التاريخ هو الغائب في المشهد السياسي

التاريخ هو الغائب في المشهد السياسي

استمع إلى المقال دقيقة

تنطلق في مدينة صلالة بسلطنة عمان أعمال "ملتقى جمعية تاريخ وأثار الخليج العربي" والذي يُعقد سنويا في أحد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه نهاية التسعينات من القرن الماضي وحتى اليوم، وحتما فاستمرارية انعقاده شيء إيجابي في ظل تفلت كثير من الجمعيات العلمية وانقطاعها، على أن هذه الإيجابية تحمل في طياتها مسؤولية المحافظة على هوية وكيفية الاستمرار، الذي أخشى أن الجمعية قد فقدت بوصلتها إزاءه مع توالي السنين، وصارت منصة يطفو على عتبتها غير المتخصصين بأبحاث تقليدية في مضمونها ومحتواها.

أسوق ذلك لأشير إلى تدني قيمة التاريخ في الوجدان والذهن العربي إجمالا، لاسيما وأنه بات غائبا عن فهم وتحليل المشهد المعاصر، بالمقارنة بحقيقة وجوده في الوجدان والذهن الغربي، ذلك الذي اهتم بقراءة حيثيات كل صغيرة وكبيرة في الذاكرة التاريخية مع قيامه بإسقاط ما قرأه على الواقع المعاصر، عبر كثير من المستشرقين قديما، وكثير من الباحثين المعاصرين، الذين تبحروا في تفاصيل حياتنا الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وصولا إلى السياسية، وتعمقوا في معرفة مهاراتنا اللغوية، وأسلوب حياتنا، وأسس قبولنا للآخر، إلى غير ذلك من القضايا المهمة التي مكنتهم من فهم واقعنا العربي فهما دقيقا، مما سهل عليهم التعامل معنا والتحكم بعدئذ بنسق مساقاتنا المختلفة.

كل ذلك تم عبر وعيهم بالتاريخ وفق دلالته الصحيحة، في الوقت الذي ظل حدثا مفصولا عن واقعنا المعاصر في عقلنا العربي، ولذلك لم نستفد منه حاضرا، وبقينا باسمه محبوسين في الماضي بخيره وشره، نجتر عداواته وننقلها معنا وديعة لأجيالنا القادمة، وتلك كارثة الكوارث.

وحتى لا أوغل في التنظير، دعونا نبحث بعمق عن عدد الدراسات التاريخية التي استشرفت واقعنا المعاش حال قراءتها لكثير من النوازل بذهن تحليلي استشرافي سواء على الصعيد العربي أو الخليجي بحكم ما يشهده الخليج اليوم من توتر سياسي له أبعاده الاجتماعية والثقافية. فتركيا على سبيل المثال قد اختزلت في سياق تاريخي محدد محصور بفترتها العثمانية، وكذلك إيران التي نشتبك معها خليجيا قد اختُزلت تاريخيا في فترة الدولة الصفوية، دون أن نتعمق في حيثياتهما المختلفة التي لها امتداداتها المؤثرة في طبيعة وخلفية الاشتباك الحالي، وبالتالي ما أحوجنا إلى تقديم دراسات تفكيكية لطبيعة المشهد التاريخي في تركيا وإيران على سبيل المثال، لبيان حجم التنوع والتغاير في سياقه، بعيدا عن وتيرة الأبحاث الوصفية التي مع أهميتها لأصحابها، لكنها على أرض الواقع لا تُحدث أي تأثير أو تغيير في فهم صانع القرار الخليجي والعربي لطبيعة المشهد وخلفياته وكيفية التأثير فيه بما يخدم المصلحة، وهو ما يزيد من صعوبة اتخاذ القرار وربما عدم دقته في بعض الأحيان.

