من يتابع تصريحات صدام حفتر الأخيرة سيقع على عبارات مثل: الشراكة، المصالح المشتركة، ليبيا الموحدة، السلاح تحت سلطة الدولة. كلام يبدو وكأنه يخرج من شخصية مدنية تقدم نفسها للشعب، لا من فم رجل كان يقود قوة مسلحة خارج أي سلطة منتخبة، مثل قوات طارق بن زياد التي تعمل من الناحية العملية كجيش مستقل داخل جيش، بإمرة رجل واحد، لا تحت سقف دولة.
لكن ربما هذا بالضبط هو المشروع: أن تتحوّل القوة العسكرية إلى شرعية سياسية. والرجل الذي كان قبل سنوات قليلة قائد كتيبة في بنغازي بات اليوم الوريث المحتمل لرئاسة ليبيا شرقها وغربها. وهو ما أسهمت فيه عوامل عدة، على الرغم من الانتهاكات المنسوبة إليه. إذ تبدأ قصة صعوده من داخل أسرته، بعيدا عن الخلافات المُشاعة، وتمر عبر النفط وشبكة علاقاته الإقليمية الواسعة.
من هو صدام ليبيا؟
بحسب مصادر متعددة، وُلد صدام خليفة حفتر في بنغازي عام 1991 وهو أصغر أبناء خليفة حفتر. وتشير عدة روايات إلى أن والده اختار له اسم "صدام" تيمنا بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في انعكاس لميوله القومية العربية آنذاك. نشأ في ظل غياب والده، الذي كان يقيم في منفاه بالولايات المتحدة خلال سنوات حكم معمر القذافي، بينما بقيت الأسرة في ليبيا حتى عودته عام 2011.
وفي مارس/آذار 2024، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر، في خطوة رأى فيها بعض المراقبين محاولة لتعزيز صورته المؤسسية وإضفاء مزيد من الشرعية على دوره العسكري والسياسي المتنامي، أكثر من كونها امتدادا لمسار عسكري تقليدي.
صعد بسرعة مذهلة بعد عام 2016 حين عُيِّن قائدا للواء طارق بن زياد في معركة بنغازي التي أرست سيطرة والده على المدينة. ومن هناك، أخذ يتدرج بلا توقف: من رئاسة أركان القوات البرية عام 2024، ثم ترقيته إلى رتبة فريق أول، فتعيينه نائبا للقائد العام في أغسطس/آب 2025 بقرار مباشر من الأب. ورافق ذلك تعديل في قواعد الجيش يفتح الباب أمام توليه القيادة العامة كاملة مستقبلا. واعتبر كثيرون هذا الصعود ليس ترقية عسكرية عادية، بل رأوه توريثا منظَّما يجري على مرأى الجميع، وهو ما أوضحه صدام صراحة حين تحدث عن نيته الترشح لرئاسة ليبيا إذا أُجريت الانتخابات.
ثلاثة أبناء... ثلاثة مسارات... وهدف واحد
كثُر الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن خلافات داخل أسرة حفتر نفسها، وتنافس محتدم بين الأبناء حول النفوذ والخلافة وقد ظهرت روايات عدة تتحدث عن هذا الخلاف باعتباره حقيقة قائمة، سببها أن صدام هو الشقيق الأصغر بينما خالد وبلقاسم أكبر منه، فلماذا يكون هو القائد؟ غير أن مصدرا حكوميا مقربا من الأسرة تحدث معي يرفض هذه الرواية جملة وتفصيلا. يقول بوضوح: "لا وجود لهذه الخلافات. وما يبدو للعين المراقبة تنافسا بين الأبناء ليس سوى تقسيم أدوار مدروس، يضع كلا منهم في مهمة كبيرة تخدم هدفا مشتركا واحدا": أن يكون أحدهم رئيسا لليبيا. المنطق في نظره بسيط: ما الذي يجنيه الإخوة من الاقتتال على نفوذ أبيهم، في حين أن التعاون بينهم قد يوصل أحدهم إلى قمة الدولة بأسرها؟ الخلاف ليس خيارا عقلانيا وليس مفيدا بل هو السلاح الذي يحاول أعداء حفتر توظيفه حجرَ عثرة في طريق الأسرة.
وتدعم هذه القراءة رأي مسؤول دولي سابق رفيع المستوى، عمل سنوات في الملف الليبي، إذ يرى أن قرار الخلافة حُسم منذ زمن: "لقد قرّر هذا بالفعل. وزّع خليفة مؤسسته على أبنائه بين الاقتصاد والسلطة. القرار اتُّخذ منذ زمن".
وبالفعل، فإن خليفة حفتر الذي تجاوز الثمانين ويعاني تدهورا صحيا واضحا، وزّع أدوار أبنائه الثلاثة بعناية: صدام في الواجهة العسكرية والدبلوماسية، وخالد على ملف الأمن الداخلي، وبلقاسم على رأس صندوق التنمية الذي يدير مليارات لإعادة إعمار درنة وهذا التوزيع يعتبر استراتيجية عائلية محكمة للسيطرة.


