لبنان إذ يرقص على إيقاع "بدنا نروق" رقصات لا تستطيع طائرات الاستطلاع رصدها

استثنائية العيش التي تجعل كل شيء يبدو اعتياديا

REUTERS/Khalil Hassan
REUTERS/Khalil Hassan
المغنية اللبنانية هيفا وهبي أثناء إحيائها احتفالات رأس السنة في بيروت في 1 يناير 2014

لبنان إذ يرقص على إيقاع "بدنا نروق" رقصات لا تستطيع طائرات الاستطلاع رصدها

في انتظار الطائرة التي ستقلني من مطار أثينا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، كان هناك رجل بريطاني سعيد يتصفح كتابا. مصدر سعادته كان، كما فهمت منه لاحقا، أنه حصل على تذكرة بسعر "خيالي" إلى العاصمة بيروت. سألته: ألست قلقا من الأوضاع الأمنية غير المستقرة هناك؟ قال: "أي أوضاع أمنية؟ آه تقصد الحرب..."، ضحك ثم قال: "الأمور ليست بهذه السوداوية... الحرب بعيدة".

يقين مطمئن بالنسبة إلى شخص مثلي ظل يسمع طوال العامين الماضيين عن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي تحلق فوق سماء لبنان دون انقطاع، فضلا عن أخبار القصف المتواصل والتهديدات و"المهل" الإسرائيلية والأميركية المتكررة. ورغم هذه الثقة، والحماسة المرسومة على وجهه، بدا لي هذا الرجل سائحا نادرا، إذ أنه يزور بلدا يقول الجميع، لا سيما من أهله، أنه على أهبة الانفجار في أي لحظة، فقط لأنه حصل على تذكرة سفر بسعر بخس.

فضاء مفتوح

كان علينا أن نستكمل هذا الحوار أثناء خروجنا من المطار في بيروت. قال: "هذه ليست المرة الأولى التي أزور فيها بيروت، لدي أصدقاء هنا، ودائما أقضي أوقاتا ممتعة معهم، لذلك أستغل أي فرصة للسفر". شيء من كلامه ذكرني بأيام الحرب الأهلية، في ثمانينات القرن الماضي، حين باتت خطوط التماس والاشتباك محددة نوعا ما، وصار السفر إلى لبنان اعتياديا، سواء بالنسبة إلى المغتربين أو الإعلاميين والكتاب أو بعض الأجانب ممن لديهم معارف وأصدقاء على طرفي النزاع.

سأتذكر كلام هذا السائح السعيد، بينما كنت في طريقي إلى مدينة صيدا التي توصف بأنها "عاصمة الجنوب" وبوابتها. تطالعني على الطريق السريع، لافتة ضخمة كتبت بالعامية اللبنانية، لا أعتقد أنني رأيت مثلها في أي مكان آخر، تقول ما معناه: "إذا كنت تجيد تفكيك محرك سيارة، فهذا لا يعني أنك تستطيع تفكيك لغم". تحذير لا بد منه من الجهات المختصة، مع الأخبار المتواترة عن أن الاحتلال الإسرائيلي نشر ألغاما في العديد من مناطق الجنوب التي دخل إليها خلال الحرب الأخيرة. وهو تحذير يخاطب نزعة "الشطارة" التي اشتهر بها اللبنانيون، تلك الشطارة نفسها التي، حين تترجم إلى لغة السياسة والحرب، لطالما وضعت لبنان عبر تاريخه، ولا تزال، على حافة الانهيار.

