تعتزم هيئة قناة بنما خفض عدد السفن العابرة يوميا من 36 إلى 32 سفينة، اعتبارا من 15 سبتمبر/أيلول، مع تراجع كميات المياه المتاحة للقناة، نتيجة انخفاض هطول الأمطار. في الوقت نفسه، يشهد موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي هدوءا استثنائيا، بينما تزداد قوة ظاهرة "إل نينيو" حدة في المحيط الهادئ.
هذه الأحداث ليست منفصلة عن بعضها، إذ ترتبط بظاهرة مناخية قادرة على التأثير في أنماط الطقس، وإمدادات الغذاء، وحركة التجارة في العالم. فما هي ظاهرة "إل نينيو"؟ وكيف يمكن تغير درجات حرارة مياه المحيط الهادئ أن يغرق مناطق بأمطار غزيرة وفيضانات مدمرة، فيما يدفع مناطق أخرى نحو الجفاف والحرارة؟
في الظروف الطبيعية، تدفع الرياح التجارية المياه السطحية الدافئة غربا نحو إندونيسيا وأوستراليا، في حين تصعد المياه الباردة والغنية بالمغذيات إلى السطح قبالة سواحل بيرو والإكوادور.
أما خلال ظاهرة "إل نينيو"، فتضعف هذه الرياح، وتتحرك المياه الدافئة شرقا عبر المحيط الهادئ، ليختل التوازن المعتاد لحرارة المحيط ودورته. ويعيد هذا التحول رسم خريطة هطول الأمطار، فيما يحد من صعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات قبالة سواحل أميركا الجنوبية. ومع تراجع تدفق هذه المغذيات إلى السطح، تتعرض النظم البيئية البحرية لاضطراب قد يمتد إلى مصايد الأسماك، فتنخفض المخزونات مما يؤثر في الإمدادات الغذائية والصادرات وسبل عيش العاملين في الصيد.
وكلما اشتدت حدة الظاهرة، زاد احتمال حدوث اضطرابات كبيرة، وإن كانت تأثيراتها تتفاوت باختلاف المنطقة والموسم.
في سبتمبر/أيلول 2026، أفادت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بأن ظاهرة "إل نينيو" تزداد حدة، مع احتمال يتجاوز 90 في المئة لأن تصبح ظاهرة قوية للغاية خلال فصلي الخريف والشتاء في نصف الكرة الشمالي. كما توقعت الإدارة، باحتمال نسبته 75 في المئة، أن تبلغ الظاهرة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول مستويات قوة تاريخية.
وبدأت هذه الأخطار تنعكس بالفعل على توقعات الإنتاج الغذائي. ففي الجنوب الأفريقي، تتوقع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) هطول أمطار دون المعدلات المعتادة في أجزاء واسعة من المنطقة خلال الموسم الزراعي 2026-2027، مما يهدد إنتاج الذرة وإمدادات الحبوب. في المقابل، ترتبط ظاهرة "إل نينيو" بزيادة احتمالات هطول أمطار غزيرة على نحو غير معتاد في أجزاء من إثيوبيا والصومال وكينيا خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول، مما يزيد خطر الفيضانات وتلف المحاصيل وتضرر البنية التحتية.
في المحيط الأطلسي، تتجلى تأثيرات "إل نينيو" بصورة مختلفة. فحتى منتصف سبتمبر/أيلول 2026، لم يكن أي إعصار قد تشكل في الأطلسي منذ بداية الموسم، على نحو غير معتاد. ويرتبط هذا الهدوء، جزئيا، بزيادة الفوارق في سرعة واتجاه الرياح بين طبقات الغلاف الجوي، وهي عوامل تجعل الظروف أقل ملاءمة لتطور العواصف المدارية. وعلى الجانب الآخر من المحيط، يمكن الظاهرة نفسها أن تعزز الظروف المواتية لنشاط الأعاصير في شرق ووسط المحيط الهادئ.
تكشف تداعيات الجفاف في أوروبا جانبا آخر من التكلفة الاقتصادية للاضطرابات المناخية. ففي صيف 2026، تراجع منسوب نهر الدانوب إلى مستويات غير مسبوقة في بعض مناطقه، مما انعكس على حركة الملاحة والري وإنتاج الطاقة. وعلى الرغم من أن هذا الجفاف لا يرتبط بظاهرة "إل نينيو" وحدها، فإنه يوضح كيف يمكن شح المياه وارتفاع درجات الحرارة أن يضغطا على قطاعات حيوية ويعطلا مرافق تعتمد على استقرار الموارد المائية.
