لم يحدث في تاريخ كل الحروب، التي عرفها اليمن طوال نصف القرن العشرين الماضي، وحتى الربع الأول من القرن الحالي أن جرى الزج بعشرات الآلاف من المدنيين، ومن بينهم عددٌ كبير من الأطفال وحتى النساء الشابات، في أتون الحرب الدائرة الآن، التي تسببت في إشعالها جماعة الحوثي، الموالية لطهران والمدعومة من قبلها، وذلك بعد خروجها على الإجماع الوطني، واستيلائها على السلطة في العاصمة اليمنية صنعاء بقوة السلاح والمال السياسي الإيراني.
كشفت المواجهات الحالية بين الحكومة والميليشيات الحوثية عن نوعين من الأسرى الذين وقعوا بيد الجيش اليمني في جبهات عدة، أولهما شبانٌ أسرى قالوا إنهم ألقوا بأسلحتهم بعدما تخلت عنهم الميليشيات، وأدارت ظهرها لهم دون وسائل إسعافٍ أو أدوية أو حتى مياه للشرب، وقاموا كما قالوا بتسليم أنفسهم طواعية، حيث كان أول مطلبٍ لهم هو الحصول على ما يسد رمقهم من الطعام والماء، ربما بعد أيام من انقطاع الغذاء الزهيد الذي كانت توفره لهم الميليشيات، أما النوع الثاني من الأسرى، وهو المؤلم، فهم مجموعات من الأطفال والمراهقين والشباب دون سن العشرين الذين ألقت بهم الميليشيات في محارق الموت دون احتياطات أمن أو غذاءٍ كافية، ناهيك عن أي رحمة أو وازعٍ من دينٍ أو ضمير.
بالتأكيد، لا يمكن الجزم بشكلٍ قطعي بصحة المقاطع المسجلة التي تبثها جميع أطراف الصراعات في كل مكان من العالم، ومن بينه اليمن، على أساس أنها "اعترافات" حقيقية يدلي بها هؤلاء الأسرى، فهي في الغالب لا تتم فقط تحت التعذيب والإكراه، بل أيضاً بفعل شعور الأسير بعد وقوعه في كمائن الخصم بالانكسار واليأس والندم والشعور بالضياع، والحاجة إلى بديل يستند إليه.
نعلم أيضاً أنه يتم غالباً خداع الناس بأعمالٍ "مضللة" من خلال جلب أشخاص للظهور أمام الكاميرات في مواقف "تمثيلية" يقرون فيها بوقوعهم في الأسر، ويلتمسون الرحمة بشكلَ مذلٍ من قبل العدو، وذلك في إطار الحروب "النفسية" التي تتم بغية هزيمة الروح المعنوية لدى الطرف الآخر، ولقد عرفت وشاهدت الكثير من هذه الحالات، خلال متابعاتي وتغطياتي الصحافية لعدد من الحروب في الشرق الأوسط، وحتى من خلال القصص والشهادات التي استمعت إليها في بعض المحاكمات الصورية التي جرت لبعض ضحايا تلك الحروب، في البلدان التي اضطرّوا إلى مغادرتها واللجوء إلى أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما.
تحليل تلك "الشهادات" أو الإفادات ليس بمستحيلٍ على رجل صحافة أو محاماة ينتمي لذات مناطق الصراع، دون تحيزٍ لأي من أطرافها، حتى ولو بمستوى متوسطٍ من الذكاء، فسحنات وجوه الضحايا تظل واضحة في جفافها ومعاناتها، واللهجات التي تنطق بها مختلطةً ببعض البكاء تدل على منبت ومشرب الأسير، وتحديد هويته ومنطقته بما قد يكون سهلاً من ناحية للوثوق في روايته، أو قد يكون عسيراً من ناحيةٍ أخرى للتشكيك في صحتها، لدى بعض القضاة النزهاء، الذين يرون أن "العفو بالخطأ أهون من الخطأ في العقوبة".