هذا الجانب المختلف جذريا في الحرب الأخيرة: محاولة ترسيخ فكرة أن فئة واحدة من اللبنانيين، ومناطقهم المحددة، هي المستهدفة حصرا، في حين أن الجميع بلا استثناء في دائرة المراقبة

باستثناء تلك اللافتة، ليس من قبيل المبالغة القول إن الحرب تكاد تكون غير حاضرة أو غير محسوسة في تلك الأجزاء من لبنان. فإن لم تكن من أبناء الجنوب، أو ضاحية بيروت الجنوبية، أو البقاع، فقد لا تشعر بوجود مثل هذه الحرب، وإن لم تكن ممن يستمعون إلى نشرات الأخبار، فقد لا تعرف أنه لا يفوت يوم دون أن يواصل الاحتلال اعتداءاته، سواء بالقصف أو الاغتيالات. الحياة، كما يقال، تستمر. وهذا في لبنان يكاد يرقى إلى مستوى الفن الخالص، أو فلنسمه الجانب الإيجابي من "الشطارة" نفسها.

في رحلة إلى قرى شرق صيدا، وصولا إلى كنيسة يوحنا المعمدان الشهيرة، في قرية كرخا على ارتفاع 300 متر من صيدا الساحلية، شعور مختلط، بين شعور بالجمال في بيئة جبلية مفتوحة ساحرة، وشعور بالانكشاف التام والقلق المكتوم من تلك الطائرات التي ترى كل شيء قطعا. هذا هو الجانب المختلف جذريا في الحرب الأخيرة: محاولة ترسيخ فكرة أن فئة واحدة من اللبنانيين، ومناطقهم المحددة، هي المستهدفة حصرا، في حين أن الجميع بلا استثناء في دائرة المراقبة. في حين لم يفق اللبنانيون (ومعهم بعض العرب) بعد من تكهنات المنجمين التي كان من ضمنها كما يقال اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كل شيء في لبنان يبدو محتملا، بما في ذلك الأبعد احتمالا. حين تكتنفك الظلمة على السرير ليلا، وأيا يكن موقع الغرفة التي تنام فيها، لا بد من أن تسأل نفسك، ولو على نحو عابر، هل هناك صاروخ متجه الآن نحوي؟

ANWAR AMRO / AA / AFP
مشهد عام للعاصمة اللبنانية بيروت، 24 نوفمبر 2018

لا علاقة لذلك بشخصيتك، ولا عملك، ولا قناعاتك السياسية، بقدر ما له علاقة بالواقع البسيط الناشئ منذ حرب غزة، وهو أنه لا يمكن الركون إلى واقع محدد، ولا إلى ترتيبات، أو تسويات، إذ بقدر ما يبدو المرسوم لمنطقة الشرق الأوسط (والعالم) كبيرا، ومخططا ومدبرا، فإنه مفتوح على النزوات والارتجالات وعلى كل ما هو غير محسوب. ومن يعلم في أي مزاج قد يستيقظ دونالد ترمب أو بنيامين نتنياهو، أو فلاديمير بوتين أو المرشد الأعلى هذا الصباح؟

قائمة الشكاوى المتحولة

بعض الأمكنة تغيرت ملامحها قليلا عن زيارتي السابقة قبل نحو ثلاث سنوات، لكنه ليس تغيرا جذريا. ولن يمضي وقت طويل حتى يعتاد المرء تصريف العملة بين الدولار والليرة اللبنانية بمعادلة بسيطة، كل مئة ألف ليرة تساوي دولارا واحدا. كما سيكتشف أن بطاقات الاعتماد ليست الأسلوب المفضل للتداول، إلا إن كان مستعدا لدفع 4.5 في المائة مبلغا إضافيا إلى قيمة الفاتورة. بالتالي، فإن الوهم المتأتي من أنك تحمل رزمة كبيرة من مئات آلاف الليرات، سرعان ما يتبدد حين تكتشف أن الأسعار لا تختلف جوهريا عنها في أي بلد أوروبي، بل تزيد في كثير من النواحي. ستتساءل: كيف يعيش الناس إذن؟ الجواب ليس واحدا، بل هو مرتبط بحالة كل شخص أو حالة. فهناك من يتلقون رواتبهم بالدولار، بسبب عملهم غالبا مع شركات أجنبية، أو ممولة من جهات أجنبية، وهم الأكثر حظوة، وهناك من ينتظرون الأموال التي يرسلها أبناؤهم من بلاد الاغتراب الكثيرة. في أية حال، سيبدو صادما أن الكلام الذي كان يقال حول الأوضاع المعيشية قبل أربعين، وثلاثين، وعشرين، وعشرة أعوام، لا يزال يقال، مع تغيير طفيف في المفردات وفي تفسير الأسباب.

