في ذكراه الخامسة والأربعين... رياض السنباطي خارج عباءة أم كلثوم

عندما يرتجل الملحن

Lina Jaradat
Lina Jaradat

في ذكراه الخامسة والأربعين... رياض السنباطي خارج عباءة أم كلثوم

انفرد رياض السنباطي (1906-1081) الذي تصادف اليوم ذكرى رحيله، بصوت أم كلثوم نحو عقد كامل من الزمن، بعدما كان شارك محمد القصبجي وزكريا أحمد في بناء أعمدة مجد الست، وقبل أن تستدخل هي الملحنين "الجدد" إلى بلاطها مثل عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي إلى جانب السنباطي. لذا فإن صورته في الأذهان تشكلت أساسا من خلال أعماله الضخمة لأم كلثوم، والمشهور منها كثير وغير المشهور أكثر.

غير أن هذا الطغيان أضر أيضا بصورة السنباطي كملحن لغير أم كلثوم، فتكاد أغنية "يا ناسيني" لشهرزاد تنفرد بالذكر بسبب القصة التي تروى عن غيرة أم كلثوم من هذا اللحن ومن عزف السنباطي في مقدمته، وكذلك "ليه يا بنفسج" لصالح عبد الحي. فتًنسى أعمال لا تحصى للسنباطي مع أصوات مختلفة، وبنبرة مختلفة أحيانا عن ألحانه الكلثومية، كذلك تُنسى أعماله الموسيقية البحتة ولا يذكر منها سوى "لونغا فرحفزا" و"رقصة شنغهاي"، ولا ندري إن كانت الأعمال الكثيرة التي قدمها على أثير الإذاعات قد حفظت أم اندثرت تماما.

يزيد هذا من ظلم مقارنة السنباطي بعبد الوهاب، وهي مقارنة شائعة، إذ نعرف الكثير عن أعمال عبد الوهاب لغيره وعن أعماله الموسيقية البحتة، وإن كانت المقارنة ظالمة من حيث المبدأ لأن السنباطي تشرب الكثير من جيل الأساتذة الأسبق عليه، القصبجي وعبد الوهاب خصوصا، وفي بعض الأحيان زكريا أحمد كما في "شمس الأصيل" و"القلب يعشق"، وكانت عنده ميزة تجويد الصنعة حتى عندما تكون ألحانه قريبة جدا من أجوائهم.

لكن ما يعنينا هنا هو ظلم آخر أحاق به، فرغم شهرة السنباطي كعازف عود بارع، إلا أن الأقلام لا تتناوله إلا كملحن مدقق "حولي"، كما كان يقال عن بعض الشعراء الأقدمين الذين ينقحون تكرارا أعمالهم بدقة وتأن. كما أن الإنصات إلى عزفه يكاد يكون، أغلب الأوقات، مقترنا بإعادته غناء الأعمال التي لحنها لأم كلثوم أو بعض القصائد الأخرى مثل "أشواق" وغيرها. ولا يهم أداؤه العزفي البديع إذن المنشغلين بالمقارنات بين أمير العود وأخطبوط العود ومؤسسي المدارس العديدة في كل ناحية.

يغيب جانب مهم من السنباطي، أي جانب المرتجل الخطير الذي يتبدى في الجلسات الخاصة القليلة التي وصلتنا تسجيلات منها بين عامي 1963 و1966

بذا يغيب جانب مهم من السنباطي، أي جانب المرتجل الخطير الذي يتبدى، لا فقط في تقاسيمه المسجلة على أسطوانات في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين أو مطلع العقد الذي يليه، ولا التقاسيم التي رافقت تسجيل "لونغا فرحفزا" أو قصيدة "أشواق" أو بعض اللقاءات المتلفزة، ولا تقاسيمه الستة المسجلة في الاستديو التي انتشرت على كاسيتات في العام 1977، بل أيضا وفي الأخص في الجلسات الخاصة القليلة التي وصلتنا تسجيلات منها بين عامي 1963 و1966، حيث يبدو السنباطي منطلقا على سجيته بين أصحابه، وحيث تبدو لنا ملامح تستحق التوقف عندها من مزاجه النغمي.

