الشعر الاجتماعي

الشعر الاجتماعي

استمع إلى المقال دقيقة

"إن لغتي محملة بنار اللحظة الطارئة، بأنفاس المجتمع الحارقة، بالسياسة". هكذا تقدم شاعرة الـ "سلام" Slam البلجيكية ليزيت لامبي الكونغولية الأصل التي انتخبت شاعرة بلجيكا الوطنية لمدة عامين 2024 – 2026، نفسها.

يوصف شعراء "السْلام"، بالشعراء الواقفين، كناية عن وقفتهم الشعرية على المنبر عراة من الورق، النص في الرأس والصوت والأداء، ويوصف هذا الشعر الذي ينبت على ضفاف القضايا الاجتماعية الشائكة، بالشعر الاجتماعي.

تهجس ليزيت لامبي بفكرة المكان. أن يكون للفرد مكان بين الآخرين، هي التي نشأت في مدن السكن الاجتماعي المكتظة على أطراف المدن الكبيرة حيث أبناء الضواحي المهمشون. وتهجس بالعدالة وقضايا التمييز ضد الأقليات. وصارت أحد رموز هذه الحركة الشعرية الناطقة بالفرنسية.

يستطيع المتأمل في مشهد "السْلام" أن يلحظ كيف أن شاعرة أو شاعرا مغمورا قد يصبح مرموقا في زمن قياسي قصير. بطل شعبي تنتخبه لجان التحكيم الشعبية في بطولة شعرية من البطولات التي تقام سنويا فيصعد. ويتلقفه جمهور الشباب العريض الذي يدير ظهره لما تقترحه النخبة.

لفن الإلقاء دور محوري في تكوين صورة الشاعر وانتشاره إلى جانب القضية التي يحملها شعره. الحضور هو حامل هذا الدور، هو العامل الحاسم في إيصال النص إلى الجمهور الذي سيرفعه أو سيهمشه. جمهور هذا الشعر الشفهي الجديد ، يتكون في غالبيته من الشباب، فالقضايا الاجتماعية التي يطرحها الشعر بقوة وجرأة وجدية هي قضايا مشتركة. وصارت مفردة "غزة" في السنوات الثلاث الأخيرة إيقاعا على الشفاه.

وصلت حركة "الـسْلام" في التسعينات إلى العالم وأوروبا قادمة من مسقط رأسها في بداية الثمانينت في شيكاغو، حيث أطلقها الشاعر الأميركي مارك كيلي سميث، أرادها للقطع مع كودات الشعر التقليدية. صيغة دينامية في الإيقاع والأداء والتنافس، في فن الكلام والإيقاع. وصارت اليوم من بين الأكثر انتشارا وشهرة في أوساط الشباب، دخلت المدارس والأحياء، وصارت "ترمومترا" مباشرا لقياس حالة شباب الضواحي الذين أبدعوا ايضا في الموسيقى والرياضة والغرافيتي. تيارات إبداعية تتسم كلها بالصدق بحكم مولدها ونشأتها في بيئتها الأم وتمثلها لقضايا هذه البيئة.

ثورة في الأداء والتعبير والعرض والفرجة والمشاركة، شعر اجتماعي يطالب ويرفض ويتفاعل عبر لقائه مع جمهوره. يتخطى الحدود الجغرافية ويسائل التاريخ المفتوح بلا حدود. يضع في الضوء القضايا التي تمس العالم، التمييز العنصري، التعددية وآفاق الهوية، الأزمة الأخلاقية والوجودية، والتطرف والحروب والفقر والظلم والمهاجرين والعنف ضد المرأة والمناخ والبيئة. إنه شعر الطوارئ.

هذه الحركة الشعرية المعاصرة، هي ابنة حاجتها إلى الخروج من الاستلاب والتنميط في كومونات مهمشة وفي مجتمعات تسودها الآلة الاقتصادية الطاحنة


يعكس هذا الشعر صوت اللحظة الراهنة، يتقدم المتسابقون إلى بطولات الشعر هذه ويقدمون شعرا شفهيا مشبعا بالعاطفة والجرح الإنساني، ولإفريقيا مهد الإيقاع، حضور كثيف في هذه  المسابقات .

يعكس تقشف الشعراء والشاعرات في مظهرهم انحيازهم الطبقي الأخلاقي. إنهم أبناء تاريخ من المظالم وحركات التحرر، أبناء تلك الأجيال المنكسرة، الجيل الثالث أو الرابع من أبناء المستعمرات والهجرات والحي والسكن الاجتماعي والمدن المكتظة والضواحي التي خرجت منها الموسيقا الهجينة والشعر الهجين والإيقاع الهجين، عاطفة إنسانية مشتركة وتوق مشترك للمستقبل.

هذه الحركة الشعرية المعاصرة، هي ابنة حاجتها إلى الخروج من الاستلاب والتنميط في كومونات مهمشة وفي مجتمعات تسودها الآلة الاقتصادية الطاحنة المتوحشة وتجنح نحو مزيد من الإغتراب والعنصرية. تتجاور في المشهدية الشعرية اليوم كل الأجناس والأصوات الشعرية، في مشهدية ديموقراطية تعددية تعكس روح الصراع وتلمس الخطر. خطر أحادية التفوق الاقتصادي في مجتمعات تسير نحو الفقر والحاجة، وخطر إقصاء الكلام في نظم الليبيرالية المتوحشة.  

يتجمع الشباب في كومونات في الجامعات والمدارس والأحياء االمدينية خصوصا، ويشتغلون على تشبيك العلاقات بين الأصوات التي ترى التاريخ في دينامية الحركة وتبحث عن دينامية التغيير. وقد فتحت المدارس أبوابها لهم لإقامة ورشات كتابة مع الطلاب وورشات التدريب على الإلقاء والعرض التي تمس شريحة واسعة من الشباب تبحث عن التعبير عن نفسها ، وقد تتحول هذه المشهدية أحيانا إلى نوع من التنفيس في طرح الواقع المعاش.

font change

مقالات ذات صلة