REUTERS/Ahmed Saad
رجال يلعبون قرب البحر في بيروت، لبنان، 30 أغسطس 2024

لبنان بلد التأقلم بامتياز. على عكس زيارات سابقة، كانت حاضرة فيها بقوة، مثلا، مسألة انقطاع الكهرباء، وكانت تترجم ظلمة تامة في بعض الشوارع والأماكن، وفي بعض أوقات اليوم، فإن هذا الأمر يكاد يكون مختفيا من قائمة الشكاوى اللبنانية الاعتيادية هذه الأيام. مولدات الكهرباء لم تعد تصدر ضجيجا خفيا، حتى تحسبها اختفت. والأهم هو حجم الاعتماد الكبير على الطاقة الشمسية. ولعل مقاطع الفيديو التي نشرت عبر "التواصل الاجتماعي" والتي صورت تطاير الألواح الشمسية، بعد عاصفة هوجاء مفاجئة، تعكس حجم حضور هذه الألواح في حياة البلد. يقول لي أحد الأصدقاء إنه لولا الفاتورة التي يضطر إلى تسديدها شهريا ثمنا لاشتراك الكهرباء من "الدولة"، لنسي هذا المصدر نهائيا، إذ بات يعتمد بالكامل على الألواح الشمسية صينية المصدر في طبيعة الحال، يليها اشتراك المولد الكهربائي في المبنى أو الحي.

لاحت لي ظلال أشخاص يمشون هناك، شعراء وكتاب لم يعودوا بيننا: حسن العبدالله، محمد العبدالله، رضوان حمزة، محمد شمس الدين، عصام العبد الله...

لعل أكثر ما فاجأني لدى الخروج من مطار رفيق الحريري الدولي، متجها إلى شارع الحمراء، هو المساحات التي اكتسبتها الطرقات هناك، والتي ساعدت إضاءة الشوارع والأبنية في توسيع هامشها. تقول صديقة ضاحكة إن هذا المنظر، الذي لم تخف كونها لم تنتبه إليها بهذه الصورة من قبل، عائد على الأرجح إلى التحسينات التي تمت على عجل قبيل زيارة بابا الفاتيكان أخيرا. "لكن صحيح الكهرباء اليوم أفضل"، وهو ما يقصد به أن الترتيبات التي ابتكرها اللبنانيون على مر العقود الماضية، استقرت نوعا ما على صيغة تجعل الشكوى من غياب الكهرباء فائضة على الحاجة.

وعلى الرغم من العبارة النمطية ذاتها "شارع الحمراء لم يعد هو نفسه"، والمتكررة منذ ربع قرن على الأقل، إشارة إلى ماضي الشارع العريق، حين كان يختزل كل حداثة بيروت الاقتصادية والسياحية والثقافية والعمرانية، والذي جاءت شوارع ومناطق أخرى في بيروت لتحل محله، فإن الشارع لمن يزوره غير محمل بكل هذه الرمزيات الوجدانية، سيجده لا يزال نابضا بالحياة. متاجر كبرى جديدة، أبنية مرممة، مقاه وحانات جديدة وأخرى قديمة مستمرة (وإن بدا الترهل واضحا عليها)... إلا أنني شخصيا لم أستطع منع نفسي خلال المرات القليلة التي زرت بها الشارع، من الشعور أحيانا بالفقد ذاته. ليس فقد الأمكنة، بقدر ما هم الأشخاص.

