قبل أسابيع، كان من المفترض لمنتجع صحي هادئ على شواطئ الجونة المصرية أن يستضيف المحاضرة الأوسترالية باربرا أونيل لتقديم دورة تدريبية عن "الاستشفاء الطبيعي" وإعادة ضبط نمط الحياة. لم تكن الفعالية، في ظاهرها، سوى واحدة من مئات الورش التي تقام على هامش سياحة الاستجمام العالمية، لكنها سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية وصحية واعلامية واسعة في مصر.
تسارعت الأحداث بشكل درامي، إذ تحركت نقابة الأطباء المصرية محذرة من خطورة الادعاءات المرتبطة بالسيدة، ودخلت وزارة الصحة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على خط الأزمة، ليتسابق الجميع في إصدار قرارات بمنعها من التحدث، وحظر ترويج فعالياتها أو خدماتها، والتذكير الصارم بأنها لا تملك أي ترخيص لممارسة الطب في مصر، وبأن ولاية نيو ساوث ويلز الأوسترالية صرحت رسميا منذ عام 2019 بأنها تشكل "خطرا داهما على السلامة العامة".
لكن بالنسبة الى متابعي أونيل على "تيك توك" و"يوتيوب"- الذين يقدرون بالملايين حول العالم- لم يكن هذا التحرك المؤسسي السريع سوى دليل إضافي على صحة مذهبها. لم يروا في الحظر حماية لصحة المرضى، بل اعتبروه فصلا جديدا في مسرحية سئموا مشاهدتها، فالمؤسسة الطبية القديمة -حسب رأيهم- تحاول حماية أرباحها وسلطتها عبر إسكات امرأة تجرأت على القول إن العلاج يتنسم من المطبخ وأعشاب الحقل، لا من مختبرات الأدوية وقاعات الجراحة.
قبل أونيل بمدة ليست بالبعيدة، عاش الشارع المصري حالة مماثلة من الانقسام حول الطبيب الراحل ضياء العوضي ونظامه الشهير، "الطيبات". لم يكن العوضي يعزف على وتر التغذية الصحية كما يفعل أطباء التخسيس أو السكري التقليديون، بل كان يقدم صياغة شاملة للخلاص من الأمراض المزمنة عبر شفرة غذائية حاسمة، واضعا نفسه في مواجهة مباشرة مع المؤسسة الطبية التي ينتمي إليها رسميا.
خطاب مغر
تكشف القصتان ظاهرة أوسع بكثير، تتعلق بالطريقة التي تغير بها سوق المعلومات الطبية في عصر منصات التواصل الاجتماعي. فالمريض الذي كان يلجأ قبل عقود إلى طبيبه أو كتاب طبي أو برنامج تلفزيوني متخصص، أصبح اليوم محاطا بآلاف الأصوات التي تتنافس على تفسير مرضه، وبعضها يقدم له إجابات شديدة البساطة عن أسئلة شديدة التعقيد.
كما أصبح الخطاب أكثر إغراء عندما يعد الإنسان بأنه يستطيع استعادة السيطرة على صحته من خلال عدد محدود من الأطعمة أو الأعشاب أو التغييرات اليومية، بدلا من رحلة طويلة بين التحاليل والأدوية والجراحات، يعد فيها مروجو الخرافة بيقين كامل بشفاء الأمراض المعقدة بطرق تغذوية بسيطة.


