"دبلوماسية مكة"... والشرق الأوسط الجديد

"دبلوماسية مكة"... والشرق الأوسط الجديد

استمع إلى المقال دقيقة

شهدت مدينة مكة المكرمة على مَرِّ تاريخها المجيد كثيرا من الاتفاقيات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية والأمنية، فمن حلف الفُضُول قبل الإسلام الذي جاء متمماً لحلف المُطَّيبين، إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي تم توقيعها نهاية الأسبوع الفائت بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان وتركيا، وفيها تم رسم أولى خطوات تنفيذ استراتيجيات خارطة شرق أوسط جديد برؤية إقليمية.

من هنا يمكن فهم سبب اختيار القيادة السعودية لمكة المكرمة لتكون مقرا لتوقيع الاتفاق، وفهم توافق القيادتين التركية والباكستانية مع الرؤية السعودية في اختيار مكة مقرا للتوقيع، إذ يتجاوز الأمر رمزية مدينة مكة روحيا باعتبارها مهوى للأفئدة، لتأخذ اعتبارات أوسع على النطاق المعرفي والسياسي والاقتصادي علاوة على الأمني، بعيدا عن أي اصطفاف طائفي أو خصوصية قومية، فمكة قبلة كل المسلمين سنة وشيعة، وهي مظلة يمكن أن يستظل بظلالها كل أحد من أي مذهب وأي قومية، وهذا يعني أن الاتفاقية وإن كانت تأسيسا بين ثلاث دول سُنّية المذهب، لكنها ليست حكرا عليهم باعتبار الدلالة الأوسع لمفهوم ومساق المدينة التي سُميت الاتفاقية باسمها.

وكأني بالقيادات الثلاث، انطلاقا من هذا المفهوم، قد أرادوا تأكيد ملمح مهم في هوية الشرق الأوسط للقرن الواحد والعشرين، يرتكز على تحقيق السلم، وتبادل المصالح، دون أي اعتبار لمختلف الصراعات الطائفية والإثنية التي هيمنت على ملامح الخطاب في القرن العشرين. ولعمري فتلك بداية مهمة لتأسيس شرق أوسط ينشد الاستقرار، ويؤمن بأهمية الكفاءات الوظيفية كشرط للتمايز بين أعضائه، وليس البناء العُصبَوي المقيت، وهو ما سيعيد اللحمة إلى كل قومياته المتعددة في قابل الأيام.

في هذا السياق، يكشف التطور الذي شهدته اتفاقيات كثيرة بمكة المكرمة، انتقالاً نوعيا في شخصية المدينة، حيث لم تنحصر هويتها على رمزيتها الروحية، بل توسعت لتصبح مركزا للحوار الفكري والسياسي، ومكانا لبناء إطار أمني إقليمي، كما هو الحال مع توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" ظهيرة يوم الجمعة 7 أغسطس/آب 2026؛ وهو ما يؤسس لمفهوم ومصطلح "دبلوماسية مكة" التي من خلالها يتم توظيف المكانة الرمزية والدينية للمدينة، بحكم ما تكتنزه من مكانة كبيرة في قلب كل مسلم، مما يصب في تأكيد دعائم الحوار، ويؤثر في احتواء النزاعات، ويدعم بناء التوافقات، ويعزز من إنتاج مبادئ مشتركة بين مختلف الأطراف.