في جانب آخر، فنمطية وعينا بالتاريخ كموضوع علمي تجعلنا نحصره في جانب سردي حكائي شبيه بحال القصاصين في تراثنا العربي، ولذلك استسهله كثير من الحكائين المعاصرين من مقتحمي وسائط التواصل الاجتماعي، وصرنا نسمع قصصا وحكايات ما أنزل الله بها من سلطان، وأخشى أن نصحو يوما وقد أصبح أولئك أعضاء في بعض الاتحادات والجمعيات التاريخية، لتكون لهم منصة تشرعن محتواهم الإعلامي، ولعمري فتلك هي الكارثة بعينها، إذ في الوقت الذي يسعى فيه الباحثون الغربيون إلى تقصي واقعنا المعاصر بالرجوع إلى حيثيات تاريخنا بمنهجية استقصائية، نوغل نحن في السرد الحكائي بعيدا عن التوثيق العلمي والتحليل المنهجي.

أؤمن بأن التاريخ علم نستكشف من خلاله واقعنا ومستقبلنا، وأؤمن بأن جانبا كبيرا من إخفاقنا العربي سياسيا يعود إلى عدم وعينا بالتاريخ بشكل منهجي

في هذا السياق وخلال وجودي في مدينة صلالة بمحافظة ظفار العمانية التي عرفت بتميزها بتعدد اللهجات الموغلة في الخصوصية التي ينطق بها أفراد المجتمع، وأظن أن كثيرا منها يمكن عده جزءا من اللغات السامية القديمة، وأحزنني حين عرفت بأن كل من درس هذه اللغات المتعددة وقام بتوثيقها وبناء قاموس لها، هم الباحثون الغربيون، وحتما فأفهم بذهن نقدي سياسي مرجع اهتمامهم بذلك، فالأمر مهم من حيث إدراك مفاتيح هذه المجتمعات في حال احتياجهم مستقبلا، كما هو الحال مع سكان أرخبيل سقطرى المهمة موقعا، على أني لا أغفل جانب الاهتمام بالتوثيق العلمي الإنساني. والسؤال: ألم يكن الأجدى بباحثينا أن يقوموا بذلك؟ وأن يقدموا لنا تحليلا منهجيا لسبب بقائها حتى اليوم؟ وهل هناك أي علاقة وجودية بين مختلف هذه اللهجات الموغلة في الخصوصية بظفار بأخرى مشابهة لها في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية؟ وهل لها أي تأثير اجتماعي سياسي حاضرا ومستقبلا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التفكيكية التي تبحث في موضوع تاريخي بعقل معاصر. والنماذج غيرها كثير. مع الإشارة إلى أن ظفار عُمان قد ربطت بتاريخها وتراثها وإنسانها الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية حيث حضارة "ماجان" بسلطنة عمان حاليا، بالجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية حيث حضارات اليمن المتعددة.

أخيرا، أؤمن بأن التاريخ علم نستكشف من خلاله واقعنا ومستقبلنا، وأؤمن بأن جانبا كبيرا من إخفاقنا العربي سياسيا يعود إلى عدم وعينا بالتاريخ بشكل منهجي، وكم أرجو أن تخرج ملتقيات التاريخ العلمية من حالة الكم إلى الكيف، وأحلم بأن تكون في قابل الأيام منصة يُعرض عليها عدد محدود من الأبحاث التاريخية العميقة في مدلولها، المتفردة في موضوعها، الدقيقة في قراءتها للنازلة التاريخية، وأن يكون في كل دورة منها شخصية كبيرة في حجمها، وازنة في طرحها، تكون ضيف شرف الملتقى، وتأخذ فرصتها في تقديم بعض خبرتها في فلسفة العلوم الإنسانية التي تستظل جميعها في خيمة التاريخ بمفهومه العلمي المنهجي. حين ذاك أؤمن بأن المؤرخ سيكون أحد الرئيسيين في قاعة اجتماعات صانع القرار حين يقرر بناء سياساته واتخاذ قراراته.

font change