ينوّع الملك عبد الله الثاني في خيارات بلده الاستراتيجية في التوجه نحو الشرق، زائراً للصين في الذكرى الخمسين على إقامة العلاقات الأردنية-الصينية، حاملاً معه ملفات للمستقبل وشراكات فاعلة مع السوق الأردنية، بحثا عن الفرص الممكنة لدعم عجلة الاقتصاد الأردني. وسبق ذلك أن زار الملك عبد الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خمس دول آسيوية، هي اليابان وسنغافورة وباكستان وفيتنام وإندونيسيا، بالهدف ذاته، وهو توسيع الشراكات الاقتصادية، وفتح أسواق تلك الدول للمنتجات الأردنية.
إن الصين تدرك قيمة الأردن، لا كبلد مستقر في شرق أوسط ملتهب وحسب، بل في موقعه الجيوسياسي بين آسيا وأفريقيا، الذي تضعه الجغرافيا كطريق تجاري مهم وحلقة وصل مع امتدادها في غرب آسيا وأفريقيا، وبلد فيه من الاستقرار والفرص والكفاءات البشرية القادرة على التعامل مع متطلبات الصناعة الصينية، وبالتالي سدّ فجوة كبيرة في الشرق الأوسط الذي تطمح بكين لتعزيز حضورها فيه.
لكن لماذا يتحول الأردن شرقا نحو الصين وقبلها دول مركزية في شرق آسيا؟ ولماذا في هذا التوقيت، وهل للأمر علاقة بشراكاته مع الغرب وفي مقدمته الشريك الأميركي، ويليه الاتحاد الأوروبي؟
قطعا، الأردن لا يسعى للشرق بدلا من الغرب، ولا يريد البحث عن بدائل لمجرد تغيير الخيارات، بل يبحث في تنويع الفرص وإعادة صياغة شبكة الشراكات الاقتصادية للمملكة، واستثمار عناصر المنعة والاستقرار وسيادة القانون في الاستثمار مع شركاء جدد على مستوى الاقتصاد العالمي، وهو ما ظهر في برنامج زيارة الملك عبد الله الثاني لمختلف مراكز الاقتصاد والصناعة الصينية المستهدف جذبها للأردن، هذا بالإضافة إلى التركيز على جذب السياحة الصينية للأردن، وهو جهد ينهض به الملك في ظل تفرغ الحكومة للإدارة التنفيذية.
وتأتي زيارة الملك عبد الله الثاني في هذا السياق، وهي الزيارة الثامنة إلى الصين منذ توليه العرش، وقد شهدت لقاءات مع مسؤولين وشركات صينية كبرى، ركزت على قطاعات الطاقة والتعدين والأسمدة والصناعات المتقدمة والغذاء واللوجستيات والتكنولوجيا. كما يبدو الأردن في ظل تنامي تحديات الاقتصاد معنياً بجذب وتعميق الشراكة الاقتصادية وتوسيع حضور الاستثمارات الصينية في الأردن، الذي يمكن أن يكون محطة مهمة في سلسلة التمدد الاقتصادي الصيني للمنطقة.
في الدبلوماسية الصينية يظهر مؤخرا نشاط للسفير الصيني، قوه وي، في عمان، حيث قام بعدة زيارات متعددة القطاعات بالإضافة لزيارات اجتماعية، ما جعله يحضر إلى جانب السفير الأميركي في عمان، جيمس هولتسنايدر، الدائم المشاركة في كثير من المناسبات في المجتمع الأردني، وفي زيارة المؤسسات.
والأردن شريك في "مبادرة الحزام والطريق" الصينية (طريق الحرير الجديد) منذ عام 2015، والتي شملت منذ ذلك التاريخ نحو 150 دولة، و32 منظمة دولية، هذا بالإضافة إلى مشاريع النقل والربط السككي، بين القارات مما أسهم في إعادة حضور الصين المركَّز في سلاسل النقل والإمداد والتزويد، التي يمكن أن يكون الأردن محطة هامة فيها، وهو حضور يمتد تاريخيّا إلى أزمنة بعيدة، حين كان الأردن أحد أهم جهات "طريق الحرير" التاريخي.
