تهدد المعارضة المتصاعدة في أوساط القادة الأوروبيين لقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المضي في برنامج استيطاني مثير للجدل على مشارف القدس بتعميق الهوة بين الدولة اليهودية وأوروبا، وربما دفع العلاقات بينهما نحو شرخ يصعب رأبه.
ومع دخوله شهرا انتخابيا حاسما، يُنظر إلى قرار حكومة نتنياهو الشروع في بناء كتلة "إي-1" (E1) الاستيطانية المثيرة للجدل في الضفة الغربية المحتلة بوصفه مناورة محسوبة من الزعيم الإسرائيلي المحاصر لتعزيز صورته كزعيم يميني.
وتعود فكرة إنشاء كتلة "إي-1" (E1) إلى عام 1999، غير أن استكمال المشروع من شأنه أن يعيد رسم جغرافيا الضفة الغربية بصورة جذرية، إلى درجة قد تجعل الحلم الفلسطيني القديم بإقامة دولة مستقلة أقرب إلى المستحيل.
وتنص الخطط الحالية على إنشاء منطقة حضرية جديدة تضم آلاف الوحدات السكنية، فضلا عن عقارات تجارية ومرافق خدمية، بما يربط مستوطنة معاليه أدوميم الكبيرة بالقدس الشرقية.
أثارت هذه الخطط اعتراضات واسعة لدى القادة الغربيين، خصوصا بسبب المخاوف من أن تؤدي إلى عزل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، بما في ذلك مدن فلسطينية رئيسة مثل رام الله وبيت لحم. ولهذا يعد مشروع "إي-1" (E1) خطا أحمر في أي مفاوضات مستقبلية بشأن تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يفترض أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية في أي اتفاق يقوم على حل الدولتين.
ولم تترك التصريحات العلنية لعدد من الوزراء الإسرائيليين مجالا للشك في الهدف النهائي من المضي في المشروع، إذ أكدوا صراحة أن الغاية منه هي الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية في المستقبل.
وعندما أعلن نتنياهو في سبتمبر/أيلول من العام الماضي عزمه المضي في المشروع، قال: "سنفي بوعدنا بأن لا تقوم دولة فلسطينية". كما قال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إن "مشروع (إي-1) سيدفن فكرة قيام دولة فلسطينية".
وبعد منح الموافقة النهائية على المخطط العمراني في أغسطس/آب 2025 لبناء أكثر من 3400 وحدة سكنية في الموقع، طرحت الشهر الماضي أول مناقصة لإنشاء 1200 وحدة سكنية في الجزء الجنوبي من "إي-1" (E1). ويغلق باب تقديم العروض في 19 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.
وأثار إصرار حكومة نتنياهو على المضي في المشروع موجة واسعة من الاحتجاجات الدولية، وكانت الحكومة البريطانية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء آندي بيرنم في طليعة المنتقدين، إذ أعلنت المملكة المتحدة حظرا شاملا على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية.
ويستهدف حظر الاستيراد البريطاني، الذي أعلنه وزير الخارجية إد ميليباند هذا الأسبوع، بالدرجة الأولى ردع الشركات عن المشاركة في بناء "إي-1" (E1). وقد حظيت الخطوة بدعم كندا وفرنسا وأيرلندا وإسبانيا، التي أعلنت بدورها إجراءات مماثلة.
ووجّه ميليباند انتقادات شديدة اللهجة إلى السياسة الإسرائيلية، تعد من بين الأقسى التي صدرت عن وزير خارجية بريطاني، إذ اتهم الحكومة الإسرائيلية بممارسة "التطهير العرقي"، ووصف المستوطنين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب أعمال عنف ضد المدنيين الفلسطينيين بأنهم "إرهابيون".
وقال ميليباند: "تقر الحكومة البريطانية بوجود عمليات تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، يرتكبها إرهابيون من المستوطنين"، مضيفا أن هناك "منازل جرفت، وطرقا وبنى تحتية عامة دمرت، وعائلات هجرت من منازلها".