يكشف التطور الذي شهدته اتفاقيات كثيرة بمكة المكرمة، انتقالاً نوعيا في شخصية المدينة، حيث لم تنحصر هويتها على رمزيتها الروحية، بل توسعت لتصبح مركزا للحوار الفكري والسياسي، ومكانا لبناء إطار أمني إقليمي


وحتما يصب كل هذا في صياغة إطار جديد للشرق الأوسط متحرر من سلطة الكتلة الغربية، وينطلق من رؤية أبنائه لا رؤية إنجيلية صهيونية، إذ ينتمي المؤسسون للاتفاقية بعمقهم الحضاري إلى ثلاث تكوينات قومية، تنتمي جميعها لغرب أسيا، وترتبط برباط روحي واحد، ونسق ذهني مشترك، وبُعدٍ حضاري وتاريخي عريق، ورؤية سياسية متقاربة، وهو ما يجعلهم ومن ينضم إليهم مستقبلا، محورا قويا سياسيا واقتصاديا، متماسكا أمنيا، ورابطا بين سلاسل الإمداد شرقا وغربا، وهو طريق الإمداد الرابط بين آسيا وأوروبا "أوراسيا"، علاوة على دورهم المحوري كجسر عبور بين دول الجنوب العالمي والشمال المتقدم، وهو ما تعكسه بعض المشاريع التي تم الإعلان عنها كخط السكة الحديد الرابط بين تركيا وبحر العرب مرورا بسوريا والأردن والسعودية ووصولا إلى سلطنة عمان، وشبكة الربط الكهربائي الممتدة من الخليج إلى تركيا عبر الأردن وسوريا، إلى غير ذلك من المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

ويقينا سيثير كل ذلك مخاوف القارة الأبعد، كما سيزيد من مخاوف إسرائيل بيمينها المتطرف الحاكم، وكان نتنياهو قد شن حملته الدعائية مبكرا على هذا المحور، حين حذر من إمكانية تشكيل محور سني متطرف بحسب وصفه، وكأني به يريد أن يتشكل هذا المحور بقالبه السُني، ليقابل المحور الآخر بقالبه الشيعي، فتثور حرب طائفية بين المحورين وذلك غاية ما يرجوه ويأمله.

غير أن تنبه ووعي قادة "اتفاقية مكة" قد أفشلت خطته، حين جعلوا مدينة مكة وهي قبلة كل المسلمين سنة وشيعة، مظلة رسمية للاتفاقية، وأكدوا أن هذه الاتفاقية مفتوحة لكل الدول، وتهدف إلى بناء قدرة إقليمية رادعة، وليس "ناتو إسلامي" موجه ضد أحد، وكل ذلك بهدف حفظ أمن المنطقة الإقليمي، مع احتفاظ كل دولة بشراكاتها الأمنية، حيث ستبقى تركيا عضوا في حلف "الناتو"، وتحتفظ السعودية بعلاقاتها الأمنية العميقة مع واشنطن، وتحافظ باكستان على علاقاتها المتعددة مع الصين والولايات المتحدة ودول الخليج.

أشير أخيرا إلى أن مكة المكرمة قد شهدت في عام 1981 وفي رحاب الحرم المكي الشريف اجتماع قادة العالم الإسلامي في افتتاح "مؤتمر القمة" والذي عقدت جلساته بمدينة الطائف؛ ثم شهدت في أكتوبر/تشرين الأول 2006 توقيع "وثيقة مكة" العراقية التي جمعت الفصائل السياسية والدينية، في ظل تصاعد العنف الطائفي في العراق؛ ثم "اتفاق مكة" الفلسطيني في فبراير/شباط 2007 الذي جمع بين قادة منظمة "فتح" وحركة "حماس" بهدف وقف الاقتتال الفلسطيني، وتحريم سفك الدم بينهما، واعتماد الحوار وسيلة لحل الخلافات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وللأسف فلم يجف حبر الاتفاق في رحاب البقاع المطهرة حتى انفجرت المواجهة بين "فتح" و"حماس" مرة أخرى؛ ثم "وثيقة مكة المكرمة" التاريخية التي صدرت برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عام 2019، ووقعها أكثر من 1200 عالم من 139 دولة، يمثلون مختلف المذاهب والتيارات، حيث تناولت قضايا مختلفة على رأسها كرامة الإنسان، والتنوع الديني والثقافي، وحتمية التعايش، واحترام الاختلاف، ومكافحة التطرف، وغيرها.

font change