استقر الضمير الإنساني، منذ منتصف القرن الماضي، على يقين ظنه الجميع نهائيا، أن ثمة قاعا للهمجية لا يمكن النزول إليه مرة ثانية. كانت معسكرات الاعتقال النازية في أوشفيتز وبوخنفالد حد ذلك القاع: أبواب تطبق على بشر جردوا من أسمائهم وأحيلوا إلى أرقام، وعنابر تكدس فيها الأجساد حتى يختنق الهواء، وجثث تترك عمدا لتهين الأحياء قبل أن يكرهوا على مواراتها بأيديهم. ومن تحت ركام تلك المحارق نهضت البشرية لتقطع على نفسها عهدا صاغته في اتفاقيات جنيف وميثاق منع الإبادة وميثاق الأمم المتحدة الذي قطع على نفسه مهمة إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب. عهد اختصره العالم في كلمتين: "لن تتكرر" (Never Again) وهو العهد الذي كرره العالم مجددا بعد فظائع رواندا في تسعينات القرن الماضي.
غير أن هذا العهد الذي قطعته شعوب الأمم المتحدة على نفسها في لحظة الصدمة يبدو أنه يضيع الآن في متاهات النسيان. والرسالة التي رفعتها البعثة الدائمة لجمهورية السودان إلى رئاسة مجلس الأمن في الثاني عشر من يونيو/حزيران 2026 لم تكن مجرد شكوى عابرة في خضم حرب طاحنة، بل وثيقة دامغة، تحكي كيف يعاد إنتاج فظائع المحرقة حجرا بحجر وحرفا بحرف، في قلب القارة الأفريقية، وعلى مرأى من عالم متواطئ بالصمت، يواصل التذرع بحجج خاوية لا تستر عجزه ولا تخفي تقاعسه. فمن الاعتقال الجماعي على أساس الهوية، والتجويع الممنهج حتى الموت، وجثث تترك لتتفسخ في الأفنية، ثم- حين يبلغ الرعب منتهاه- إتجار بالأعضاء البشرية للأسرى، والمدافن السرية لما يتبقى من أجسادهم داخل أسوار المعتقلات طمسا للأثر. وليست هذه استعارات تستدعى للتهويل، إنها وقائع على الجرائم التي ترتكبها ميليشيا "الدعم السريع" وتسندها شهادات الناجين وصور الأقمار الاصطناعية وتقارير الأمم المتحدة واعتراف الجاني نفسه.
داخل منظومة الاعتقال الجماعي
توثق رسالة البعثة السودانية لنحو تسعة عشر ألفا وثمانمئة معتقل وأسير في سجن دغريس بنيالا وحده، بينهم آلاف من المدنيين ومئات من النساء وأطفال دون الثامنة عشرة. ولم تنفرد الحكومة السودانية بهذه الأرقام، فـ"المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام" وثق احتجاز ما لا يقل عن ستمئة وثلاث وأربعين امرأة في سجن "كوريا" بنيالا، وأحصت "شبكة أطباء السودان" مئات المدنيين في معتقلات الفاشر، بينهم أربعمئة وستة وعشرون طفلا وثلاثمئة وسبعون امرأة. وما يضع هذه الشهادات فوق مرتبة الادعاء أن قائد الميليشيا ذاته أقر علنا بأن "السجون ممتلئة، حتى سجن دغريس في نيالا ممتلئ تماما"، وهو إقرار يحول الاعتقال الجماعي من حادثة عارضة إلى سياسة معلنة. كما وثقت تقارير قيام طواقم صربية وكولومبية بنزع الأعضاء البشرية لهؤلاء الأسرى ثم حفظها وترحيلها بغرض الإتجار بها! وسابقا كانت شهادات عمال الإغاثة الإنسانية قد وثقت أن ميليشيا "الدعم السريع" قد قامت بسحب دماء المواطنين في الفاشر قسرا عند محاولتهم مغادرة المدينة.