التحدي الحقيقي أن يكون التوجه شرقاً جزءاً من استراتيجية أردنية أوسع: تنويع الأسواق، وجذب الاستثمار، وزيادة الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شبكة العلاقات الدولية المتوازنة
ومع ذلك، لا يبدو الأردن باحثاً، عن بديل للغرب، بل يريد تعظيم تنافسية موقعه، بالبحث عن شراكات مستقرة ودائمة، فالغرب الآن يشهد تصدعا في تحالفاته، وأميركا تتغير كل أربع سنوات، لذلك يأتي هنا الجواب على سؤال: لماذا الصين؟
من الطبيعي أن تكون هناك نوافذ جديدة لتنويع خيارات الدولة الأردنية في الاقتصاد والتنمية، وفي الملفات الدولية التي للصين صوت مؤثر بها، فمنذ إطلاق "مبادرة الحزام والطريق" تعاظم التعاون الأردني الصيني، وفي الأرقام ما يكشف حجم التحول في العلاقة الاقتصادية بين البلدين، إذ باتت الصين، بحسب تصريحاتٍ للسفير الصيني في عمّان، أكبر شريك تجاري للأردن عام 2025، بعدما تجاوز حجم التجارة الثنائية 6.7 مليار دولار، فيما تجاوزت الاستثمارات الصينية في الأردن 3 مليارات دولار. فيما سجلت الصادرات الأردنية إلى الصين نمواً لافتاً خلال الأشهر الأولى من عام 2026.
ومع ذلك، فإن عبارة "الاتجاه شرقا" لم تكن خياراً للأردن وحسب، بل إن كثيرا من الدول في المنطقة قامت بذلك، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي باتت تدرّس اللغة الصينية في مدارسها الحكومية، وهذا لا يعني بالضرورة أن عمّان تتخلى عن شراكاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وأوروبا أو تنضم إلى محور سياسي جديد. إذ إن السياسة الأردنية تقوم تاريخياً على تنويع العلاقات والحفاظ على هامش واسع من الحركة والواقعية الممكنة في الخيارات.
لكن نجاح الشراكة بين الأردن والصين لا يمر دون تحديات، كما أنه يولّد كثيرا من الفرص، فالأردن بالجهد الذي قاده الملك في زيارته مؤخراً، وبالإفادة من السمعة الدولية له، لم يرد فقط أن يزيد صادراته للصين، أو أن يجذب تمويلاً لمشاريعه الملحّة، بل أراد جذب استثمارات نوعية ذات قيمة مضافة، تساعد في تشغيل الأردنيين والاستثمار بقدراتهم، لذلك كله الفرصة الصينية أمام الأردن متوفرة، لكنها ليست تلقائية.
ختاماً، يبدو أن الأردن لا يذهب إلى الصين بحثاً عن حليف سياسي بديل في ظل فراغ القوة العالمية من مبدأ ثنائية القطبية، بقدر ما يبحث عن فرصة اقتصادية جديدة في عالم يتغير بسرعة. وإذا نجحت عمّان في تحويل الاستثمارات الصينية من تجارة واستيراد إلى تصنيع وتكنولوجيا وتصدير، فقد تصبح الصين أحد أهم ركائز الفرص الدولية في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية التي أطلقها الأردن منذ عامين.
أما التحدي الحقيقي، فهو أن يكون التوجه شرقاً جزءاً من استراتيجية أردنية أوسع: تنويع الأسواق، وجذب الاستثمار، وزيادة الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شبكة العلاقات الدولية المتوازنة التي تمنح الأردن وزنه الاقتصادي والسياسي المؤثر في المنطقة.
بهذا المعنى، فإن الأردن يتجه شرقاً من منظور واقعي، نعم؛ لكن الهدف ليس الابتعاد عن الغرب، بل توسيع دائرة الخيارات، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على عبور الأزمات.