انفرد رياض السنباطي (1906-1081) الذي تصادف اليوم ذكرى رحيله، بصوت أم كلثوم نحو عقد كامل من الزمن، بعدما كان شارك محمد القصبجي وزكريا أحمد في بناء أعمدة مجد الست، وقبل أن تستدخل هي الملحنين "الجدد" إلى بلاطها مثل عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي إلى جانب السنباطي. لذا فإن صورته في الأذهان تشكلت أساسا من خلال أعماله الضخمة لأم كلثوم، والمشهور منها كثير وغير المشهور أكثر.
غير أن هذا الطغيان أضر أيضا بصورة السنباطي كملحن لغير أم كلثوم، فتكاد أغنية "يا ناسيني" لشهرزاد تنفرد بالذكر بسبب القصة التي تروى عن غيرة أم كلثوم من هذا اللحن ومن عزف السنباطي في مقدمته، وكذلك "ليه يا بنفسج" لصالح عبد الحي. فتًنسى أعمال لا تحصى للسنباطي مع أصوات مختلفة، وبنبرة مختلفة أحيانا عن ألحانه الكلثومية، كذلك تُنسى أعماله الموسيقية البحتة ولا يذكر منها سوى "لونغا فرحفزا" و"رقصة شنغهاي"، ولا ندري إن كانت الأعمال الكثيرة التي قدمها على أثير الإذاعات قد حفظت أم اندثرت تماما.
يزيد هذا من ظلم مقارنة السنباطي بعبد الوهاب، وهي مقارنة شائعة، إذ نعرف الكثير عن أعمال عبد الوهاب لغيره وعن أعماله الموسيقية البحتة، وإن كانت المقارنة ظالمة من حيث المبدأ لأن السنباطي تشرب الكثير من جيل الأساتذة الأسبق عليه، القصبجي وعبد الوهاب خصوصا، وفي بعض الأحيان زكريا أحمد كما في "شمس الأصيل" و"القلب يعشق"، وكانت عنده ميزة تجويد الصنعة حتى عندما تكون ألحانه قريبة جدا من أجوائهم.
لكن ما يعنينا هنا هو ظلم آخر أحاق به، فرغم شهرة السنباطي كعازف عود بارع، إلا أن الأقلام لا تتناوله إلا كملحن مدقق "حولي"، كما كان يقال عن بعض الشعراء الأقدمين الذين ينقحون تكرارا أعمالهم بدقة وتأن. كما أن الإنصات إلى عزفه يكاد يكون، أغلب الأوقات، مقترنا بإعادته غناء الأعمال التي لحنها لأم كلثوم أو بعض القصائد الأخرى مثل "أشواق" وغيرها. ولا يهم أداؤه العزفي البديع إذن المنشغلين بالمقارنات بين أمير العود وأخطبوط العود ومؤسسي المدارس العديدة في كل ناحية.