REUTERS/Ahmed Saad
نساء يسِرن قرب متجر للهدايا التذكارية في شارع الحمرا، بيروت، لبنان، 2 سبتمبر 2024

في أحد المساءات كنت أمشي على رصيف واسع في شارع الحمراء الرئيس، وإذ نظرت إلى الرصيف المقابل، لاحت لي ظلال أشخاص يمشون هناك، شعراء وكتاب لم يعودوا بيننا: حسن العبدالله، محمد العبدالله، رضوان حمزة، محمد شمس الدين، عصام العبد الله... هذا إذا ذكرت قلة فقط، ومعظمهم للمفارقة دمرت في غيابهم، بيوتهم التي أفنوا عمرهم لبنائها في الجنوب، وأخيرا بالطبع الشاعر والمسرحي فادي أبوخليل الذي طوى سنواته الأخيرة في العزلة قبل أن تعلن ورقة نعي عائلية عبر التواصل الاجتماعي خبر وفاته.

استثنائية العيش الاعتيادي

يحلو المشي في شوارع بيروت، وهو مشي تستبعد فيه غالبا الأرصفة، وتغيب عنه ضوابط إشارات السير. تمشي كيفما اتفق، وتقطع الشارع كيفما اتفق، واثقا غالبا من عدم وقوع مفاجآت، فالجميع يتحرك ضمن هذه المنظومة المتفق عليها. ومع ذلك فإنك تضطر غالبا في بيروت إلى التنقل بالسيارة. وسواء أكانت هذه سيارة أجرة، أم سيارة صديق أو قريب، فغالبا ما ستسمع من السائق تعليقات تصل حد الشتائم المقزعة تشتكي تقريبا من كل شيء: من سوء حال الطرق، ومن المطبات، ومن فوضى السير، والأهم دائما من "حمرنة" السائقين الآخرين. بيد أن اشتقاق شتيمة من اسم الحمار الذي يفترض أن يحيل لسبب ما على الغباء، وهي صفة غير مؤكدة، يغفل الصفة الأدق لدى الحمار وهي الصبر.

REUTERS/Ahmed Saad
أشخاص يدخنون النرجيلة في بيروت، لبنان، 30 أغسطس 2024

اللبناني أو المقيم في لبنان بصورة عامة لا يمتلك هذا الصبر، فهو مستعجل دوما. دوما يريد الوصول بأسرع وقت ممكن إلى وجهته، حتى لو لم يكن من داع لتلك العجلة. الطرق يجب أن تكون مفتوحة دوما، وفي حال لم تكن كذلك، فإنه ببساطة يبادر الى فتحها، فيقتحم خليط السيارات الآتية من كل الاتجاهات عند تقاطع ما، ويجد سبيلا دوما لاختراق هذا الخليط، وهو – أي الرجل - (وفي حالات كثيرة هي)، إذ يفعل ذلك، فإنه يفعله باعتيادية تامة، وكأن ثمة شيفرة متفقا عليها بين جميع السائقين. وعليه، فإنه حتى الغضب الذي يلوح على وجوه بعضهم وينزلق على ألسنتهم، أو أبواق سياراتهم التي تصدح باحتجاجات ملعلعة، يبدو جزءا من تلك الشيفرة المشتركة.

اللبناني أو المقيم في لبنان بصورة عامة لا يمتلك هذا الصبر، فهو مستعجل دوما. دوما يريد الوصول بأسرع وقت ممكن إلى وجهته، حتى لو لم يكن من داع لتلك العجلة.


يخبرني بعض الأصدقاء في بيروت عن حوادث سير أو حتى عن خلاف على أولوية المرور يفضي الى التشاحن والتلاسن والعراك وقد يصل الى حد القتل، وهي الأخبار المتواترة التي تصنف عادة بـ"الصادمة" والتي "تهز المجتمع" اللبناني نظرا إلى مجانيتها المفرطة. إلا أن هذه الحوادث تعكس أيضا شيئا من الواقع اللبناني، فتجد التعليقات تحيل دوما على الفوضى، والاستقواء، والنفوذ السياسي والمالي، وسوء التربية والأخلاق لدى البعض، وعلى الأزمات السياسية والاقتصادية.

