ما نقترفه بحق الترجمة

ما نقترفه بحق الترجمة

اهتمت صحف ومواقع غربية، وبالتبعية مواقع ومنصات عربية، بمقال نشرته مترجمة "الأوديسة" إلى الإنكليزية إميلي ويلسون عن فيلم كريستوفر نولان المقتبس عن "ملحمة هومر". وبصرف النظر عن الاتفاق مع رأيها من عدمه، فإن الاهتمام بكلامها ينطوي على دلالة مهمة: ويلسون تحضر هنا بوصفها المرجعية العليا، حين يتعلق الأمر بمدى عمق أو تفوق أو أمانة الاقتباس. ومع أن هذا لا يتكرر غالبا إلا مع الأعمال الكبرى، على غرار مترجمي "ألف ليلة وليلة" أو "جحيم دانتي" أو شكسبير... إلخ، فإن النتيجة هي نفسها، وهي أن المترجم هو أكثر من "ناقل" وحرفي أو "صنايعي"، إنه من حيث المبدأ واحد من أبرز العارفين بالنص المترجم في اللغة المستهدفة، إذا أضفنا إليه النقاد والدارسين.

في العالم العربي يندر أن يتمتع مترجم بهذه المكانة. نسمع غالبا أن فلانا مترجم "مهم" فقط لأنه أول من ترجم هذا الكتاب أو ذاك، ولا نسمع شيئا عن براعة الترجمة أو أمانتها أو جمالياتها، بل يصل الأمر أحيانا إلى أن نسمع كلاما– إن سمعنا- عن براعة المترجم في لغته الأصلية، فيكون الحديث عن فصاحته وجزالة لغته... إلخ، لا عما أنجزه في هذه الترجمة أو تلك بالذات.

هذا الواقع ينعكس في العملية برمتها، بداية من دور النشر التي تهمل أحيانا اسم المترجم أو تضعه في موضع غير ظاهر، وصولا إلى مراجعي الكتب (الذين يجب عدم خلطهم مع النقاد، علما أن المراجعة التي اقتبسناها من الصحافة الغربية تعني النقد حكما)، والصحف والمجلات والمنصات التي تنشر المراجعات.

المترجم يشار إليه في هذه المراجعات عادة فقط من باب استيفاء المعلومات المتعلقة بالكتاب، تماما بنفس درجة اسم دار النشر وسنة النشر وعدد صفحات الكتاب و"القطع" (!). هنا ينتهي ذكر المترجم، وينشغل المقال بالحديث عن الكتاب وسرد أحداثه. وإن اجتهد أكثر، برصد جمالياته وتقنيات السرد أو جماليته الشعرية، وكأن المراجع يكتب عن الأصل، لا عن الترجمة، وحتى لو كانت الرواية مثلا صادرة قبل سنوات أو عقود طويلة، فالمراجعة ستتناول المعلومات الأساسية عنه ثم تسرد تفاصيله كأنه نشر اليوم بلغته الأصلية. ولن نجد أي كلام مفيد حول معنى هذه الترجمة اليوم، وما الذي يتوقع أن تحدثه للجيل الأجد من القراء.

هذا الخلل الكبير، إذا أضفنا إليه مسألة الحقوق والأجور المجحفة، يفسر إلى حد كبير سبب تدهور الترجمة في العالم العربي. رأي ربما لا يوافقني عليه أولئك الذين لديهم انطباع بأن جل ما ينشر هذه الأيام، ويحظى بالاهتمام، هو الكتاب المترجم. هذا الانطباع متسرع ولا يستند إلى وقائع فعلية. فحظ الكتاب المترجم هنا هو نفس حظ الكتاب المكتوب بالعربية، في الاهتمام والمبيعات وما شابه ذلك، أما فن الترجمة نفسه وتطوره، فتلك مسألة أخرى.

كيف ترتقي مراجعات الكتب إن كان المراجع يكتب مثلا عن كتاب ترجم عن لغة لا يفقه منها شيئا، وعن كاتب لا يعرف عنه شيئا؟

إذ كيف يمكن أن يتطور المترجم إن لم يكن يقرأ أو يسمع آراء دقيقة، سلبية كانت أم إيجابية، بعمله الذي قد يكون أنفق فيه وقتا وجهدا يتجاوزان أحيانا بأضعاف وقت وجهد تأليف كتاب أصلي؟ وكيف ترتقي مراجعات الكتب إن كان المراجع يكتب مثلا عن كتاب ترجم عن لغة لا يفقه منها شيئا، وعن كاتب لا يعرف عنه شيئا؟ هذه طامة من طامات واقع الترجمة. وهذا ما يجعل مراجعات الكتب، في الغالب الأعم، بما فيها ما أشرف شخصيا على نشره، هي بيانات صحافية مطولة تصب في خدمة دار النشر، لا الكاتب ولا القارئ ولا المترجم طبعا.

الحل لهذه المعضلة ليس بسيطا كما يبدو، بما أن العوامل الفاعلة فيها عديدة، منها ما سبق ذكره، ومنها أيضا الأجور المنخفضة في الصحافة العربية عموما لمراجعات الكتب، أصلية كانت أم مترجمة (كما كل أنواع المقالات) وهذا يقود إلى سؤال جوهري: كيف ينفق من يعتاش على الكتابة الصحافية أياما على كتابة مقال واحد، يبحث في المراجع، ويعود إلى النص الأصلي ويقارن ويرصد النجاحات والإخفاقات ويقدم زادا معرفيا حقيقيا... كيف له أن يفعل ذلك كله وهو يعرف أن ما سيتقاضاه في النهاية كأجر لا يكفيه لإعالة أسرته ليوم واحد؟

أيا تكن الأسباب فالنتيجة هي ضعف وتهلهل كبيرين في مستوى الترجمة العربية، فلا المجيد يعرف لماذا أجاد، ولا المخفق يعرف أين أخفق، وبالتالي تعاد الكرة كل مرة، ونسمع صيحات الاستهجان على مواقع التواصل عن هذه الترجمة "التي لا تقرأ" وتلك الترجمة التي لا تضيف جديدا... إلخ.

والحال، أنه لا يمكن إصلاح خلل كبير دفعة واحدة، لكن تبقى المبادرة الفردية، في الصفحات والمواقع الثقافية، بأن تحاول على الأقل أن لا تكون أداة تسويقية لدور النشر، التي هي في الأساس شريك أساسي في هذا الواقع المتدهور.

font change