هل تدخل ليبيا عصر الغاز؟

اكتشافات جديدة واستثمارات بمليارات الدولارات تعيد رسم خريطة الطاقة الليبية

رويترز
رويترز
منشأة مليتة للنفط والغاز في مدينة مليتة، الواقعة على بُعد 80 كيلومترا غرب طرابلس، 6 سبتمبر/أيلول 2011

هل تدخل ليبيا عصر الغاز؟

لطالما ارتبط اسم ليبيا بالنفط. فالذهب الأسود عمود فقري للاقتصاد الليبي منذ اكتشاف أول الحقول التجارية أواخر خمسينيات القرن الماضي. وهو مصدر أكثر من 95 في المئة من عائدات التصدير والإيرادات العامة.

وفي 21 يونيو/حزيران الماضي، أعلن مسعود سليمان، ​رئيس مجلس ‌إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، أن إنتاج النفط ⁠الخام وصل ​إلى 1.44 مليون ​برميل يوميا، وهو أعلى مستوى منذ ​عام 2013. وقد اقترب من ⁠تحقيق الاستراتيجيا التي كانت أعلنتها المؤسسة، ​والرامية ⁠إلى إنتاج 1.5 مليون ​برميل يوميا ​من ⁠النفط الخام.

وفي إطار إعادة فتح قطاع الطاقة أمام الاستثمارات الأجنبية، أطلقت ليبيا في مارس/آذار 2025 أول جولة تراخيص لاستكشاف النفط والغاز منذ عام 2007، قبل أن تعلن في فبراير/شباط 2026 منح الامتيازات لعدد من كبرى الشركات العالمية، من بينها "شيفرون" و"إيني" و"قطر للطاقة" و"ريبسول" الإسبانية و"مول" (MOL) الهنغارية و"شركة البترول التركية" (TPOC) و"أيتيو" النيجيرية، في مؤشر الى عودة الثقة بإمكانات قطاع الهيدروكربونات الليبي على الرغم من استمرار الانقسام السياسي. ووقّعت ليبيا في شهر يناير/كانون الثاني الماضي اتفاقية مدتها 25 عاما لتطوير قطاع النفط مع شركتَي "توتال إنرجيز" و"كونوكو فيليبس".

بدأ إنتاج الغاز في ليبيا على مراحل، لكن يمكن التمييز بين ثلاث محطات رئيسة، هي إنتاج الغاز المصاحب للنفط، ودخول ليبيا نادي مصدري الغاز، من ثم بداية الغاز البحري والتصدير عبر الأنابيب

وتعكس عودة الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة الليبي أيضا تحركات واشنطن. وقد أكد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أن الإدارة الأميركية تدفع في اتجاه توحيد المؤسسات الليبية تحت حكومة واحدة، بالتزامن مع تشجيع شركات النفط الأميركية على الاستثمار في ليبيا، قائلا: "خطتنا هي تشكيل حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات الليبية".

ولا يمكن إغفال أن النفط والغاز في ليبيا يمثلان مفارقة فريدة. فهما أكثر القطاعات تعرضا للتجاذبات السياسية، لكنهما في الوقت نفسه أكثرها توحيدا للدولة. فعلى الرغم من الانقسام والتجاذبات بين الحكومات والمؤسسات، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط والإيرادات النفطية تمثلان الإطار الاقتصادي الوحيد الذي يعتمد عليه جميع الأطراف. وجعل ذلك الطاقة تتحول من مورد طبيعي إلى "عقد اقتصادي غير مكتوب" بصيغة ما، منع إلى حد ما انهيار الدولة، حتى عندما تعجز القوى السياسية عن الاتفاق على معظم الملفات الأخرى. إلا أن التطورات التي يشهدها قطاع الطاقة خلال العامين الأخيرين تثير تساؤلا حول ما إذا بدأ مركز الثقل يميل تدريجيا من النفط إلى الغاز الطبيعي؟

رويترز
حقل البوري النفطي، الواقع على بعد نحو 70 ميلا بحريا شمال الساحل الليبي، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2017

قد يبدو السؤال مفاجئا بالنسبة لدولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا بنحو 48 مليار برميل، إلا أن المؤشرات الأخيرة توحي بأن مستقبل الطاقة الليبية قد يغيّر المسار المعهود.