REUTERS/Emilie Madi
لقطة جوية تُظهر يخوتا راسية في خليج الزيتونة، منطقة المطاعم والمقاهي على الواجهة البحرية لبيروت، لبنان، 4 نوفمبر 2025

وإذا كانت قيادة السيارة في لبنان هي بالفعل مرآة لأحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الطائفية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنك، إذ تتنقل بين شوارع أو مناطق أو مدن لبنان، إنما تكون في حالة حرب واقتتال تضعك باستمرار على الحافة. هناك الكثير من المبالغات في هذا الشأن، ربما بلغت ذروتها، بعد الأزمة الاقتصادية التي نشأت عن انهيار العملة اللبنانية خلال السنوات الأخيرة، من خلال الحديث عن قطاع طرق، قد ينهبون المسافر على الطرقات ولو اضطر الأمر إلى قتله أو خطفه. في حقيقة الأمر، الناس يتنقلون بكل اعتيادية، وحتى التوتر الناشئ عن زحمة السير أحيانا، ليس توترا حقا، إنما هو مظهر من مظاهر الحياة العامة في بلاد لا يبخل أهلها في التعبير عن فيض مشاعرهم، تجاه كل شيء، طوال الوقت.

ولغة التعبير اللبنانية تخدم كثيرا في موضعة ملابسات العيش هذه في مكانها الصحيح، بين المبالغة القصوى والاعتيادية التامة: "ستضيع حياتي وأنا أنتظر أن تقرر في أي اتجاه تريد أن تمضي... يلعن من أعطاك هذه الرخصة"، يقول سائق سيارة (عمليا لنفسه ولي) وليس للسائق الآخر، بعد ثوان قليلة فقط من مراوحته مكانه خلف سيارة سائق آخر. وكم تكون خيبة السائق كبيرة حين يتبين له أن السائق الآخر ليس امرأة كما ظن وأعلن قبل ثوان، بل رجل مثله، وحينئذ لا يرد الأمر إلى الجندر، بل يعود إلى "الحمرنة" المتأصلة لدى البعض بالنسبة إليه.

احتراف العيش، صفة أخرى لا تنكر في سياق حياة تبدو دائما في مهب رياح عدة. اللبناني محترف عيش، بمعنى أن لديه معظم الأحيان مشكلة تتطلب معالجة وحلا، وليس دائما بمعنى الاستمتاع بملذات الحياة أو ما يختصر لبنانيا بأنه "شخص عييش". في هذا، يجتمع اللبنانيون بطبقاتهم وطوائفهم ومناطقهم، أكثر مما يتفرقون. الراحل زياد الرحباني صرف معظم عمره وهو يحاول تحليل "الشخصية اللبنانية"، فنجح أحيانا وأخفق في أحيان، لكنه في كل حال، ودون أن يدري هو، أو يدري اللبنانيون أنفسهم، صنع من اللغة التي حاول من خلالها محاكاة طريقة سلوك وكلام تلك الشخصية، لغة رديفة، باتت أصلا هي الأخرى. هنا أيضا يتقاطع اللبنانيون كثيرا. سوف تجد على منصات التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو، ساخرة في غالب الأحيان، جميع المتكلمين فيها، يتكلمون بلغة واحدة لا تخلو من ظرافة وقد تعكس في بعض الأحيان المنطقة (الطائفة) التي ينتمون إليها، وذلك بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العقائدية أو غيرها، وفي الوقت نفسه جميعهم يعتقدون بقوة أنهم إنما يأتون بلغة تفكير وتعبير جديدة تماما.

