه عن "الحب السائل" ضمن إطار مشروع "الحداثة السائلة". يرى باومان أن بنية العلاقات فقدت صلابتها، فالعلاقات في العالم السائل تفضل ما دامت قابلة لفك الارتباط، أو قابلة للانسحاب السريع، وبأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية، في ما أطلق عليه "علاقات الجيب العلوي".

هذا المنطق يتقاطع بعمق مع التحول السينمائي الذي بدأ يتبلور منذ ستينات القرن الماضي، فالشخصيات صارت تبحث عن علاقة لا تقيد أكثر مما تبحث عن علاقة سليمة. كما أنها لم تعد تخشى الوحدة بمقدار ما تخشى الثبات. بحيث يصبح الالتزام، كما يصوره باومان، مخاطرة غير محسوبة، لأنه يفترض ثباتا في عالم بني على التغير والتبدل الدائم والسريع. السينما بدورها التقطت هذا القلق كفكرة مجردة، باعتباره إحساسا زمنيا يطبع السرد العلائقي الحديث.

لهذا لا تبدو أفلام العلاقات الحديثة أفلام حب فاشلة، بقدر ما هي أفلام راصدة لحالة الحذر الوجودي والخوف من الثبات، فالشخصيات الفيلمية أصبحت تتصرف داخل شروط الحب السائل، ترغب، ثم تقترب، ثم تختبر، لكنها تتجنب تحويل تلك الرغبة إلى عقد طويل، لأنها في الأساس لم تعد تثق في صلابته. الالتزام في هذا السياق، يعاد النظر فيه لكونه مخاطرة لم يعد الإنسان المعاصر يحتملها.

يصبح الالتزام مخاطرة غير محسوبة، لأنه يفترض ثباتا في عالم بني على التغير والتبدل الدائم والسريع

ما يهم هنا هو أن السينما حولت النظرية الضاغطة إلى تجربة حسية. فبدلا من أن تقول إن العلاقات صارت سائلة، جعلتنا نراها وهي تنزلق أمامنا. وبدلا من أن تشرح معنى الخوف من القرب، جعلتنا نشعر بثقل الصمت وآثار التردد بشكل بصري. يمكن القول إن السينما منحت الخوف من الالتزام صيغة جمالية، وحولته من عارض انفعالي إلى بنية فنية وجمالية، يتقاطع فيها البعد النفسي، والبعد المجتمعي، مع البعد الفلسفي.

النموذج المثالي

لا يقدم فيلم يواكيم تراير، "أسوأ شخص في العالم"The Worst Person in the World  ،(2021) الخوف من الالتزام بوصفه أزمة عاطفية عابرة، ولا يضع شخصيته الرئيسة جول في موقع الاتهام أو التبرير. على العكس تماما، الفيلم منذ لحظاته الأولى يفترض هذا الخوف كـشرط وجودي مسبق، لا يحتاج إلى تفسير بل إلى تتبع. جولي لا تعرف من خلال علاقة واحدة، ولا من خلال مسار مهني واضح، ولا رغبة ثابتة. هي شخصية دائمة الحركة، لأنها ترفض بوضوح أن تختزل في تعريف واحد وثابت لوجودها، وهذا الرفض الدائم يتحول مع تسارع الفيلم إلى ما يشبه التعريف الجديد لشخصيتها.

مشهد من فيلم "أسوأ شخص في العالم"

ما يميز هذا الفيلم عن كثير من أفلام العلاقات المعاصرة، ويجعله نموذجا مثاليا لما نحاول إثباته أو تحليله هنا، هو أن الخوف من الالتزام في شخصية جولي مبدأ فلسفي لا عارض نفسي. فالفيلم نفسه يتشكل على هيئة فصول، وكل فصل يعبر عن مرحلة من مراحل فهم الذات لنفسها. كما أن كل فصل يمنح الشخصية هوية جديدة محتملة، ثم يسحبها منها بهدوء، كأن السرد الحكائي يود أن ينقل إلينا رسالة مفاهيمية مفادها أن الهوية قد تعرف من خلال علاقتها بالآخر، وأنها على الدوام قابلة للنقض والتبديل المستمر، طالما كانت قادرة على تبديل هذا الآخر.

في هذا الإطار، تبدو تنقلات جولي بين تخصصات دراسية، وعلاقات عاطفية، وحالات مزاجية، تعبيرا عن وعي حاد بزيف الثبات، فالالتزام سواء كان عاطفيا أو مهنيا، يصور من خلال فصول الفيلم كعقد طويل الأمد في عالم لا يضمن الوفاء بشروط الشخصية. ومن هنا يصبح التردد ثم الهروب شكلين من أشكال الدفاع والحذر الوجودي.

اللافت أن الفيلم لا يمنح الشخصية طابعا مأسويا. على العكس، ثمة خفة واضحة، ومرح في طريقة التناول، فجولي ليست شخصية مكتئبة بطبعها، ولا تعيش صراعا داخليا صاخبا، إنها تبدو في كثير من الأحيان متصالحة مع عدم حسمها، وهذا ما يجعل الفيلم قريبا وعلى نحو واضح من أطروحات باومان حول الحب السائل، فالعلاقات في الفيلم مؤقتة ومصممة لتبقى قابلة للانفصال الناعم، وليست فاشلة بالضرورة.

فيلم يعترف بحقيقة قلق الالتزام كمعطى فلسفي معاصر، لا يمكن تجاوزه بالوعظ، ولا حله بالحبكة

أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، هو المشهد الذي يجمد فيه الزمن، فيما تركض جولي عبر المدينة لتصل إلى حبيبها الجديد. ظاهريا يبدو المشهد احتفاء بالرغبة، وانتصارا للحظة العاطفية. لكن ما يضمره المشهد أعمق من ذلك بكثير، فالزمن يتوقف فقط حين تعلق تبعات الاختيار، وما إن يعود الزمن إلى حركته الطبيعية، حتى نرى ضغط الاختيار يعود، ويعود معه سؤال الالتزام بكل ثقله، وكأن الفيلم يريد أن يخبرنا بأن الرغبة ممكنة فقط خارج الزمن الاجتماعي، أما الاستمرار والثبات فإنهما مشروطان بالخسارة.

تقاس العلاقات في هذا الفيلم بمدى قدرتها على تأجيل الانغلاق وغلق الأقواس. الشخصية لا تبحث عن الشخص المناسب، إنما عن الصيغة الأقل تقييدا للوجود المشترك. وحين تفشل هذه الصيغة، يتحول القلق الوجودي من مأساة أخلاقية، إلى لحظة إدراك أن الالتزام في عالم سريع التحول، ليس هو الخيار الأنسب.

من هنا يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره أحد أهم وأكثر الأفلام المعاصرة وعيا بتحويل الخوف من الالتزام إلى لغة سينمائية كاملة، لغة تتكون من فصول تعبر عن الأفكار الفلسفية، بدلا من المسارات التطورية للشخصية، ومن لحظات ضاغطة بدلا من النتائج الجاهزة، ومن شخصيات تعيش داخل السؤال لا خارجه. إنه فيلم يعترف بحقيقة قلق الالتزام كمعطى فلسفي معاصر، لا يمكن تجاوزه بالوعظ، ولا حله بالحبكة.

font change

مقالات ذات صلة