ليبيا تنتج الغاز منذ الستينات… فماذا تغير الآن؟

خلال العقود الماضية، كان يُنظَر إلى الغاز في ليبيا باعتباره منتجا ثانويا يخدم محطات الكهرباء المحلية، بينما كان النفط يمثل المصدر الرئيس للإيرادات والصادرات. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير مع تبدل خريطة الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية - الأوكرانية. فأصبحت أوروبا تبحث عن مصادر غاز قريبة وأكثر استقرارا. وهو ما أعاد ليبيا إلى دائرة الاهتمام بفضل موقعها الجغرافي، وامتلاكها خط أنابيب مباشرا إلى إيطاليا، واحتياطيات ضخمة غير مستغلة.

بدأ إنتاج الغاز في ليبيا على مراحل، لكن يمكن التمييز بين ثلاث محطات رئيسة، هي إنتاج الغاز المصاحب للنفط، ودخول ليبيا نادي مصدري الغاز، من ثم بداية الغاز البحري والتصدير عبر الأنابيب.

تتجلى المرحلة الأولى مع بدء إنتاج النفط تجاريا عام 1961، عندها بدأ أيضا استخراج الغاز المصاحب (Associated Gas) من الحقول النفطية. لكن معظمه كان يُستخدم محليا أو يُحرق بسبب محدودية البنية التحتية وغياب أسواق تصدير له.

تقدر احتياطيات ليبيا المؤكدة من الغاز الطبيعي بنحو 53 تريليون قدم مكعبة (1.5 تريليون متر مكعب)، مما يجعلها خامس أكبر احتياطي في أفريقيا. إلا أن جانبا كبيرا من هذه الموارد ظل غير مستغل بالشكل الأمثل نتيجة سنوات الانقسام السياسي

بعد ذلك، شهدت ليبيا نقطة تحول مهمة إذ أنشأت في سبعينيات القرن الماضي، أحد أوائل مصانع تسييل الغاز الطبيعي في العالم في مرسى البريقة، وذلك بعد تجارب مماثلة في الجزائر والولايات المتحدة. وصُمم المصنع لمعالجة الغاز المصاحب المستخرج من حقول زلطن والعقيلة ولهيب والجبل، والذي كان يُنقل عبر خط أنابيب بطول 170 كيلومترا إلى منشأة البريقة.

أ.ف.ب
محطة مليتة للنفط والغاز في ضواحي مدينة زوارة بغرب ليبيا، 6 يناير/كانون الثاني 2015

وشكّل عام 2004 نقطة التحول الرئيسة في صناعة الغاز الليبية مع دخول مشروع غرب ليبيا للغاز (Western Libya Gas Project)، الذي طورته شركة "إيني" بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط، مرحلة التشغيل التجاري. وضم المشروع تطوير حقلي بحر السلام البحري والوفاء البري، وإنشاء مجمع مليتة لمعالجة وضغط الغاز، إلى جانب تشغيل خط أنابيب "غرين ستريم" الذي بدأ ضخ الغاز إلى إيطاليا في أكتوبر/تشرين الأول 2004. وقد صُمم الخط بطاقة نقل أولية تبلغ نحو 8 مليارات متر مكعب سنويا، مما جعل ليبيا لأول مرة موردا مباشرا للغاز الطبيعي إلى السوق الأوروبية، ورسّخ مكانتها كأحد منتجي الغاز في حوض البحر المتوسط.

وتقدر احتياطيات ليبيا المؤكدة من الغاز الطبيعي بنحو 53 تريليون قدم مكعبة (1.5 تريليون متر مكعب)، مما يجعلها خامس أكبر احتياطي في أفريقيا. إلا أن جانبا كبيرا من هذه الموارد ظل غير مستغل بالشكل الأمثل نتيجة سنوات الانقسام السياسي، وضعف الاستثمارات، وتعطل مشاريع التطوير والاستكشاف.

لكن عام 2026 يُعتَبر عام تحوّل آخر في ليبيا إذ يشهد عددا من الأنشطة البارزة التي تسهم في تغيير مسار الدولة نحو إنتاج الغاز.

يهدف المشروع الجديد إلى مواجهة التراجع الطبيعي في إنتاج حقل بحر السلام عبر رفع كفاءة استخلاص الغاز من المكامن المنخفضة الضغط، الأمر الذي سيضيف نحو 800 مليون متر مكعب من الغاز سنويا

ففي 29 يونيو/حزيران المنصرم، أعلنت شركة "إيني" الإيطالية، بالشراكة مع المؤسسة الوطنية للنفط عبر مشروعهما المشترك "مليتة للنفط والغاز"، نجاح بدء الإنتاج الهيدروكربوني الذي أتاحه مشروع ضغط صبراتة (Sabratha Compression Project). وهو مشروع استراتيجي بحري يهدف إلى الحفاظ على إنتاج الغاز وزيادته من حقل بحر السلام، الواقع على بعد نحو 100 كيلومتر من الساحل الليبي.