كان مفاجئا لي مثلا مدى احتفاظ اللبنانيين عموما بقدر كبير من اللطافة، حتى في أماكن لا توصف عادة باللطافة، مثل الأمن العام، سواء في المطار

وحين تجلس في مقهى أو حانة، فإنك ستجد أيضا اللغة نفسها هي المهيمنة، والغالب عليها دوما ذكاء اجتماعي وسرعة بديهة وقاموس كامل من التعابير والمفردات التي تصلح لمعظم المواقف، تماما مثلما تصلح كلمة "حبيبي" المتبادلة بين اللبنانيين، بصرف النظر عن مدى القرب أو البعد بينهم، "شكرا حبيبي" و"بأمرك حبيبي"، تتطاير بكل رحابة وبداهة فوق الجغرافيات والانتماءات الضيقة.

فائض الأخبار

في الحقيقة كثيرة هي "الأخبار" في لبنان. كما يخبرني مهندس ثلاثيني، يعمل بين حين وآخر في تداول العملات الرقمية سبيلا للتكسب، بينما يبحث عن عمل في الخارج، "هناك نشرات أخبار صباحية، ثم ظهرا ومساء وفي آخر الليل، وما بينها هناك برامج سياسية"، يقول هذا المهندس، ويخبرني آخر إن حضور المحللين السياسيين الدائم على الشاشات المحلية، ليس بالجديد، إنما الجديد نسبيا هو حضورهم كجزء من بنية ترفيهية، باتوا لا يتميزون بها عن ضيوف البرامج الفنية وقراء الطالع وغيرهم. هذا "الازدحام" المفرط للسياسة على الشاشات، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لن تجده مترجما، ليس على الأقل بهذه الكثافة الضاغطة، في عيش اللبنانيين اليومي.

REUTERS/Ali Hankir
أشخاص يشاهدون على شاشة تلفزيون في مقهى ببيروت جلسة البرلمان اللبناني المخصّصة لانتخاب رئيس، 9 يناير 2025

بعد أكثر من خمسة أعوام تخللتها انتفاضة شبابية أخفقت، وانفجار هائل دمر شطرا من العاصمة، ومعه الكثير من آمال اللبنانيين، وانهيار اقتصادي ساحق، وحرب مدمرة واحتلال متجدد، بعد كل هذه الأحداث المتسارعة، قد يخال لك أنك ستجد شخصية منهارة، قاسية، فظة... هذه الشخصية موجودة في طبيعة الحال، كما لدى أي شعب يمر بأزمات بهذا الحجم، لكنها لم تنجح في التحول إلى نمط دائم ومتأصل. هناك صفات أخرى أشد قوة متأصلة لدى اللبناني، وهي قدرته الفائقة على التأقلم، وإيجاد أسباب دائمة للعيش. كان مفاجئا لي مثلا مدى احتفاظ اللبنانيين عموما بقدر كبير من اللطافة، حتى في أماكن لا توصف عادة باللطافة، مثل الأمن العام، سواء في المطار، أو في مباني تجديد الإقامات وجوازات السفر، كانت اللطافة صفة غالبة. ثمة متغير ما هنا كان يصعب علي رصده بسهولة. هنا الظروف القاسية نفسها التي أعرفها منذ الطفولة في لبنان، وهنا "الشطارة" نفسها التي أسرف زياد الرحباني في الحديث عنها، وهنا اللطافة والنزق نفسهما اللذان يسمان الشخصية اللبنانية، وهنا "حرب" السيطرة على الشارع بين سائقي السيارات... لكن الحرب الأخيرة، بكل صدماتها وويلاتها، لعلها أحدثت شيئا إضافيا: شيء من الهدوء المضمر يغلف كل الصفات الأخرى ويغلب عليها. ربما يمكننا نسب هذا الهدوء إلى التعب، أو الضجر، أو السأم، وربما يمكننا نسبه إلى حقيقة أن هناك فائضا من الكلام على الشاشات وعبر منصات التواصل، يغني عنه في الحياة اليومية، في البيوت والمقاهي والمتاجر والأماكن العامة إلخ. هناك هدوء مهيمن، هو إلى اللطافة أقرب.

