تفرد ووحشة

تفرد ووحشة

استمع إلى المقال دقيقة

كلما أمعن الفرد في إثبات نفسه، أمعن ذهابا في الوحدة، وازداد شعوره بالوحشة. وينطبق هذا الكلام، أكثر ما ينطبق، على العاملين الجادين في حقول الثقافة، وبالأخص في بعض حقولها التي تقتضي التعمق الدائم، ولا تجتلب الصخب، ولا تحتضن السعي إلى شهرة سريعة أو عابرة. من ذلك مثلا حقول الأدب والفلسفة والنقد.

ومن الطريف جدا، أن المثقف العامل في أي حقل من الحقول التي أشرنا إليها، يحيا في مفارقات عديدة. من أبرز هذه المفارقات إحساسه المفرط بفرديته من جهة، ونزوعه إلى التأثير في الآخرين من جهة ثانية. بكلمة أخرى، يبتعد عن الآخرين، فيما هو يحاول الاقتراب منهم. هذه بوجه خاص هي حال الشاعر أو الفيلسوف. فكل منهما يتوجه إلى جمهوره بما يحسبه مشروعا للتغيير، لتجديد الرؤى والمفاهيم، لإدخال عناصر جديدة في الذوق العام وفي طرق التفكير. ولكنه، إذ يندفع في هذا المشروع، إنما يعمل على توسيع الهوة أو المسافة بينه وبين الجمهور الذي يتوجه إليه. يعمل على ذلك بطريقة غير مباشرة، بطريقة هي جزء من طبيعة مشروعه التغييري. فالشاعر أو الفيلسوف لا يمكنه أن يدخل في مساومات مع جمهوره، إلا إذا ارتضى الدخول في مساومات مع طبيعة عمله. وعند ذلك سيرضى بأنواع من الإسفاف أو التهاون أو التفريط.

والشعور بالتفوق لدى الشاعر أو الفيلسوف هو في أساس شعوره بالتفرد، وهو الذي يورثه في الغالب شعورا حادا بالوحدة. وقد دأب الدارسون على الاستئناس بالشاعر العربي المتنبي، وبالفيلسوف الألماني نيتشه، مثالين بارزين على ذروة الإحساس بالتفوق والتفرد. وقد عبر كل من المتنبي ونيتشه عن وقوفه وحيدا في عصره. وقد بلغ الأمر بكل منهما حد التذمر من معاصريه، فصورهم يعيشون في زمن غير زمانه، تعبيرا عن البون الشاسع الذي استشعر به قائما بينه وبينهم.

يتوجه الشاعر أو الفيلسوف إلى أهل عصره مستفزا أو مستنهضا أو متذمرا وكأنه يحمل رسالة إزاءهم هي رسالة التغيير لرفع مستويات عيشهم وثقافتهم


يتوجه الشاعر أو الفيلسوف إلى أهل عصره مستفزا أو مستنهضا أو متذمرا. يفعل ذلك وكأنه يحمل رسالة إزاءهم هي رسالة التغيير لرفع مستويات عيشهم وثقافتهم. إلا أنه في الوقت نفسه لا يعيش مثلهم أو فيهم أو معهم. وكلما ازداد إخلاصا لنفسه ازداد ابتعادا عنهم. وقد يعلن أنه ليس واحدا منهم. وهذا ما فعله المتنبي مرارا في شعره. من ذلك قوله:

وما أنا منهم بالعيش فيهم       

ولكن معدن الذهب الرغام

وقوله أيضا:

فإن تفق الأنام وأنت منهم      

فإن المسك بعض دم الغزال

ولم يتوقف الأمر لدى المتنبي عند التذمر من الآخرين والابتعاد عنهم والتعالي عليهم، بل ذهب به إلى الشعور بالغربة بينهم. هذا الشعور أذكى اعتداده بنفسه، وجعله يقول إنه يعيش في عصر لا ينصفه، وإن معاصريه لا يستحقونه. من ذلك هذا البيت:

أنا في أمة تداركها الله      

غريب كصالح في ثمود

وهذا البيت أيضا:

أريد من زمني ذا أن يبلغني       

ما ليس يبلغه من نفسه الزمن

تضخم الذات هذا، نجد ما يشبهه أو يتعداه عند نيتشه، الذي كان يشفق على نفسه من وجوده مع معاصريه، ومع أقرب أقربائه. وإذا كان المتنبي قد جعل الدهر واحدا من رواة قصائده، فإن نيتشه قال إن كلامه يحلق على ارتفاع عشرة آلاف قدم أعلى من أي كلام قاله أو كتبه البشر.

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يتحدث عن نوعين من الوجود يعيشهما الفرد: الأول وجوده مع نفسه، وهو الوجود الحقيقي. والثاني وجوده مع الآخرين، وهو الوجود المزيف. هل نقول إذن إن الوجود الحقيقي للفرد هو في الوحدة أو العزلة؟ ألا يجدر بنا أن نوافق، مع هايدغر، على أن علاقات الفرد بالآخرين لا بد وأن تجعله يخضع للكثير من المساومات التي ينفر منها أو لا يرتضيها؟ وأية وحشة عظيمة هي تلك التي يعيشها الفرد المخلص لوحدته، الذي لا يقبل المساومة على وجوده الحقيقي؟ وهذه الحالة الأخيرة ألا نجدها متمثلة على نحو متميز بحالتي الشاعر والفيلسوف؟

إذن، يمكن القول إن تحقيق الفرادة أو التفرد يستوجب ثمنا، هو الجنوح إلى الوحدة ومعاناة الشعور بالوحشة. ومن باب الكلام على اللذة التي يمكن للفرد أن يجنيها من خلال تحقيق ذاته، يمكننا القول إن الشعور بالوحشة لدى المبدع، شاعرا كان أو فيلسوفا، يقترن بالشعور بالامتلاء. وربما بسبب من هذا الشعور، نجد معظم المبدعين يتغزلون بالعزلة، ويعدونها نمطا من العيش هو أجمل وأجدى وأخصب من أنماط العيش مع الآخرين.

سعي المرء إلى إثبات ذاته وتحقيق فرادته أمر مغر، يقوده إلى الشعور بالامتلاء والتميز. ولكن يورثه في المقابل شعورا بالوحشة

يقال أحيانا إن المرء يولد متعددا ويموت وحيدا. يولد ضمن شبكة من العلاقات ينشأ في ظلها، ويستعين بها على تكوين شخصيته. وفي سياق النمو والتبلور، يزداد وعيه بكونه فردا. ومن ثم ينحو مبتعدا، بنسبة أو بأخرى، عن تلك العلاقات التي كانت ضرورية له في البداية. وعند المبدعين، يبلغ وعي الفرد حد التذمر من علاقاته بالآخرين وعدها قيودا، بل منزلقا إلى وجود مزيف بحسب تعبير هايدغر.

لنقل في النتيجة إن سعي المرء إلى إثبات ذاته وتحقيق فرادته أمر مغر، يقوده إلى الشعور بالامتلاء والتميز. ولكن يورثه في المقابل شعورا بالوحشة، وإن تغنى بالوحدة أو العزلة.

font change

مقالات ذات صلة