الجرح الأخلاقي

الجرح الأخلاقي

استمع إلى المقال دقيقة

ليس من جديد في التحقيق الذي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قبل أيام قليلة حول شهادات جنود شاركوا في الحرب على غزة وارتكبوا فظائع ضد المدنيين أو وقفوا صامتين خلال ارتكاب زملاء لهم هذه الفظائع. فهذه الفظائع لم تعد خافية على أحد في هذا العالم، بل إن بعضها ارتكب ويرتكب خلال البث المباشر، ولعل التقرير الأممي الأخير حول إحصاء 38 ألف امرأة وفتاة فلسطينية خلال الحرب، والتقارير الأخرى حول اعتقال ما يربو على 10 آلاف فلسطينية وفلسطيني، كثير منهم أطفال، وغالبيتهم العظمى من المدنيين، تعطي صورة وافية عن المساحات المشرعة وسط القوات الإسرائيلية وفي ثقافة الجنود لارتكاب ما يحلو لهم من جرائم قتل وتعذيب وانتهاك، دون خشية من المحاسبة، لأن من يرعى هذه الانتهاكات هي أجهزة الدولة نفسها.

لكن المهم في تحقيق "هآرتس" هو أن هذه الفظائع عمقت في وعي أولئك الجنود ما تسميه الصحيفة بـ "الجرح الأخلاقي"، وهو أمر مختلف عن عوارض ما بعد الصدمة التي يعاني منها عادة الجنود العائدون من الحرب. نتكلم هنا على قوة طاغية ساحقة، قوة الاحتلال، استخدمت كل ما لديها من أدوات وإمكانات، لا لتلحق أكبر ضرر بالفلسطينيين فحسب، بل لتحاول كي وعيهم وزرع رعب يعيش لأجيال وأجيال في قلوبهم.

تنكر السلطات الإسرائيلية، بما فيها الجيش، هذه الوقائع. فالإنكار جزء من استراتيجيات الإبادة، ومن تمكين مواصلتها حتى تحقيق أهدافها الكاملة، ومن تأجيل المحاسبة إلى أطول وقت ممكن. تسمي السلطات ما يحدث بـ "جرح الهوية"، أي تحيل الأمر إلى عوامل فردية شخصية، وإلى أزمات ومشكلات يعاني منها أصلا أولئك الأشخاص. لكن اتساع رقعة تلك الانتهاكات، التي لم يتورع مرتكبوها في كثير من الحالات عن مشاركتها بفخر عبر حساباتهم على التواصل الاجتماعي، يهدد بتقويض السردية الرسمية. أسطورة "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" سقطت أساسا قبل هذا كله، وما باتت تواجهه هذه السلطات يتجاوز حتى فكرة المحاسبة والمسؤولية وما إلى ذلك.

أولئك الجنود لم يأتوا من عدم. جاؤوا من مدن وشوارع وبيوت وعائلات، وبعد انتهاء القتال يعودون إليها، حاملين معهم تلك الفظائع التي ارتكبوها

نتحدث هنا عن شرخ لا يرمم في المجتمع الإسرائيلي نفسه. فأولئك الجنود لم يأتوا من عدم، بل جاؤوا من مدن وشوارع وبيوت وعائلات، وبعد انتهاء القتال يعودون إليها حاملين معهم تلك الفظائع التي ارتكبوها، والتي بعضهم لا يجد في خطابات نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ما يردم تلك الهوة بين ما يقال عن "أخلاق" الجيش وما شاهدوه بأم العين واقترفوه باليد.

هذا الجرح، بصرف النظر عن حجم اتساعه، لن يعوض قطرة دم بريئة واحدة سفكت منذ 1948 إلى يومنا هذا، ولا يفترض أن يشعرنا بشيء من "الانتصار" على عدونا، بعد أن اعتدنا كثيرا على اعتبار ضرر الصورة الذي يلحق بإسرائيل في العالم نصرا لنا. ليس من نصر هنا. ما تحدثه هذه الوقائع، والاعترافات بجرائم حرب يخجل المرء حقا حتى من ذكرها، يحدث جرحا مقابلا، ليس فلسطينيا أو عربيا فحسب، بل عالميا. شيء يشبه فالق الزلزال الأخلاقي الذي يمتد في الطبقة السفلية من إنسانيتنا جمعاء. كل شخص في العالم معني بهذا الجرح، لأنه ليس فقط الجرح الذي تسبب به القتلة ومن علمهم القتل، بل الجرح الأوسع الذي يتسبب به الصمت. صمت الجنود الشاهدين على جرائم زملائهم، وصمت كل الشهود الآخرين الذين صاروا يعترفون بجرائم إسرائيل دون أن يعترفوا بما يعنيه هذا الاعتراف وبما يحدثه من ندوب أعمق من أن تشفى في إنسانيتنا.

تطرح هذه الوقائع سؤالا آخر يتعلق بحدود المسؤولية. الجندي، كما يقال، مأمور، وعليه أن ينفذ قبل أن يعترض. تنفيذ الأوامر بانصياع كامل يكاد يكون موازيا في عالمنا هذا لمعنى أن يكون المرء جنديا، في حين كان في أزمنة مضت يعني التضحية والشجاعة والفروسية وإلى ما ذلك من قيم. في الأدبيات والفنون التي تدور حول عوالم الإجرام، تصل غالبا إحدى الشخصيات إلى اللحظة التي يطلب منها أن تقتل، ليس دفاعا عن النفس، بل تأكيدا للانتماء إلى العصابة، نوعا من دمغة الدم التي تجعل الفرد جزءا من المجموعة لأنه صار يشبهها في أسوأ عناصر هويتها، أي القدرة على القتل. الجنود الإسرائيليون يتعلمون أن هذا جزء من هويتهم الوطنية، نوع من العمادة. أن تقتل أو تعذب أو تهين فلسطينيا يتجاوز العنصرية والكراهية وغريزة الانتقام والشعور بالتفوق إلى الرغبة الجامحة في الانتماء إلى القطيع.

من ينزع الإنسانية عن الآخرين، ينتهي بأن تنتزع إنسانيته نفسها، وبأن يغرق في وحل صورته المشوّهة عن ذاته

هكذا تحول القتال إلى وظيفة، وبات الجندي، لاسيما في حالات الدول التي تمارس غطرسة القوة، محض أداة منزوعة الإرادة، إما مستسلمة لشهوة القتل منتمية إلى مفرداته، وإما منقادة إليه بحكم الوظيفة نفسها، وإما شاهدة صامتة عليه. وفي حالة إسرائيل، فإن العاقبة الأخلاقية الحتمية تجلت في حقيقة أن من ينزع الإنسانية عن الآخرين ينتهي بأن تنتزع إنسانيته نفسها، وبأن يغرق في وحل صورته المشوهة عن ذاته وعن القيم التي يزعم أنه يمثلها والمجتمع الذي يزعم أنه يدافع عنه.

font change