هذا "الازدحام" المفرط للسياسة على الشاشات، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لن تجده مترجما، ليس على الأقل بهذه الكثافة الضاغطة، في عيش اللبنانيين اليومي

لن تجد في لبنان اليوم الحماسة نفسها في الحديث عن الأوضاع السياسية مثلا. خلال نقاش نادر اجتمع حوله "أضداد" في السياسة، بمحض المصادفة، الى طاولة مقهى، بدأ نقاش حول أوضاع الشيعة في الجنوب والبقاع، وما إذا كانوا قد سئموا من القضايا، وحتى من فلسطين نفسها، التي تحت راية تحريرها فقدوا كل شيء، تطايرت الآراء هنا وهناك، لكنها سرعان ما استقرت على نوع من الضجر انتقل بعده الحديث بسلاسة إلى أمور أخرى. ما الذي يمكن قوله بعد كل ما قيل ويقال؟ الكلام يبدو في حد ذاته فائضا، والخلاف في الرأي، مهما كان جذريا، لا يستحق إفساد الجو.

في هذا أيضا ثمة ما يجمع اللبنانيين أكثر مما يفرقهم. الحديث في السياسة، بعيدا من "الصقور" من مختلف الأطراف، وهؤلاء مكانهم يبدو التواصل الاجتماعي والشاشات، اللبناني العادي يبدو غير عابئ حقا. ربما كان هذا الشعور ناشئا من أنه رأى كل شيء. من أن أسوأ مخاوفه تحققت وباتت خلفه. من أن المستقبل يخفي غموضا يتجاوز القدرة على تفكيكه أو التبصر بأمره. ربما كل هذا معا. أو ربما كان محض الانشغال بتدبير شؤون الحياة اليومية، بدلا من التنظير حول مصائر الشعوب والدول والقارات، وهذا أيضا مما يتقنه اللبناني جيدا. فهو أيضا، ورغم كل النمطيات التي أرساها الراحل زياد الرحباني عنه، وبعضها يستند إلى معطيات حقيقية، أو أرساها الآخرون عنه، بما في ذلك وسائل الإعلام اللبنانية نفسها، بوصفه منصرفا إما إلى "الشطارة" التي تعني هنا الاحتيال، أو إلى خفة العيش، هو أيضا كادح حقيقي، باحث دوما عن مصدر للرزق والارتقاء بنمط عيشه. كثيرة مثلا هي المطاعم والمقاهي والمتاجر على أنواعها، التي يقوم على الخدمة فيها شباب لبنانيون من الجنسين، كما قد ترى في أي عاصمة أوروبية. المثقف العمومي، لا سيما المنخرط بالسياسة وشؤونها، لا يرى ذلك في طبيعة الحال، فهو مشغول دائما بالصورة الكبرى، مأساة أو ملهاة، غير قادر على رؤية مظاهر الحياة العادية وإن كانت هي المهيمنة على المشهد معظم الأحيان.

بدنا نروق

من هؤلاء المثقفين، مع التحفظ دائما على استخدام كلمة "مثقف" في السياق العربي، كيفما اتفق، تجد الصحافيين، أولئك الذين بات كثير منهم يمتهن التعليق السياسي، الذي لا يقل في عشوائيته وتوتره، عن حركة السير، أكثر مما يعتنق الفهم والتحليل. كثير منهم هم جزء من معركة قائمة أصلا على صورة لبنان، وعلى مصيره. من الأمور غير المتغيرة كثيرا بعد الحرب الأخيرة، أن هؤلاء الأضداد، ما زالوا يجتمعون في مكان واحد. يجمعهم الشراب والطعام والغناء والرقص، وإن ليس الى طاولة واحدة بالضرورة. بعد يوم من التشاحن والتضارب عبر التواصل الاجتماعي، لا تستغرب إن رأيت جهبذا صحافيا من جهابذة ما يسمى "الممانعة"، جالسا إلى طاولة حانة، في جوار أو قبالة جهبذ صحافي آخر من الاتجاه المضاد الذي لعلنا يمكن أن نسميه "اللا ممانعة".