التقاسيم المرجعية

لعل أول ما يستوقف المرء هو غزارة جمل السنباطي في مجمل هذه التقاسيم، ولا سيما تدفقها المبهر دون انقطاع في جلساته، فضلا عن تنويعاته الكثيرة بالريشة واستعماله الكثيف للتريوليهات وأنواع أخرى من التشكيل الإيقاعي بالريشة، والتلوين الصوتي بالجليساندو (الانزلاق) والفرداش (أو الضرب السريع بالريشة على نوتة واحدة) وأدوات أخرى من النقر الخاطف للنوتات المجاورة للمطلوب.

ويبدو عندها بوضوح مستمتعا بأثر أدائه هذا على جلسائه وندمائه، ولا سيما أثر القطع المفاجئ للتدفق النغمي في قفلة معلقة أو انقطاع لسيل الزمن بغتة فكأنه فيه يخطف أيضا قلوب السامعين بسحبه بساط الوقت المنساب من تحتهم تاركا إياهم يقعون في ثغرات من الزمان يفتحها لهم مستخرجا منهم الآهات والإعجاب.

وحتى عندما يقدم بعض أعماله، مثل "رباعيات الخيام" بمصاحبة عازف الجنبش توفيق الألايلي، فإنه يقدم دروسا متعددة في مصاحبة المغني لنفسه على العود وفي تلوين الجمل الملحنة وملء فراغاتها بإبداعاته اللحظية التي لسنا ندري لماذا لم يفكر باستغلالها أيضا في تعقيد النسيج الصوتي لأوركسترا أم كلثوم عندما قدم لها هذا اللحن.

وتبدو بعض جمل التقاسيم عنده محضرة، مثل استهلال تقسيم نهاوند على الأسطوانة حوالى عام 1929، الذي نعود فنسمع أحيانا أصداء منه في تقسيم نهاوند بعد نحو نصف قرن. وكذلك فإن بعض المحاور النغمية عنده تكون راسخة، كأساسات البنيان الشامخ المدروس، مثل أهمية درجة اليكاه (الصول الغليظة) ظهيرا لدرجة الدو أو الراست (في تقاسيم نغم الراست) ومعها تأتي خامستها أي الدوكاه (الري) في مطالع تقاسيم الراست العديدة عنده، وفي هذا بعض صدى لموشحات عظيمة قديمة وثرية بالدروس وبالجمال.

يقدم دروسا متعددة في مصاحبة المغني لنفسه على العود وفي تلوين الجمل الملحنة وملء فراغاتها بإبداعاته اللحظية

كذلك تبدو بعض الجمل ملحة عليه، أو في مرحلة وسطى ما بين الارتجال والتأليف، كمطلع الارتجالات التي تسبق أداءه لدور عبده الحمولي "شربت الصبر". بينما يبدو في أحيان أخرى متلاعبا بالعود في شذرات سريعة (لم أسمع ما يشابهها سوى من حازم شاهين)، في انتظار انتهاء حديث أو البدء بالعزف "الجدي" أو ربما انتظار الالهام.

على أن السنباطي أيضا، وإن كان في العموم لا يفاجئنا بانتقالات نغمية بعيدة، بل تبدو نقلاته بالغة السلاسة والنمطية، يظل يعرف كيف يخرج عن هذه النمطية فيبدو أنه ينتقل مثلا من نغم راست متمهلا حينا عند الجهاركاه قبل أن يعود إلى قفلته الراستية. وفي التقاسيم التي تسبق "شربت الصبر" أيضا عدد من التحويلات الكروماتية والنقلات التي تبدو "استكشافا" للاحتمالات يجري مباشرة قبالة أسماعنا.