ويتضمن المشروع تركيب وحدة ضغط جديدة تزن نحو 1,600 طن على منصة صبراتة، مزودة أنظمة ضغط حديثة توفر طاقة ضغط إجمالية تبلغ نحو 440 مليون قدم مكعبة قياسية يوميا.

رويترز
محطة مليتة للغاز والنفط بالقرب من منطقة زوارة، ليبيا، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2017

ويهدف المشروع إلى مواجهة التراجع الطبيعي في إنتاج حقل بحر السلام عبر رفع كفاءة استخلاص الغاز من المكامن المنخفضة الضغط، الأمر الذي سيضيف نحو 800 مليون متر مكعب من الغاز سنويا، فضلا عن زيادة إنتاج المكثفات الغازية. وتراهن ليبيا على هذه الزيادة لتلبية الطلب المحلي المتنامي على الكهرباء، مع توسيع صادراتها إلى السوق الإيطالية، بما يعزز مكانتها كمورد إقليمي للغاز الطبيعي. سيسهم المشروع أيضا في دعم متانة البنية التحتية لقطاع الغاز في ليبيا.

وفي الوقت نفسه، يجري تنفيذ مشروعين استراتيجيين آخرين في ليبيا، هما مشروع الاستفادة من غاز حقل البوري (Bouri Gas Utilization Project)، الذي دخل مرحلة الربط والتشغيل بعد تركيب وحدة استعادة الغاز، ومشروع Structures A&E، الهادف إلى تطوير حقلين بحريين للغاز.

وتعمل "إيني" في ليبيا منذ عام 1959، وتعد أكبر شركة طاقة دولية عاملة في البلاد، إذ بلغ متوسط إنتاجها من حصتها نحو 162 ألف برميل من النفط المكافئ يوميا خلال عام 2025، بينما تنفذ حاليا ثلاثة مشاريع تطوير باستثمارات إجمالية تقارب 10 مليارات دولار.

أين تقع قوة ليبيا الغازية؟

يتركز إنتاج الغاز في ليبيا حاليا في ثلاثة حقول رئيسة تشكل ركيزة للقطاع، يتصدرها حقل بحر السلام، أكبر حقل غاز بحري في البلاد، الذي يغذي مجمع مليتة لمعالجة الغاز وخط أنابيب "غرين ستريم". وبدأ الحقل الإنتاج التجاري عام 2005، ويشهد حاليا توسعات متتالية.

يتركز إنتاج الغاز في ليبيا حاليا في ثلاثة حقول رئيسة تشكل ركيزة للقطاع، يتصدرها حقل بحر السلام، أكبر حقل غاز بحري في البلاد، الذي يغذي مجمع مليتة لمعالجة الغاز وخط أنابيب "غرين ستريم"

وفي مارس/آذار الماضي، أعلنت شركة "إيني" تحقيق اكتشافين جديدين للغاز الطبيعي في ليبيا، وذلك في إطار حملة استكشافية أطلقتها خلال الأشهر الماضية.

وجاء الاكتشافان في تركيبتين جيولوجيتين متجاورتين هما بحر السلام الجنوبي 2 (BESS 2) وبحر السلام الجنوبي 3 (BESS 3)، بعد نجاح حفر البئرين B2-16/4 وC1-16/4، اللتين تقعان على بعد نحو 85 كيلومترا من الساحل الليبي وفي مياه يبلغ عمقها نحو 650 قدما. وأوضحت الشركة أن البيانات التي جُمعت تظهر أن المكمن يتمتع بجودة عالية، فيما أكدت اختبارات الإنتاج التي أُجريت على البئر الأولى قدرتها الإنتاجية.

ديانا إستيفانيا روبيو

وتشير التقديرات الأولية إلى أن هيكلي BESS 2 وBESS 3 يحتويان معا على أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز في باطن الأرض (Gas in Place). ونظرا لقربهما من حقل بحر السلام، فإن تطويرهما سيتم بسرعة من خلال ربطهما بالمنشآت البحرية القائمة، على أن يُوجَّه الغاز المنتج لتلبية احتياجات السوق الليبية، إضافة إلى تصديره إلى إيطاليا.

ويأتي حقل الوفاء، الواقع في حوض غدامس جنوب غرب ليبيا بالقرب من الحدود الجزائرية، باعتباره أحد أهم حقول الغاز البرية في البلاد، ويشكل مع حقل بحر السلام المصدرين الرئيسين للغاز في مشروع غرب ليبيا للغاز (Western Libya Gas Project). ويُنقل الغاز المنتج من الحقلين إلى مجمع مليتة لمعالجته، قبل تلبية احتياجات السوق المحلية أو تصديره إلى إيطاليا، وذلك من خلال شركة مليتة للنفط والغاز، المشروع المشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة "إيني" الإيطالية.

