في انتظار الطائرة التي ستقلني من مطار أثينا إلى مطار رفيق الحريري الدولي، كان هناك رجل بريطاني سعيد يتصفح كتابا. مصدر سعادته كان، كما فهمت منه لاحقا، أنه حصل على تذكرة بسعر "خيالي" إلى العاصمة بيروت. سألته: ألست قلقا من الأوضاع الأمنية غير المستقرة هناك؟ قال: "أي أوضاع أمنية؟ آه تقصد الحرب..."، ضحك ثم قال: "الأمور ليست بهذه السوداوية... الحرب بعيدة".
يقين مطمئن بالنسبة إلى شخص مثلي ظل يسمع طوال العامين الماضيين عن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي تحلق فوق سماء لبنان دون انقطاع، فضلا عن أخبار القصف المتواصل والتهديدات و"المهل" الإسرائيلية والأميركية المتكررة. ورغم هذه الثقة، والحماسة المرسومة على وجهه، بدا لي هذا الرجل سائحا نادرا، إذ أنه يزور بلدا يقول الجميع، لا سيما من أهله، أنه على أهبة الانفجار في أي لحظة، فقط لأنه حصل على تذكرة سفر بسعر بخس.
فضاء مفتوح
كان علينا أن نستكمل هذا الحوار أثناء خروجنا من المطار في بيروت. قال: "هذه ليست المرة الأولى التي أزور فيها بيروت، لدي أصدقاء هنا، ودائما أقضي أوقاتا ممتعة معهم، لذلك أستغل أي فرصة للسفر". شيء من كلامه ذكرني بأيام الحرب الأهلية، في ثمانينات القرن الماضي، حين باتت خطوط التماس والاشتباك محددة نوعا ما، وصار السفر إلى لبنان اعتياديا، سواء بالنسبة إلى المغتربين أو الإعلاميين والكتاب أو بعض الأجانب ممن لديهم معارف وأصدقاء على طرفي النزاع.
سأتذكر كلام هذا السائح السعيد، بينما كنت في طريقي إلى مدينة صيدا التي توصف بأنها "عاصمة الجنوب" وبوابتها. تطالعني على الطريق السريع، لافتة ضخمة كتبت بالعامية اللبنانية، لا أعتقد أنني رأيت مثلها في أي مكان آخر، تقول ما معناه: "إذا كنت تجيد تفكيك محرك سيارة، فهذا لا يعني أنك تستطيع تفكيك لغم". تحذير لا بد منه من الجهات المختصة، مع الأخبار المتواترة عن أن الاحتلال الإسرائيلي نشر ألغاما في العديد من مناطق الجنوب التي دخل إليها خلال الحرب الأخيرة. وهو تحذير يخاطب نزعة "الشطارة" التي اشتهر بها اللبنانيون، تلك الشطارة نفسها التي، حين تترجم إلى لغة السياسة والحرب، لطالما وضعت لبنان عبر تاريخه، ولا تزال، على حافة الانهيار.