 AFP
الموسيقار المصري رياض السنباطي، أحد أبرز أعلام الموسيقى العربية الكلاسيكية، في صورة تعود إلى سبعينات القرن الماضي

وتبدو تقاسيمه، منذ البداية، ولكن بصورة خاصة منذ الستينات، بالغة الاختلاف عن تقاسيم القصبجي وداود حسني وأمين المهدي وشحادة سعادة وباترو العواد، ممن سبقوه وسجلوا أيضا في مصر تقاسيم في الثلث الأول من القرن العشرين، لجهة وضوح تركيب الجملة منقسمة إلى موتيفات صغيرة متكررة (وتلعب التريوليهات، أي ضرب ثلاث نوتات في زمن واحد، هذا الدور أحيانا)، ودخول جانب راقص موقع بداخلها. فكأن السنباطي هو أول من خرج من جمل العازفين، التي تبحث في ألعاب الريشة وقوة صوت الآلة وامتداد النغم على درجات المقام على الطريقة الأقدم الأشبه بالأدوار والموشحات في خفاء بنيتها العميقة، إلى جمل الملحنين الحديثين في القرن العشرين حيث موتيفات الجملة وتوازن أقسامها ودور الصمت فيها وتلوين أجزائها بألوان صوتية مختلفة والاقتراب من الغناء الحديث في وضوح زخارفها وأيضا في البطء النسبي لنبضها (إذا ما قورن مثلا بسرعة القصبجي). وهو يلون عزفه أحيانا بائتلافات (كوردات) بالغة البساطة لغرض إثراء النسيج الصوتي لكنه لا يبني عليها جملا موسيقية بخلاف ما شاع في القرن الحادي والعشرين.

والمقارنة هذه قد تبرز أسباب اعتبار تقاسيم السنباطي، لا سيما الأخيرة في عام 77، "كلاسيكية"، لا بمعنى الكليشيه ولكن بمعنى مرجعيتها (أيضا لبساطتها ووضوحها على المستوى المقامي، حتى يعتبرها البعض أكاديمية المنهج) بالنسبة لقسم كبير من التقاسيم الحديثة في مصر خصوصا، بينما لا نكاد نلمح في العوادين اللاحقين أثر جمل القصبجي في التقاسيم، رغم أستاذيته وتفجر حداثيته ربما فوق ما احتمل زمنه، بينما تبدو تقاسيم المذكورين الآخرين أقدم من زمن السنباطي وتعود إلى مزاج القرن التاسع عشر في البطء والوقوف المتكرر وغياب وضوح هيكل الجمل والقصر النسبي للنفس فيها.

مزاج الجلسات ومراجع السنباطي

في الجلسات يتبدى أيضا مزاج ارتجالي في اختيارات السنباطي الغنائية. فإلى جانب ألحانه الخاصة، كان يغني بعض الموشحات (مثل "صحت وجدا"، و"قد حركت أيدي النسيم")، والمواويل (مثل "سلطان جمالك") والعديد من الأدوار (مثل "شربت الصبر"، و"في مجلس الأنس الهني" لعثمان الجندي كما يذكر في كتاب "روض المسرات" وليس للمسلوب على ما هو شائع، و"الزهر والأغصان روضة للعشاق" لداود حسني و"أنا هويت وانتهيت" لسيد درويش).

تبدو الأدوار والموشحات جزءا من البنية التحتية التي ينطلق منها السنباطي، والتي تغيب عن كثير من الملحنين اللاحقين له

