صورة الموت في 4 أفلام سعودية... يقظة الصورة وأسئلة الثقافة

لحظة الأسى والفقد وكشف التناقضات

صورة الموت في 4 أفلام سعودية... يقظة الصورة وأسئلة الثقافة

يظل الموت لغزا محيرا في الثقافات كافة، سواء في تقديم تفسير له، أو لفهم ما يليه، فضلا عن الطقوس المتعلقة به التي تجسد دلالاته العميقة. ففي كل ثقافة نجد إسهابا في طرحه كسؤال فلسفي لا يمكن تجاوزه، باعتباره مفتاحا رئيسا لفهم معنى الحياة.

وفي الثقافة الإسلامية يحتل الموت مكانة بارزة في الممارسة اليومية، مما انعكس بشكل واضح وجلي في الآداب والفنون، وهذا ما أمكن ملاحظته في عدد من عروض النسخة الثانية عشرة من "مهرجان أفلام السعودية" الذي أقيم الشهر الماضي في مركز الملك عبد العزيز الثقافي (إثراء) في مدينة الظهران شرق المملكة. حيث حضر الموت بصورة مباشرة في ثلاثة أفلام قصيرة وفيلم طويل، بالإضافة إلى تناوله في عدد من الأفلام الأخرى بشكل ضمني أو طارئ.

الرحيل: بوابة العوالم الجديدة

يمثل الموت في بعض هذه الأفلام وسيلة للانطلاق إلى دخول حياة جديدة، ورسم عوالم تتناقض جذريا مع دلالات النهاية الحزينة، إذ تستثمر تلك اللحظة بصفتها هدفا يفضي إلى ارتباط عاطفي لبناء أسرة سعيدة، وهو ما أتكأ عليه بصورة مباشرة فيلما "مسألة حياة أو موت" و"اتزاز". ففي الفيلم الأول، وهو فيلم طويل من تأليف سارة طيبة وإخراج أنس باطهف، حاز تنويها خاصا من لجنة التحكيم، تتوهم البطلة وجود تعويذة شريرة تهدد عائلتها بالموت في حال بلوغ من العمر ثلاثين عاما دون ارتباط، وعبر هذا العالم الفانتازي يحضر الزواج كخيار لطرد تلك اللعنة، ومن خلال المصادفة يكون الهدف المناسب طبيبا مهددا بالموت بسبب بطء في نبضات القلب.

كان خيار صناع الفيلم هو العوز والفقر وقلة الحيلة، في إشارة إلى أن الموت يحمل في ثناياه إيحاءات عن عمق أثره على الفئات المهمشة

أما الفيلم القصير، "ارتزاز"، من تأليف وإخراج سارة بالغنيم، فيروي قصة وفاة زوج إحدى الثريات، وتوافد عدد ليس بقليل من الفتيات، لا لتقديم واجب العزاء، وإظهار التضامن والمواساة مع أسرة الفقيد، بل يجدنها فرصة لتقديم أنفسهن كزوجات المستقبل لولدها الوحيد، مما يحول تلك اللحظة إلى حدث استعراضي تتجلى فيه كل المظاهر الفجة والمبتذلة من أجل تحقيق تلك الغاية.

ملصق "ارتزاز"

أما في الفيلم القصير، "مجهول"، من تأليف وإخراج إبراهيم البكيري، فنجد أن الموت ينزل منزلة المصاب الجلل بكل دلالاته ومعانيه، فهو الفناء والفقد والوجع من جهة، ومن جهة أخرى، مهمة يستوجب معها تطهير الراحل من كل ما علق به من دنس الدنيا، وفي مقدمها ما بقي في ذمته من ديون وحقوق مالية تجاه الآخرين.

احتاجت هذه الحبكة إلى تحد يرفع إيقاع الفيلم في تصاعد منطقي، وذلك عبر إطار نوعي يكون قادرا لاحقا على تفسير العقدة بشكل مؤثر، فكان خيار صناع الفيلم هو العوز والفقر وقلة الحيلة، في إشارة إلى أن الموت يحمل في ثناياه إيحاءات عن عمق أثره على الفئات المهمشة أو ذات الدخل غير الثابت. تكمن جمالية هذه المعالجة في أن مهمة سداد تلك الاستحقاقات تتجاوز المدة النظامية للاحتفاظ بالجثة في ثلاجة الموتى، مما يجعل الشاب يشعر، ما أن يفرغ منها، بأنه فقد والده مرتين، مرة بسبب الموت، ومرة بعدم إمكان أداء واجب الصلاة عليه بعد اعتبار جهات الاختصاص جثته مجهولة المصدر، فيوارى القبر دون وداع محبيه له كما جرت العادة.

