فرجة الحرب

فرجة الحرب

استمع إلى المقال دقيقة

من يتابع حلقات النقاش المفتوحة على القنوات الإخبارية العربية الكبرى، حيث يُستضاف خمسة أو ستة ضيوف (محللون وخبراء سياسيون وعسكريون و"استراتيجيون")، يلاحظ أن المنطق العام الذي يحكمها ليس منطق التحليل، الذي يفترض أن يحيل على أمور مثل الإحاطة والفهم وفك الغموض والالتباس، بقدر ما هو منطق العرض (Show) بالمعنى الترفيهي للكلمة. فالضيوف، أياً تكن مشاربهم وخلفياتهم ومواقفهم السياسية، مجلوبون إلى تلك المساحات في ما يشبه المباراة الكلامية، أو حلبة الملاكمة، التي يبرز فيها الأقدر على توجيه اللكمة الأقسى، وإن أمكن ما يمكن حسبانه "ضربة قاضية"، للخصم المقابل على طاولة النقاش.

هذه المشهدية يراد لها أن تحاكي مشهدية الصراع الفعلي، أي الحرب الجارية، بكل خطورتها وجسامة وقائعها وعواقبها، إلا أن منطوقها العام لا يقترب البتة من هذا الثقل، بل إنه محمول على خفّة هائلة يكاد يحار المرء إلام يردّها وكيف يفهمها. فأولئك "المحللون" يتنافسون في حقيقة الأمر على حصتهم المفترضة من الجمهور، جمهور هذه الحلبة التلفزيونية المفتوحة. وهو ما يتجلّى بوضوح أكبر في الساعات التي تلي الحلقة النقاشية، حيث تغص صفحات التواصل الاجتماعي، بشرائح من هذا الجمهور أو ذاك، منها من يؤيد ويصفق لهذا المحلل، ومنها من يؤيد ويصفق للمحلل المقابل، محيياً– أي الجمهور– قدرة بطله التحليلي على طرح الخصم أرضاً، وإدماء منطقه وحججه الواهية، في بادرة يعدّها هذا المعلق أو ذاك، على حسابات التواصل، انتصاراً شخصياً له.

على الحلقات النقاشية التي تفتحها كل مساء الفضائيات العربية، تتجلى هذه الفرجة الترفيهية بصورة يحكمها اللغو والتكرار، وذلك انسجاما مع وظيفة هذه الحلقات نفسها. إذ ليس الهدف الكشف أو التبيان أو التعمق في السرديات المتضاربة، لمصلحة المعني الأول بالمسألة برمتها، أي المشاهد، بقدر ما أن يكون الضيوف أنفسهم، وأحيانا كثيرة حتى مديرو الحلقات، جزءا لا يتجزأ من تلك السرديات المتضاربة. فكل منهم يمثّل جهة أو أيديولوجيا أكثر مما يمثل وجهة نظر. بالأحرى، وجهة النظر، وحتى المعلومة، تحضر بوصفها أداة يمكن تسخيرها في خدمة السردية التي تأتي بطبيعتها جاهزة مع أولئك الضيوف. وهنا يجوز التساؤل: إذا كان المحلّل قد أفصح عن هواه وانحيازاته السياسية منذ اللحظة الأولى، وإن لم يكن مسؤولا أو صانع قرار يمكن اعتبار كلامه معبّرا عن اتجاهات الصراع الحقيقي، فما الجدوى إذن من سماعه مرة بعد أخرى وهو يرطن باسم هذه الصحيفة الأجنبية أو تلك؟ الجدوى– بالنسبة إلى هذه الفضائيات– هي هذه بالضبط: أن يكون المحللون صدى للهوى السياسي، مؤكدين ومرسخين له ومقدمين الحجج الداعمة له، أما "الحقيقة" فغالبا ما تكون في مكان آخر.

ليس الهدف الكشف أو التبيان أو التعمق في السرديات المتضاربة، بقدر ما أن يكون الضيوف أنفسهم، وأحيانا كثيرة حتى مديرو الحلقات، جزءا لا يتجزأ من تلك السرديات المتضاربة


ما نراه على الشاشات العربية هو أجزاء متناثرة من الحقيقة، للمشاهد النبيه أن يحاول الإفادة منها قدر ما يتيحه التراشق الكلامي والصراخ، أما جوهر المسألة فهي أنك ترى مرايا مضاعفة من حقيقة واحدة، يمكن تسميتها بالحقيقة الفرجوية أو الترفيهية، ومن خلال تقاطع هذه المرايا بعضها مع بعض، وفي خدمة بعضها بعضا، وإن تناقضت في الهوى السياسي الذي تمثّله، فإنك ترى صورة عن المزاج العام، أو الشعور السائد، دون أن تفهم طبيعة هذا المزاج أو الشعور، أو تستطيع بناء فهم حقيقي حول الصراع محل النقاش.

بهذا المعنى، فإن هذه الحلقات النقاشية، التي تدّعي لنفسها نخبوية ما، من خلال الضيوف الذين تغلب عليهم صفة "الدكتور" و"الخبير"، هي انعكاس للشوارع السياسية والشعبوية التي يأتي الضيوف منها. هي تقع في خدمة الغرائز والنزعات والعصبيات، وعلى غرارها تنحو غالبا إلى نصب المحاكم وإطلاق الأحكام، والتراشق بالاتهامات والصوابيات السياسية والمظلوميات، بدلا من أن تعكس شيئا من الحقيقة المبتغاة.

المعضلة الأكبر حين تقام هذه الحلبات النقاشية على وقع أعمال القتل والدمار التي لا تني تتمدد رقعتها ويتعمق مداها وتتوحش طبيعتها. الضحايا، أولئك الذين تسفك دماؤهم الحقيقية، في المدن والقرى والشوارع، ليسوا إلا جزءا من الحجج السجالية المتبادلة. لن ترى محللا حزينا أو مبتئسا أو غاضبا مما يجري، فهذا مخالف لطبيعة دوره البارد. قد تسمع من بعض المحللين كلاما شعبويا عاطفيا شعاراتيا، فهو كما قلنا مرآة لهوى سياسي ما، لكنك لن تشعر بصدق تعاطفه مع من ينطق باسمهم ويزعم المنافحة عن حقوقهم. حتى من حيث الشكل، تكاد ترى الحماسة طاغية على الوجوه، والنشوة طافحة في العيون، خلال مناقشة يفترض أنها قد انطلقت من مذبحة مروعة قد تكون وقعت للتو. وإذا كان ليس مطلوبا من المحلل البكاء– فالدموع أيضا يمكنها أن تستخدم كأداة وحجّة– فإن الحدّ الأدنى من النزاهة، يتطلب أن يتعامل مع هؤلاء الضحايا بصفتهم هذه، أي كونهم ضحايا، لا كونهم مجرد أداة في ماكينة المحاججة التي لا تهتز، أو في الجهة المقابلة، بوصفهم أداة لاستجلاب التعاطف والمزيد من التصفيق واللايكات والمشاركات. 

font change