وبالتعريف فإن الموال والدور، كقالبين لحنيين، يتطلبان أشكالا من الارتجال في أدائهما. لكن غناء السنباطي يميل بالموال بعيدا عن المعتاد من إظهار قوة الصوت مثلا نحو نعومة الأداء "المجلسي" بين الصحب والبعد بغنائه "المتقن" عن الموال الشعبي ابن الحارة. بالمثل، فإن مقارنة ارتجالاته في "شربت الصبر" بغيره ممن أدوا هذا الدور تبرز بوضوح اختياراته الحداثية في بناء الجمل، لا سيما عند "ولكن للقضا سمعا وطاعة"، بالبعد عن التطريب العوالمي والمشايخي القديم، والاقتراب من التطريب الكلثومي والوهابي الحديث صوتيا، وقد جايلهما السنباطي وأسهم في هذا التغيير عزفا مع عبد الوهاب وتلحينا مع أم كلثوم، وكذلك الاقتراب من "الدرامية" في الأداء (تقليل الزخارف الصوتية السريعة، التدرج في بناء التوتر النغمي، التركيز على الدرجة "الحساسة" تحت المستقر قبل القفلة... الخ) التي تأثر فيها بالتأكيد بالموسيقى الأوروبية التي كان يهوى سماعها ويحب من بين مؤلفيها راسبيغي، على ما ذكر في لقاء إذاعي، والتي كان سيد درويش بين أول من استدخل دراميتها في ألحانه المسرحية، ربما بعد الشيخ سلامة حجازي.

AFP
المغني والملحن المصري سيد درويش في صورة تعود إلى أوائل عشرينات القرن الماضي

فتبدو الأدوار والموشحات أيضا جزءا من البنية التحتية التي ينطلق منها السنباطي، والتي تغيب عن كثير من الملحنين اللاحقين له مما يفقدهم في الآن عينه تلك المرجعية، وذلك الوعي بضرورة عدم الاجترار، بل والخروج بالقديم نحو الملامح الحديثة المعاصرة دون أن يكون في ذلك افتئات على القديم ولا تحنيط. فالتقاليد الموسيقية لا تكون، على ما يحسب من لم يعرفها إلا من خلال التثبيت الذي تجريه الأسطوانات، تكرارا ونسخا متقاربة متشابهة. بل إن معظم الأعمال القديمة لم تكن تعيش، باستثناء ألحان قليلة (نحو عشرة في المئة)، أكثر من نصف قرن تقريبا. بمعنى أن الموسيقيين كانوا دائما أبناء عصرهم، وقليل منهم من كان مطلعا على "قديم" فعلا قبل العصر الحديث. وحتى في ظل تقاليد بلاطية صارمة، كالموسيقى العثمانية، فإن أسلوب أداء الأعمال المحافظ عليها كان يتغير باستمرار على ما يتبدى من مقارنة التدوينات من السادس عشر حتى التاسع عشر. 

Wikimedia Commons
رياض السنباطي وأم كلثوم

هكذا تفتح جلسات السنباطي لنا الباب أيضا، لا على مزاجه الخاص فقط، بل أيضا على الاحتمالات التي كان يمكن الأدوار القديمة أن تتجه نحوها، لو تأخرت تقنية التسجيلات نصف قرن مثلا، وعلى أشكال التفاعلات التي يظنها البعض محرمة لأنها وصلتهم مجمدة خارج سياقها الأسبق، ومنعزلة عما تلاها بفعل تسارع المتغيرات بعد الحرب العالمية الأولى (وفاة المطربين الكبار القدامى، ثم ظهور المسرح الغنائي، والتحديث الذي قام به عبد الوهاب والقصبجي).

في كل هذا نجد مزاج ملحن عميق الموهبة، قوي التدفق وسريع الالهام الذي يرفد ارتجالاته، سواء العزفية أو الغنائية

وفي كل هذا نجد مزاج ملحن، عميق الموهبة، قوي التدفق وسريع الالهام الذي يرفد ارتجالاته، سواء العزفية أو الغنائية. فكأنه واقف بين العالمين، الارتجال والتأليف، يغذي واحدهما الآخر دون تعارض، كما كان أيضا واقفا بين عوالم متعددة، باحثا عن توازنه الخاص دون أن ينفصم بالكامل عن أي منها: النغم الشرقي والدراما الغربية، التحديث في الألحان لكن مع مساحة الارتجالات الكلثومية، رشاقة اللحن وفخامة القصيدة الفصحى التي قيض له أن يكون من أكثر من نشر متعة تذوقها عبر الغناء ودافع عنها بينما تزداد اللغة الجزلى انعزالا في حياتنا اليومية.

font change