ملصق "مجهول"

سؤال أخلاقي

أما "يوم العزاء الأول" فهو يتمحور حول سؤال أخلاقي صرف، وذلك في البحث عن سردية لائقة تفسر سبب الوفاة. فالعائلة الصغيرة المكونة من أم وأخوين وأخت تتضارب أقوالهم أمام الأب غير المقيم معهم في المنزل نفسه، إذ يتفرد كل منهم بذكر قصة عن أخيهم الذي كانت وفاته في نظرهم مسألة وقت، وذلك بسبب حالة الاكتئاب التي كان يعاني منها منذ رحيل ابن عمه المقرب منه.

يدرك الأب هذا التضارب منذ اللحظة الأولى، لذا يصر أمام كل واحد منهم على حدة على معرفة كيفية وفاة الابن الحقيقية، فهل مات أثناء قيادة دراجته النارية كما ذكر له فور دخوله منزل هجره منذ مدة، أم أن الوفاة كانت لسبب غامض لا أحد يود البوح به؟ يأتي الجواب في لحظة وداعه في ثلاجة الموتى، إذ يدرك الأب أن ابنه مات منتحرا، ومع تكشف هذه المعلومة تبدأ محاولة تفكيك خيوط علاقته المريبة بابن عمه، ومعها يقتنع رب الأسرة المقصر ضرورة مدارة علمه بسلوكيات ابنه، فيختلق قصة مغايرة غارقة في الرومانسية لبناء عالم جديد لما بعد الرحيل، مؤكدا لمن حضر يوم العزاء الأول أن المرحوم انتقل إلى رحمة الله في حادث سير على طريق مكة المكرمة وهو في طريقه لأداء العمرة.

المسجد وتجليات قداسة المكان

غاب المسجد، على الرغم مما يحمله من دلالات روحية ومكانة مقدسة في الثقافة الإسلامية في الفيلم الطويل، "مسألة حياة أو موت"، ومرد ذلك كون الموت فيه لم يقع فعليا، بل هو الثيمة التي تدور حولها الأحداث، وعلى النقيض من ذلك حضر في الأفلام الثلاثة القصيرة الأخرى.

أعطى "ارتزاز" ملمحا ثقافيا بأن لحظات العزاء ليست مستثناة من التوظيف لأهداف غارقة في الدنيوية

فنجد أن الطابع الكوميدي في "ارتزاز" وظف المكان في السياق نفسه الذي بنيت عليه الحبكة، فالمسجد هنا ليس مكانا للحزن المقدس فتكون له من هيبة الموت أعلى مراتبه، بل هو وسيلة للتقرب من زوجة المتوفى للفت نظرها ونيل شرف الزواج من ابنها الوحيد. وترجم ذلك عبر التدافع والقفز بين صفوف المصليات، بالإضافة إلى توظيف اللقطات العلوية لبيان الاكتظاظ حول المرأة الاريستقراطية في ما يشبه تحلق خلية نحل حول الملكة لحمايتها، وفي المحصلة نيل رضاها. ورغم ما يظهر من تلك المشاهد من استخفاف بقدسية المكان المرتبط بتلك الواقعة، إلا أنه أعطى ملمحا ثقافيا بأن لحظات العزاء ليست مستثناة من التوظيف لأهداف غارقة في الدنيوية، في مقدمها الزواج.

ملصق "يوم العزاء الأول"

صحيح أن فيلم "يوم العزاء الأول" لم يصور أيا من مشاهده في المسجد، إلا أن هذا الأخير كان خلفية لأهم مشهد في الفيلم، وهو مشهد المواجهة بين الأب وبقية أفراد أسرته. ونستطيع القول إن الفيلم عمد إلى إسباغ مزيد من القدسية على المكان، خاصة بعد انكشاف حقيقة أن الراحل لم يمت بقضاء الله وقدره ولكن لاقترافه فعل الانتحار الذي يعتبر من المحرمات الدينية، حيث يصنف مرتكبه بأنه كبيرة يصعب الجزم بإمكان غفران فداحتها في الآخرة. أما فيلم "مجهول"، الذي فاز بجائزة "النخلة الذهبية" في فئة الأفلام القصيرة، فقد جعل من اللقطة التي ستسدل عليها شارة النهاية أداء أحد فروض الصلاة في المسجد، وفيها ينهار الابن باكيا وحيدا في دلالة تربط المشاهد بين الوداع المفقود وحسرة الفقد في أعظم تمظهراتها قدسية.