REUTERS/Cynthia Karam
أشخاص يحتفلون في Music Hall، سينما قديمة حُوّلت إلى صالة كباريه في بيروت، 25 يوليو 2010

الخلاف في السياسة، الحرب، التدهور الاقتصادي، القلق... إلخ، كل هذا لا يفسد للسهر قضية. بل إنك ستجد عددا من هؤلاء يحترفون الانتقال في سهرة واحدة بين ثلاثة أو أربعة أماكن سهر. بحثا عن ماذا؟ ليس واضحا، لكنه نمط من أنماط العيش الذي يحرصون عليه. في الأماكن التي تسهر حتى أوقات متأخرة، ستجد شيئا فشيئا الأكبر سنا، والأكثر معاقرة للكحول، يخالطهم أحيانا من هم (بالأحرى هن) أصغر سنا، في رقصة متواصلة تخاض بكثير من الحماسة التي سرعان ما تتحول رتابة تامة. في بيروت فقط تتعلم أن الرقص قد يكون تعبيرا عن السرور، وقد يكون تعبيرا عن الضجر الذي يولد منه الأمل، على ما تقول أغنية فيروز.

فيروز حضرت خلال زيارتي هذه، من خلال إعلان خبر وفاة ابنها هلي. لا أعرف إذا ما كانت مساحة الصباح لا تزال محجوزة لأغنياتها، لكن مساحات النهار والليل ليست كذلك. سوف تسمع باستمرار أغنية فضل شاكر الشهيرة (ونقاشات نسائية غالبا متضامنة معه وذكورية ناقمة عليه) التي يدعو فيها حبيبته التي أرقها الشوق إلى النوم في قلبه، أما الرقص فمحجوز تماما لأغنية هيفاء وهبي "بدنا نروق". تواطؤ ما جعل فضيحة "الشريط الجنسي"، سواء أكان حقيقيا أم مفبركا، تتوارى، وتحتل أغنية "بدنا نروق" مكانها.

في "بدنا نروق" تقول هيفاء وهبي كم هي لا تبالي بآراء الناس بها، تتحدى الشائعة والنميمة، وتعلن حالة من الفرح واللامبالاة والاستقلالية والقوة

كثير من اللبنانيين، وخصوصا اللبنانيات، يحترمون هيفاء وهبي، بوصفها امرأة خاصة وصاحبة خيارات خاصة. في "بدنا نروق" تقول كم هي لا تبالي بآراء الناس بها، تتحدى الشائعة والنميمة، وتعلن حالة من الفرح واللامبالاة والاستقلالية والقوة. لبنان الذي أرهقته، ولا تزال، الأحداث العامة، والنقاشات العامة التي لا تفضي إلى شيء، يبدو بحاجة إلى هذه الدعوة من هيفاء وهبي، وهو ربما ما يفسر نجاح أغنيتها الساحق، وما يفسر أيضا لماذا الجميع، من المشارب السياسية كافة، يرقصون هذه الأيام على وقع هذه الأغنية/ الدعوة.

REUTERS/Issam Abdallah
أشخاص يستمتعون بالشاطئ في بيروت، لبنان، 25 أغسطس 2022

"بدنا نروق" هي أيضا شكل من أشكال تأقلم اللبناني. سنوات المعاناة والفوضى والحروب والأزمات الطويلة، منحته قدرا من اللامبالاة، والصلابة، ومنحته شطارته التاريخية المقدرة على التأقلم وخلق أسباب العيش وتجديد أسباب الفرح، ولعل هذه هي القوة الخفية الباقية له، والتي يراهن عليها لعبور هذه المرحلة الأقسى في تاريخه، وهي القوة التي لا أظن أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية قادرة على رصدها، أو فهمها، من عليائها.

font change