تُعد إيطاليا المستفيد الأوروبي الأول من الغاز الليبي، إذ توفر نحو خمس إجمالي واردات روما من النفط الخام

ويشهد حوض غدامس عودة نشاط الاستكشاف بعد سنوات من الجمود. ففي أبريل/نيسان 2026، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط اكتشافا جديدا للنفط والغاز بالتعاون مع شركة "سوناطراك" الجزائرية في البئر الاستكشافية A1-69/02، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومترا من حقل الوفاء. وأظهرت اختبارات البئر تدفقات بلغت نحو 13 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميا، إلى جانب 327 برميلا يوميا من المكثفات. كما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تحقيق اكتشاف جديد بالتعاون مع الفرع الليبي لشركة "ريبسول" في آبار استكشافية ضمن حوض مرزق، الواقع على بعد نحو 800 كيلومتر جنوب العاصمة طرابلس. وأظهرت اختبارات الإنتاج التي أُجريت بعد الحفر تدفقا بلغ 763 برميلا من النفط يوميا، وفقا للمؤسسة.

أوروبا... المحرك الحقيقي

بعد الحرب في أوكرانيا، أصبح تنويع مصادر الغاز أولوية أوروبية. فالقارة الأوروبية خفضت اعتمادها على الغاز الروسي، وتسعى إلى تنويع مصادرها عبر النروج والجزائر وأذربيجان والغاز الطبيعي المسال، فيما تبرز ليبيا كأقرب مصدر يمكن زيادة إمداداته عبر بنية تحتية قائمة بالفعل.

ويمثل خط "غرين ستريم"، الممتد من مليتة إلى جزيرة صقلية الإيطالية، أهم أصول ليبيا الاستراتيجية في هذا المجال، إذ تصل طاقته التصميمية إلى نحو 8–11 مليار متر مكعب سنويا، بينما لا تزال الكميات المصدرة أقل بكثير من هذه القدرة بسبب محدودية الإنتاج والطلب المحلي والانقطاعات المتكررة.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة ورئيسة الوزراء الإطالية جورجيا ميلوني، يشهدان توقيع اتفاقيات بين البلدين، في مدينة طرابلس، ليبيا، 28 يناير/كانون الثاني 2023

وتُعد إيطاليا المستفيد الأوروبي الأول من الغاز الليبي، إذ توفر نحو خمس إجمالي واردات روما من النفط الخام. في المقابل، تراجعت صادرات الغاز الليبي إلى إيطاليا إلى نحو مليار متر مكعب في عام 2025، مقارنة بـ1.4 مليار متر مكعب في عام 2024. ويُعزى هذا التراجع بشكل رئيس إلى قيود داخلية على جانب الإمدادات في ليبيا، شملت ارتفاع الطلب المحلي على الغاز، وتكرار الاضطرابات في البنية التحتية، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، مما تسبب بتشغيل خط أنابيب "غرين ستريم" بأقل من طاقته الاستيعابية.

وخلال لقاء رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة في مايو/أيار 2026، أكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، بينما شددت روما على ضرورة زيادة الاستثمارات لرفع إنتاج الغاز الليبي وصادراته إلى إيطاليا، خاصة أن ليبيا لا تحتاج سوى إلى زيادة الإنتاج واستقرار الإمدادات.

بينما تسعى ليبيا إلى ترسيخ مكانتها كمورد إقليمي للغاز وجذب استثمارات جديدة، فإن قضايا الفساد والتهريب تظل أحد أبرز الاختبارات أمام هذا الطموح

وترى المؤسسة الوطنية للنفط أن ليبيا تستهدف رفع إنتاج الغاز إلى نحو مليار قدم مكعبة يوميا خلال السنوات المقبلة، بهدف زيادة الصادرات إلى أوروبا في حلول مطلع العقد المقبل، في إطار مساعي القارة لتنويع مصادرها بعيدا من روسيا.

وعلى الرغم من أن معظم الغاز الليبي يتجه إلى السوق المحلية أو إلى إيطاليا، فإن زيادة إنتاجه تضيف إمدادات جديدة إلى السوق العالمية، وهو ما يساعد في تخفيف الضغوط على أسواق الغاز، خاصة في فترات التوتر الجيوسياسي. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF) استمرار نمو الطلب العالمي على الغاز، ولا سيما في آسيا، مع استمرار التحول من الفحم إلى الغاز في إنتاج الكهرباء.

ويبقى الانقسام السياسي...