يُخشى أن يؤدي اتساع الشرخ الدبلوماسي بين إسرائيل والقادة الأوروبيين إلى الإضرار بترتيبات حيوية لتبادل المعلومات الاستخباراتية، في وقت لا يزال فيه الصراع مع إيران يمثل أولوية لدى كثير من القادة الغربيين
كما قال إن حظر التجارة مع جميع المستوطنات الإسرائيلية سيدخل حيز التنفيذ خلال ستة إلى تسعة أشهر، لافتا إلى أن دولا أوروبية أخرى، من بينها الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد، تعهدت جميعها "بدعم اتخاذ مزيد من الإجراءات".
وأضاف أن هولندا وأيرلندا وبلجيكا وإسبانيا والنرويج إما حظرت بالفعل السلع القادمة من المستوطنات، أو تتجه إلى اتخاذ خطوة مماثلة.
كما وسع ميليباند نطاق الحظر البريطاني على مبيعات الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل لاستخدامها في غزة، ليشمل الأسلحة "التي تسهم بصورة ملموسة في الاحتلال" للأراضي الفلسطينية.
ويأتي هذا التحرك الدولي المنسق ردا على خطط إسرائيل لتوسيع أنشطتها الاستيطانية، وسط تنامي القلق إزاء سياساتها في الأراضي المحتلة. ويعيش اليوم أكثر من 700 ألف مستوطن إسرائيلي على أراض استولت عليها إسرائيل خلال حرب الأيام الستة عام 1967، رغم أن المستوطنات المقامة على هذه الأراضي تعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وبحسب حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، فقد وافقت السلطات منذ عام 2022 على أكثر من 102 مستوطنة إسرائيلية جديدة، يقع معظمها في عمق الضفة الغربية. وأفادت الأمم المتحدة أيضا بأن هجمات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول تسببت في نزوح أكثر من 6400 فلسطيني في الضفة الغربية منذ يناير/كانون الثاني 2023، من بينهم ما لا يقل عن 2500 شخص خلال عام 2026 وحده.
كما أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية منذ أواخر عام 2024 عن نزوح أكثر من 30 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين.
ورغم تنامي الغضب من النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، يبقى مدى فاعلية الجهود الدولية الرامية إلى كبح هذا النشاط موضع تساؤل. وسيكون لموقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب دور مهم في تحديد مسار هذه الخطوات، إذ قال إنه يريد مناقشة المسألة مع الإسرائيليين أولا قبل تقديم رد مفصل.
وقوبلت الإجراءات برد إسرائيلي غاضب، إذ أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، كما أدانت تصريحات ميليباند علنا. ووصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الإجراءات البريطانية بأنها خطوة "دنيئة"، وقال إن إسرائيل ستطرد الممثلين البريطانيين من مركز عسكري مشترك لمراقبة وقف إطلاق النار في غزة، وستوقف مشاركة المملكة المتحدة في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. كما منعت إسرائيل اثني عشر مشرعاً بريطانياً وعدداً من المواطنين البريطانيين الآخرين من دخول البلاد، بعدما اتهمهم ساعر بأنهم "منخرطون في أنشطة معادية للسامية ومعادية لإسرائيل".
وتثير فاعلية هذه الإجراءات في كبح النشاط الاستيطاني الإسرائيلي تحديات أخرى، في مقدمتها صعوبة التمييز بين السلع المرتبطة بالمستوطنات وغيرها. كما يخشى أن يؤدي اتساع الشرخ الدبلوماسي بين إسرائيل والقادة الأوروبيين إلى الإضرار بترتيبات حيوية لتبادل المعلومات الاستخباراتية، في وقت لا يزال فيه الصراع مع إيران يمثل أولوية لدى كثير من القادة الغربيين.
ويبقى تساؤل مهم بشأن ما إذا كانت الإدانة العلنية التي يوجهها القادة الأوروبيون إلى سياسة نتنياهو الاستيطانية قد تصب، من دون قصد، في مصلحته وتعزز فرصه في البقاء في الحكم بعد الانتخابات المقررة الشهر المقبل. فقد عرفت عن نتنياهو قدرته على توظيف الأزمات والضغوط السياسية لصالحه، وقد يساعده تصوير نفسه أمام الناخبين الإسرائيليين بوصفه هدفا لحملة دولية منسقة في حشد مزيد من التأييد.