لمصلحة من تستمر الحرب مع إيران؟

المجتمع ليس مع ثنائية الملالي أو ابن الشاه

لمصلحة من تستمر الحرب مع إيران؟

استمع إلى المقال دقيقة

التصعيد الراهن في الحرب الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية، يكشف أن لحظة ما بعد دفن جثة "المرشد" علي خامنئي حملت معها مفارقة سياسية لافتة، إذ إن أكثر من يخاف الهدوء في إيران ليس الشعب الإيراني، بل القوى التي لا تملك مشروعاً حقيقياً داخل المجتمع والدولة. ففي حين يريد جُل الإيرانيين تحقيق المطالب المعيشية من الخبز والعمل والحرية ونهاية الاستنزاف والتنمية الحقيقية، يظهر على طرفي المشهد الداخلي خطابان يبدوان متعارضين، لكنهما يلتقيان عملياً عند نقطة واحدة وهي: الرهان على استمرار أجواء الحرب والتوتر، لضمان البقاء.

الطرف الأول: هو نظام ولاية الفقيه. فهذا النظام يحتاج إلى الخطر الخارجي كي يبرر قبضته الأمنية، ويمنح "الحرس الثوري" موقعاً مهيمنا على مصائر الشعب ومؤسسات الدولة، وبالتالي تأجيل سؤال الداخل المركزي: لماذا ينهار الاقتصاد؟ ولماذا يتسع الفقر؟ ولماذا تُعدم السلطة أبناءها؟ ولماذا لم يعد الناس يثقون بمؤسسات الحكم؟ ولماذا تطغى هيمنة الدين على أي شرعية شعبية مدنية؟

ولأن جُل هذه "اللماذا" الإيرانية مستحقة، والإجابة عليها تبدو واحدة، وهي غريزة البقاء وامتصاص مقدرات البلاد، فإن النظام المهيمن على الناس باسم الدين ومحاربة "الشيطان الأكبر" لا يتعامل مع الحرب بوصفها كارثة وطنية، وسببا لتحطيم الذات الإيرانية، بل باعتبارها فرصة سياسية ثمينة لضمان تكميم الأفواه، ومنح كل من يسأل تدبيرا قضائيا بتهمة الخيانة، وبالتالي إعادة تعبئة الشارع ضد كل سائل عن الخلاص، بتهمة العمالة والخيانة الوطنية. وفي نظام الشرق الاستبدادي حضور مديد لمثل هذا السلوك الذي يعيش على مركزة السلطة بيد حاكم منفرد أو نخبة طاغية، تتحكم بمصائر البلاد وتغيب المؤسسات وتنبذ الديمقراطية.

أما الطرف الثاني: فهو تيار خلق في الخارج ويتمثل في رضا بهلوي ولي عهد الشاه محمد رضا بهلوي الذي أطاحت به ثورة الملالي عام 1979، وهو كما أي معارضة خارجية، بعيد عن الداخل وهمومه، والأصوات التي راهنت على أن التصعيد العسكري أو الضغوط الأجنبية ضد جمهورية الملالي قد تفتح لرضا بهلوي طريقاً مختصراً للعودة إلى السلطة، لا يتجاوز تأثيرها محيط بهلوي نفسه؛ ذلك أن رهانها على فاعلية الحرب والضغوط الاقتصادية لا يكفي، ومشروعها المعارض لا يقوم على تنظيم اجتماعي متماسك داخل إيران، كما لا يتكئ على مشروع ديمقراطي مقنع أو مجرب، بل على حالة انتظار لتدخل خارجي أو ترتيبات دولية تتجاوز إرادة الشعب الإيراني. وهنا يلتقي هذا التيار، رغم عدائه الظاهري للملالي، مع منطق النظام نفسه: فكلاهما لا يثق بقدرة الإيرانيين على صنع التغيير من الداخل، وكلاهما يرى في الخارج طريقاً أسهل إلى البقاء في السلطة أو الوصول إليها.

المجتمع الإيراني ليس مع ثنائية "الملالي أو ابن الشاه". فالغالبية لا تريد استمرار حكم الملالي، ولا تريد عودة سلطة الشاه الدكتاتورية، ولا ترى في الحرب حلاً لمستقبل البلاد وطريق نجاة

العامل الخارجي في تجارب انهيار الأنظمة المستبدة التي ظلت تمثلها اليوم إيران وكوريا الشمالية لا يكفي، وإيران بوصفها حكما ثيوقراطيا شموليا استبداديا، تعتاش على فكرة الهيمنة والاستبداد، وهو أمر يتناقض مع العمق الحضاري والتقدم العلمي لدى العقل الجمعي الإيراني، فكيف طوّع الملالي الشارع للقبول بهم كأولياء معصومين؟ وليس هذا وحسب، بل لهم خُمس مقدرات البلاد!

لذلك فإن أخطر ما يواجه الملالي ليس عقوبات أميركا أو تهديد إسرائيل لهم، أو حربهم مع أميركا وإسرائيل معاً، بل إن الحرب توفر لهم البقاء، فاختراع عدو دائم هو سبيل للبقاء، والعدو الحقيقي لنظام يعود لعصور الظلام والاستبداد، يولد حين ينعدم الخطر الخارجي الحقيقي أو المستدعى أو المتخيل، ويتحرك الشارع وفقاً للعقل وسؤال الحاجة للتقدم وتجاوز الحاضر بكل ما فيه من عقم وظلم وفساد وتأخر وفقر.

والمهم اليوم أن المجتمع الإيراني ليس مع ثنائية "الملالي أو ابن الشاه". فالغالبية لا تريد استمرار حكم الملالي، ولا تريد عودة سلطة الشاه الدكتاتورية، ولا ترى في الحرب حلاً لمستقبل البلاد وطريق نجاة. بل إن ما يريده الناس هو دولة قانون، وحرية، وعدالة اجتماعية، واقتصاد طبيعي، وعلاقات سلمية مع الجوار. ومن هنا يصبح شعار "لا للشاه ولا للملالي" تعبيراً عن وعي سياسي جديد، لا مجرد رفض عاطفي للماضي والحاضر الغارق بمقولات "آخر الزمان".

إيران اليوم يتحكم فيها "الحرس الثوري"، الذي وإن قبل بتعهد رئيس البلاد بنجاح المذكرة الموقعة مع ترمب باعتبارها ضرورة للنجاة، فإنه عاد ولجم حماس الرئيس مسعود بيزشكيان لأخذ موقعه كرئيس، برفع وتيرة التصعيد مع أميركا والجوار العربي في الخليج والأردن. وفي النظام السلطوي المهيمن (كما هي الحال الإيرانية) لا يمكن لأي رئيس عمل بمفرده، فموقع وموقف المجالس الحاكمة للقرار (وهي عديدة في إيران) هو الذي يسود أفق أي رأي، وتقابلها رئاسة أميركية متهورة وقيادة إسرائيلية لا تقل بشاعة أو جنونا عن "المرشد" الإيراني ومحيطة من قيادات "الحرس الثوري". وكلاهما في المعسكرين: الإيراني والأميركي-الصهيوني يستندان لأيديولوجيا متطرفة لضمان البقاء. ولهذا فإدامة الحرب مصلحة للطرفين "المرشد" وجمهور الملالي ومعهما نجل الشاه، وترمب ومعه نتنياهو على الطرف الآخر.

font change