وعلى الرغم من الزخم والدعم ، يبقى مستقبل الغاز الليبي مرهونا بعامل لم يتغير منذ أكثر من عقد: الانقسام السياسي والفساد وغياب الشفافية. فالخلافات بين المؤسسات المتنافسة على السلطة، والنزاعات حول توزيع الإيرادات، والإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ، كلها عوامل عطلت مشاريع بمليارات الدولارات وأضعفت ثقة المستثمرين. كما أن العديد من مشاريع البنية التحتية، بما فيها خطوط نقل الغاز وبعض المنشآت الساحلية، تأخر تنفيذها سنوات طويلة نتيجة عدم الاستقرار الأمني والإداري، وهو ما يفسر الفجوة الكبيرة بين حجم الاحتياطيات الليبية ومستوى الإنتاج الفعلي.

رويترز
مقر المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، طرابلس، 14 يوليو/تموز 2022

ولا بد من الإشارة إلى نجاح المؤسسة الوطنية للنفط خلال العامين الماضيين في إعادة الزخم إلى القطاع، إلا أن استمرار هذا المسار يتطلب استقرارا سياسيا يسمح بتنفيذ الاستثمارات الطويلة الأجل، لأن صناعة الغاز تختلف عن النفط، فهي تعتمد على مشاريع معقدة وخطوط أنابيب ومحطات معالجة تحتاج إلى سنوات من العمل ورؤوس أموال ضخمة.

وبينما تسعى ليبيا إلى ترسيخ مكانتها كمورد إقليمي للغاز وجذب استثمارات جديدة، فإن قضايا الفساد والتهريب تظل أحد أبرز الاختبارات أمام هذا الطموح. إلا أن السلطات القضائية الليبية ألقت في 28 يونيو/حزيران الماضي، القبض على عدد من كبار المسؤولين في قطاع النفط، بينهم مسؤول المبيعات في شركة البريقة لتسويق النفط ومديرو خمس شركات لتوزيع المحروقات، على خلفية شبهات فساد تتعلق بسوء إدارة منظومة توزيع الوقود والإضرار بالمال العام. 

توحي المؤشرات الحالية بأن الغاز قد يصبح القطاع الأسرع نموا والأكثر أهمية استراتيجيا. فبين الطلب الأوروبي المستمر، والمشروعات البحرية الجديدة، والاستثمارات الأجنبية المتزايدة، تمتلك ليبيا فرصة نادرة للتحول من دولة تعتمد على تصدير النفط الخام إلى لاعب رئيس في سوق الغاز الإقليمية

وأظهرت التحقيقات وجود مخالفات شملت تزويد جهات غير مرخص لها وشبكات تهريب كميات من الوقود، وتحويل مسارات الإمداد المخصصة للسوق المحلية، فضلا عن رصد أجهزة تتبع لشاحنات الوقود خارج الحدود الليبية، بما يُرجح استخدامها في عمليات تهريب. كما وُجهت إلى مسؤول المبيعات اتهامات باستغلال منصبه لتمكين جهات خاصة من الحصول على الوقود المدعوم بصورة غير قانونية.

أ.ف.ب
عناصر من قوات الأمن الليبية التابعة للمشير خليفة حفتر يتمركزون على متن شاحنات صغيرة مزودة مدافع رشاشة، خارج منتدى ومعرض بنغازي الدولي للنفط والغاز، 2018

فنجاح السلطات في ملاحقة المتورطين في مخالفات توزيع الوقود قد يعزز ثقة المستثمرين في تحسن الحوكمة، لكن استمرار هذه التجاوزات سيبقي المخاطر المؤسسية عاملا مؤثرا في قرارات الشركات العالمية، خاصة في مشاريع الغاز التي تتطلب استثمارات طويلة الأجل واستقرارا تنظيميا وسياسيا.

هل يبدأ عصر الغاز؟

من المبكر القول إن الغاز سيزيح النفط من صدارة الاقتصاد الليبي، فالأخير سيظل المصدر الرئيس للإيرادات لسنوات طويلة.

لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الغاز قد يصبح القطاع الأسرع نموا والأكثر أهمية استراتيجيا. فبين الطلب الأوروبي المستمر، والمشروعات البحرية الجديدة، والاستثمارات الأجنبية المتزايدة، تمتلك ليبيا فرصة نادرة للتحول من دولة تعتمد على تصدير النفط الخام إلى لاعب رئيس في سوق الغاز الإقليمية.

ويبقى التحدي الحقيقي ليس في اكتشاف مزيد من الغاز، بل في بناء بيئة سياسية ومؤسساتية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى صادرات مستقرة وتنمية اقتصادية مستدامة.

font change

مقالات ذات صلة