مقاربة تاريخية سياسية للوضع الراهن

مقاربة تاريخية سياسية للوضع الراهن

استمع إلى المقال دقيقة

أؤمن بأن التاريخ من حيث موضوعه لا يعيد نفسه، لكن تشكلاته النفسية والاجتماعية، ناهيك عن السياسية والاقتصادية، وصولا إلى الأمنية، تُعيد نفسها بقوالب مُتجددة، باعتبارها جميعا تنتمي لنزعة إنسانية لم ولن تتغير حتى يرفع الله الأرض ومن عليها.

لذلك، حين أتدبر الواقع الحالي على مختلف سياقاته، أشعر بأني أرى مشهدا قرأته من قبل في بعض صفحات الزمن، ومن هنا تنبع أهمية التاريخ ليس بوصفه نصا ماضويا مَيتا، وإنما بوصفه مشهدا حَيا يتجدد مع اختلاف الكُنى والألقاب والأسماء.

في التاريخ المعاصر تدمرت دول بسبب قرارات سياسية وعسكرية غير مدروسة، أدت إلى إلحاق الضرر بأصحابها أفرادا وجماعات؛ وليس قرار نابليون الفرنسي عام 1812، ثم هتلر الألماني عام 1941، بغزو روسيا إلا مثالا يعكس ما عاناه أولئك جراء قرار غير مدروس بشكل تام؛ كذلك الحال على الصعيد العربي، حيث يظل قرار الرئيس صدام حسين بغزو الكويت عام 1990، ثم رفضه الانسحاب، قرارا أهوج أدى إلى سقوط نظامه السياسي والعراق بأكمله في أتون الاحتلال الأميركي.

إذن هو التاريخ الذي لا يقتصر الوعي به على قراءة النازلة وفَهم ظروفها، بل يتطلب الوعي بالجغرافيا، ناهيك عن مختلف العلوم الاجتماعية، لكمال فهم أي مشهد سياسي معاصر، ولحكمة أي قرار يتم اتخاذه. ولعلي أجد ذلك اليوم حاضرا في مؤتمر حوار الأمن والتاريخ المنعقد هذا الأسبوع في الرياض، والذي حشد مُنظموه جمهرة من المؤرخين والباحثين والمفكرين والسياسيين للحديث حول قيمة الأمن في بناء سياقات المجتمع.

وأظن في هذا السياق أن الرئيس الأميركي وفريقه لم يتدبروا التاريخ كثيرا حين إعلانهم بالشراكة مع إسرائيل الحرب على إيران، ولذلك وجدوا أنفسهم منغمسين في شرك حرب يصعب التكهن بنتائجها، كما خرجت عن أهدافها الاستراتيجية المعلنة والتي تقضي بإنهاء النظام، وإنهاء النووي، ووقف الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، لكن كل ذلك لم يعد حاضرا في النقاش، في مقابل الحديث عن مضيق هرمز وكيفية رفع الحصار عنه، وإعادة حالة الأمان إليه. مع التأكيد على خسارة إيران الجسيمة في ظل هذه الحرب، وتهالكها اقتصاديا وتنمويا بشكل كبير، وأظنها ستحتاج إلى سنوات طوال لتعود إلى حالتها قبل الحرب، والتي لم تكن في أحسن حال.

ولو تدبر الفريق الأميركي التاريخ، وتأملوا الجغرافيا، وقرأوا الحياة الاجتماعية لإيران، لأدركوا أن النظام الحالي يقوى وينتعش بالحروب، ويستمد ما خسره من قوة مع إطلاق أول رصاصة، وهو ما وقع فيه النظام العراقي والدولي مطلع الثمانينات، حيث بإعلان العراق الدخول في حرب إيران عام 1980، أخذ النظام بالانتعاش، وعادت إليه قوته، وقد كان في بداية صراعه الداخلي بين مختلف القوى السياسية يمينا ويسارا.

والأمر كذلك في هذه الحرب التي لولا بدايتها في 28 فبراير/شباط 2026 لكان النظام قد بدأ في التهاوي أمام ثورة الناس، وغضب البازار، واستياء فريق واسع من الإصلاحيين، وفرض الليبراليين لبعض مطالبهم والتي تمثلت في إلغاء فرض الحجاب بالطريقة المذهبية في إيران، وغيرها.

كل ذلك كان مؤشرا على بدء حالة التوتر الداخلي، وبخاصة مع ابتداء اندلاع المظاهرات العارمة، غير أن إرادة التغيير الشعبي بدأت في التلاشي حين أفصح الرئيس ترمب عن دعمه للمتظاهرين، وأخذ بعضهم في إطلاق النار، فتوقف الشارع الإيراني خشية أن يُتهم بالتخادم مع الخارج، وهكذا صبّ القرار الأميركي في صالح النظام بسبب عدم وعيه بالتاريخ، وعدم معرفته بخصائص المجتمع.

لن يكون لمضيق هرمز أي مزية استراتيجية، كما لن يكون لإيران أي ورقة تُهدد بها في صراعها الدولي، إلا ما كان من تكريس اعتداءاتها الحربية على جارها العربي

أشير إلى أن قيمة الأمن تكمن في خاصية الأمان، وحين يتحقق الأمان وهو كمال النزوع النفسي نحو الاستقرار وعدم الخوف، تتحقق المصالح العامة بكل سلاسة. وهو ما افتقدته المنطقة جراء قرارات أميركية غير مدروسة استراتيجيا بشكل أو بآخر، فالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة لم يتوقف، ونحن في دول مجلس التعاون الخليجي المتضررون من تنامي هذا الصراع، وذلك باستهدافنا إيرانيا من جهة، أو عبر أذرع طهران في جنوب العراق من جهة أخرى، وهو سلوك عدائي يُخالف كل ما تدعيه إيران، ويكشف عن نيتها الخفية إزاء جارها العربي؛ على أن أكبر إشكال واقع حاليا كامن في غياب الشعور بالأمان في مضيق هرمز، وهو ما تُعول عليه إيران استراتيجياً، بتهديدها كل من لم ينسق معها، ولم يدفع المبلغ المالي الذي تفرضه في شكل من أشكال القرصنة للأسف الشديد.

أشير إلى أن انعدام الأمان بشكل تام، وإن كان في غير مصلحة دول الخليج وناقلات الطاقة حاليا، إلا أنه سيكون لمصلحتها مستقبلا إن استمرت إيران بممارساتها العدائية بحجة الحرب مع الولايات المتحدة، حيث سيزيد من تحفيز دول الخليج للبحث عن ممرات بديلة، سواء عبر مد خطوط أنابيب إلى بحر العرب عبر الفجيرة أو سلطنة عمان مستقبلا، أو إلى البحر الأحمر كما هو الحال مع خط شرق-غرب البترولي السعودي، والحلول كثيرة في هذا السياق.

وبالتالي، لن يكون لمضيق هرمز أي مزية استراتيجية، كما لن يكون لإيران أي ورقة تُهدد بها في صراعها الدولي، إلا ما كان من تكريس اعتداءاتها الحربية على جارها العربي، والذي لن يقف الإقليم والعالم مكتوف الأيدي إزاءه، وربما سيعمدون إلى توحيد صفوفهم لاقتحام طهران مستقبلا كما حدث مع برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية، فهل سيعيد التاريخ تشكلاته هذه المرة في منطقة الشرق الأوسط؟

font change