بين الهجري وفاوست

بين الهجري وفاوست

استمع إلى المقال دقيقة

لا تمحى التصريحات الأخيرة لحكمت الهجري- أحد مشايخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في مدينة السويداء السورية- من الأذهان، تلك التي أعلن فيها "البيعة" لنتنياهو ولدولة إسرائيل. لا نريد تذكرها ولا نستطيع نسيانها.

كانت صحيفة "واشنطن بوست" في تقريرها الشهير أواخر 2025 قد نشرت غسيل تاريخ العلاقة القديم بين الرجلين التي امتدت في الماضي إلى ما قبل رحيل الأسد، الذي كان الهجري قد وصف سياسته في 2014 بالحكيمة. وها هو يعلن باسمه الصريح وعلى العلن فصلا آخر من فصول علاقته بإسرائيل، في الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو وعلى العلن أيضا فصلا آخر من فصول الإبادة والمشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني في فلسطين وسوريا ولبنان.

"نحن مشتركون مع إسرائيل في العقيدة والفكر، نحن كموحدين كدروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، دولة إسرائيل دولة مؤسسات دولة علوم وحضارة، دولة بناء إنسان بالشكل الصحيح، دولة أن يكون السقف هو القانون للجميع، أرجعنا لقواعدنا قواعد باشان التاريخية نحن حتى بالعقيدة مرتكزين على قواعد باشان التاريخية".

طافت مدينة السويداء بعد هذا التصريح بعض المظاهرات من أتباعه، ترفع صورة الشيخ وراعيه الروحي والاقتصادي والمعنوي والأخلاقي نتنياهو، وترفع العلم الأزرق إلى جانب علم الطائفة مع الأسف الشديد. ونددت الكثير من الأصوات الدرزية البارزة بهذه التصريحات، نابذة لها ومتبرأة منها.

هذا التصريح مؤلم ومحير. هو خيانة لصوت السويداء التاريخي، صوت الثورة السورية الكبرى، ولصوت أهل السويداء من أبناء الثورة السورية في 2011. مؤلم لكل سوريا بكل أطيافها. كأنه يجيز لنفسه هذه المجزرة الأخلاقية متكئا على فظاعة المجزرة الفعلية الدموية التي جرت. كلما ازدادت براعة الزعيم في فهم الواقع، قل احتمال ارتكابه الأخطاء المأساوية. كانت براعة الهجري في كل مرة تتمثل بالارتماء في حضن إسرائيل ونتنياهو، منسلخا عن مشاعر السوريين ككل ومهرولا على طريق التبعية.

يستطيع الإنسان الذي يبحث عن منافذ لخروج منطقتنا وأهلها من هذا الضيق، أن يستعير من الشعر ما يربي فينا الجمال والأمل. وأن يستعير من السياسة لحظات وتجارب، كتلك التي أعلن فيها سلطان باشا الأطرش أن "الدين لله والوطن للجميع". حين كان يتشارك النضال مع رموز الثورة السورية الكبرى الذين كانت أعينهم على الثريا من أجل صون الثرى. حلفاؤه عبد الرحمن الشهبندر وحسن الخراط وإبراهيم هنانو وأحمد مريود والشيخ صالح العلي وكثيرون غيرهم، ويتطلعون إلى التواصل مع رجالات مثل غاندي. ويستطيع الرجوع إلى التاريخ الذي يجيب بأن "الدرزية" نشأت في كنف الدولة الفاطمية في القرن الحادي عشر.

هل حقا يثق الهجري بنتنياهو؟

هذا التصريح مؤلم ومحير. هو خيانة لصوت السويداء التاريخي، صوت الثورة السورية الكبرى، ولصوت أهل السويداء من أبناء الثورة السورية

هل هذا هو العمق الروحي لشيخ عقل يتحلى بسعة الرؤيا وعمق المعرفة. أم هو نسخة أخرى بين نسخ كثيرة مستحدثة ومشوهة من  الصفقة بين فاوست ومفستوفيليس. هذه الصفقة الفاوستية المقترحة علينا في المسرح السياسي الديني العريض، تحاول أن تقايض على المبادئ والقيم والأخلاق والمشاعر والحرية بشكل أساسي. تسعى الضحية إلى أن تصبح عبدا لجلادها. وليس الهجري بفاوست، وليس نتنياهو بمجرد شيطان. وأرجو أن يتقبل فاوست اعتذاري وكذلك ميفستوفليس وغوته ومارلو.      

حين حاصر جيش الدولة "الديمقراطية" بحسب الهجري، الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في 2002، وكان الكون ينام ويفيق على ذلك المشهد النضالي البديع لعرفات الأعزل المحاصر في مكتبه، وكان شارون قد قطع عنه الماء والكهرباء، كان العالم يفيق على المشهد الفاشي المرعب لجيش الاحتلال ومدفع الدبابة يكاد يلامس وجه عرفات. آثر الرجل حينها مخاطبة الكون مدافعا عن قضيته وقضية شعبه وعن كرامتنا وكرامة الإنسانية: "شهيدا شهيدا شهيدا".

من هو المثال الذي يقتدي به الهجري؟

يتطلب الخروج من النفق التفكير بإنقاذ الجميع، والعدالة الانتقالية غير الانتقائية هي مطلب الجميع، لا بد من كشف فصول مجزرة السويداء، والمحاسبة وإحقاق القانون. لا بد من فتح الصندوق الأسود الهائل لكل المجازر الفظيعة الأليمة السابقة كي لا تتعثر المصالحة الوطنية الغالية على قلوب السوريين.

يبرئ الهجري نتنياهو من جريمة الإبادة. اسم نتنياهو وصورته خنجر يغرز في خاصرة سوريا. يستجير الشيخ بإسرائيل على أنها دولة المواطنة والحقوق، متغافلا عن كونها صوتت في 19 يوليو/تموز 2018 على إقرار قانون "الدولة القومية" للشعب اليهودي. لا يملك الهجري صلاحية القيادة السياسية وهو ليس حاكما، ولا الوهم الباشاني يمثل أهل السويداء، وليس لديه صلاحية تبديل الهوية، أو تحويرها. وليس لديه مشروع يقدمه للمواطنين.


لا يملك الهجري صلاحية القيادة السياسية وهو ليس حاكما، ولا الوهم الباشاني يمثل أهل السويداء، وليس لديه صلاحية تبديل الهوية

كل ما فعله هو استخدام ميليشياته الخاصة من الحرس الوطني في فرض سيطرته، وكان آخر خدماته التدخل في مصير الطلاب وحرمانهم من الوصول إلى قاعات الامتحان ضد إرادة ذويهم، كأن الاعتراض عليه هو الاعتراض على  الدروز. كأنه إرادتهم، كأنه هم. بقي حافظ الأسد "أبا" للسوريين ثلاثين عاما ضمن هذا السياق الذي صارت سوريا فيه "سوريا الأسد"

لقد تعرضت سوريا إلى ظلم فظيع، ودفع أهلها أثمانا باهظة. ومن حقها بعد 54 عاما من النضال ضد الاستبداد، انتخابات حرة ديمقراطية تحقق حلم الدولة المدنية، دولة القانون والمواطنة. ومن حقها أن تصون فرح التحرير.    

font change