سطوة القالب على المعالجة

إحدى المفارقات التي تزخر بها هذه الأفلام، وتستحق التوقف عندها، هي احتكام المعالجة إلى النوع الفني الذي تدور في فلكه، وهذا بحد ذاته مؤشر الى الوعي بأن لكل جنس فني معالجة خاصة. فلو أخذنا نظريا الكوميديا سنجد أنها ملائمة لتخفيف وقع الموت، وبالتالي كسر الصورة النمطية المرتبطة به بأنه يطفئ وهج الحياة حزنا وبكاء، كونها تسخر بحسب اشتراطاتها من الأوضاع القائمة لبيان عوار اجتماعي ما. على النقيض من ذلك، نجد الدراما تعمق سبر أغوار النفس البشرية، وتعكس تمظهراتها المختلفة في صراع محتدم مليء بالعواطف الجياشة.

وعليه، نلاحظ أن فيلمي "مسألة حياة أو موت" و "ارتزاز" وظفا الكوميديا عند محاولة البحث عن فرص لبدايات مختلفة في المضمون والمقاصد عبر السخرية من واقع فكرة الارتباط، وما كان ذلك ليتأتى إلا بأداة تكون مقبولة فنيا. فاللعب على المفارقات وإظهار الأضداد في موضوع حساس حافل بالتناقضات، في حاجة لمرونة عالية، وبالتالي تحكيم اشتراطات مباشرة تصل الى لجمهور دون تورية أو مجاز غارق في الإجهاد الفكري والتأمل الرمزي.

ملصق "مسألة حياة أو موت"

على النقيض من ذلك، عبر فيلما "مجهول" و"يوم العزاء الأول" عن فكرة بناء عالم جديد لما بعد الرحيل بشكل إيحائي يستنهض مشاعر المشاهدين، فأخذا من ما ورائيات الحدث عقدة ضمنية تتطلب تحليلا واستغراقا في تفسيرات الفكرة. ففي الفيلم الأول لا يحضر الموت بوصفه معضلة بحد ذاته، ولكن الأهم ما يليه من كشف شروخ تنخر في طبقة كاملة في ما يتعلق بتصريف شؤون حياتها بشكل عام، فكيف إن ارتبط ذلك بمعضلة أخلاقية تتمثل في التخلص من القلق النفسي والتزام عهود الراحلين. أما الفيلم الثاني، فهو يرسم مسارين لا رابط بينهما ظاهريا إلا أنهما يشتبكان في النهاية لتبرير الكذب، بل واسباغ إطار تطهيري عليه يرفع الميت من أي دنس أو سوء ظن قد يلحق به.

يحسب لهذه النسخة من مهرجان أفلام السعودية إبراز أعمال بهذا المستوى من العمق في الطرح والمعالجة

نستخلص من هذه النماذج أن الموت لم يقدم في صورة واحدة، وهي الصورة النمطية المرتبطة به عادة، بل أخذت أكثر من شكل وصورة، عبر طرح مستويات مختلفة للعديد من الأسئلة والفرضيات، مع استحضار دلالي للدوافع والأماني وحرارة التفجع. ويمكن اعتبار كسر تلك النمطية ملمحا يعتد به، ويعطي مؤشرا الى أن هناك حالة وعي أخذت في التشكل عبر الخروج من الاعتيادية، سواء على مستوى المعالجة أو المدلول النفسي والرمزي. أخذا في الحسبان أن حصول بعض تلك الأفلام على جوائز دعم وتشجيع من لجان المهرجان، سواء على مجمل العمل أو جوائز فردية، هو انتباه نقدي بأن هناك اشتغالا فنيا وموضوعيا يجب تقديره.

وفي هذا السياق، يحسب لهذه النسخة من مهرجان أفلام السعودية إبراز أعمال بهذا المستوى من العمق في الطرح والمعالجة. ومن خلال المتابعة، يمكن اعتبار هذه الخطوة مقدرة لإخراج الفيلم السعودي من الإدهاش البصري الصرف، أو الاستنساخ من الرؤى الغربية، والغوص في الذاتية المحلية وطرحها كموضوع ثقافي وصورة مجازية للراغبين في معرفة ماهية المجتمع السعودي عبر السينما.

font change

مقالات ذات صلة